Image

بدأ مدار الأرض يكتظ بالخردة الفضائية إلى حد خطير

Bread assortment تصور فني لمركبة برين أثناء التقاط الحطام الفضائي
مصدر الصورة: الشركة الفضائية

في العام الماضي، ارتطم القمر الاصطناعي “سينتينيل 1A” التابع لوكالة الفضاء الأوروبية بقطعة صغيرة من الحطام. ومن حسن الحظ أن النتيجة لم تتجاوز أضراراً طفيفة أصيب بها أحد ألواحه الشمسية. ولكن كانت هذه صدفة سعيدة وحسب، فلو كانت قطعة الحطام تلك أكبر بقليل، لتسببت بتحطيم اللوح الشمسي بالكامل، وذلك وفقاً لهولجر كراج، مدير مكتب الحطام الفضائي في وكالة الفضاء الأوروبية، والذي تكلم عن الحادثة في الربيع الماضي خلال المؤتمر الأوروبي السابع حول الحطام الفضائي.

يكتظ مدار الأرض بالبراغي، ونثارات الدهان، والأقمار الاصطناعية الخامدة، وبقايا أخرى من بعثات فضائية سابقة. وتدور أكثر من 500,000 قطعة من الحطام الفضائي حول كوكبنا بسرعات تصل إلى 28,163.5 كيلومتر في الساعة. يزداد تراكم هذه القمامة باستمرار، ويخشى العلماء أن الاصطدامات ستصبح أكثر تكراراً، ما يتسبب بظهور المزيد من الحطام. قد يتسبب هذا بشيء يشبه التفاعل متسلسل، حيث ترتطم قطع صغيرة من القمامة بأجسام أخرى، فينتج عن هذا المزيد من المقذوفات التي تملأ المدار الأرضي الأدنى.

يقول جيسون ديرليث، المدير التنفيذي لبرنامج ناسا للأفكار الابتكارية “نياك NIAC”: “إذا حدث هذا فسيصبح من المستحيل الوصول إلى الفضاء، وعلى ما يبدو، فقد اقتربنا كثيراً من هذا الحد”.

يرغب بعض الباحثين بمواجهة هذه المشكلة فورياً، قبل الوصول إلى هذه النتيجة المحتومة. ففي الربيع الماضي، قدم برنامج نياك مكافأة بقيمة 500,000 دولار أميركي إلى الباحثين في الشركة الفضائية في إل سيجوندو، كاليفورنيا، وذلك لمتابعة تطوير مركبة فضائية فريدة الشكل، مخصصة لتجميع والتقاط القطع الصغيرة من الحطام الفضائي، تقريباً مثل المكنسة الكهربائية. تسمى هذه المركبات بمركبات برين، وهي تقريباً بعرض 91 سنتمتر، وأقل ثخانة من الشعرة البشرية. وستقوم كل من هذه المركبات بالالتفاف حول قطعة من الحطام، وجذبها نحو الغلاف الجوي، حيث ستسخن وتحترق على ارتفاع يقارب 250 كيلومتراً فوق سطح الأرض.

يقول ديرليث: “يمكنك أن تشبهها بقطعة ضخمة من رقائق البلاستيك المخصصة للف الأطعمة، ومغطاة بالنفاثات، ويمكنك أن تقذفها بأي اتجاه تريد”.

يأمل الباحثون أن مركبات برين ستكون خفيفة للغاية وفعالة من حيث استهلاك الوقود. ما يعني أنها قد تكون مثالية لمهام أخرى غير تنظيف الخردة الفضائية، فقد يمكن إرسالها يوماً ما لزيارة الكويكبات، والأقمار، والكواكب.

البحث عن الأهداف

اضطر الباحثون لتجاوز التصاميم التقليدية من أجل بناء مركبة برين، حيث أن هذه التصاميم غير مناسبة لمطاردة الحطام الفضائي. يقول ديرليث: “إن محاولة الإمساك بشيء يتحرك بهذه السرعة أمر بالغ الصعوبة. ويتطلب التقاط قطعة من الحطام مطابقة مسارها بشكل دقيق”.

بالفعل، فإن الالتقاء بقطعة من الحطام تنطلق، وبدون مبالغة، بسرعة تفوق سرعة الرصاصة، ومن ثم التخلص منها والانطلاق نحو غيرها، سيحتاج أيضاً إلى كميات هائلة من الوقود، ما يجعل من هذه العملية أمراً باهظ التكاليف.

يقول سيجفريد جانسون، عالم أساسي في الشركة الفضائية: “تقوم فكرة مركبة برين على تخفيض الكتلة الدنيا المطلقة للمركبة الفضائية”. حالياً، يكلف إطلاق كيوب سات حوالي 250,000 دولار، وهو أقرب ما يكون لقمر اصطناعي مصغر يقارب وزنه 5 كيلوغرامات، وفقاً لجانسون. ويسعى إلى صنع مركبة فضائية خفيفة لدرجة أن إطلاقها لن يكلف أكثر من 5,000 دولار.

يشبه التصميم الحالي للسفينة غشاء بمساحة حوالي 0.27 متر مربع، ووزن لا يتجاوز وزن موزة. ستصنع كل سفينة من شرائح بلاستيكية مرنة بثخانة 10 ميكرونات (للمقارنة، تصل ثخانة الشعرة البشرية إلى 180 ميكرون)، وستطبع عليها طبقة رقيقة من الخلايا الشمسية والإلكترونيات. سيتم تخزين الوقود الدافع السائل في فراغ بين هذه الشرائح يتراوح ما بين 15 و 20 ميكرون.

ستقوم الخلايا الشمسية بتقديم الطاقة اللازمة لتشغيل نوع من المحركات يسمى النفاث الكهربائي البخاخ، ويستهلك هذا المحرك الوقود الدافع بمقادر ضئيلة للغاية، وسيكون كامل جسم السفينة قابلاً للانثناء أيضاً، وفقاً لجانسون: “يمكن أن نقول أن هذه السفينة تحمل عضلات رقيقة مدمجة في بنيتها”. وتتألف هذه الـ “عضلات” من بوليمير محصور بين شريحتين معدنيتين، ويتغير شكله عند مرور تيار كهربائي في الشريحتين ونشوء فرق في الجهد.

يسعى مصممو هذه المركبات الرقيقة لجعلها خفيفة بحيث يمكن إرسالها إلى الفضاء بأعداد كبيرة. ويتخيل جانسون إرسال مجموعة من 50 مركبة برين، أو أكثر، إلى المدار على شكل “كدسة من علب البيتزا”. وما أن تصل هذه المركبات إلى محطة الفضاء الدولية، أو أية نقطة أخرى في المدار الأدنى للأرض، يمكن إرسال الإرشادات نحو الأهداف المطلوبة إلى كل مركبة (تتتبع محطات الرادار أكثر من 18,000 جسم في المدار، ومعظمها حطام فضائي).

قد تحتاج مركبة برين إلى خمسة أيام حتى تصل إلى قطعة الحطام وتلف نفسها حولها. بعد هذا، ستقوم بإطلاق نفاثاتها في الاتجاه المعاكس لحركة الحطام، بحيث تبطئ حركته، وينخفض تدريجياً نحو الغلاف الجوي. وبعد عشرة أيام تقريباً، ينخفض الحطام بدرجة كافية حتى يحترق. من المفترض أن مركبة برين ستحترق مع فريستها، حيث صممت لتكون رخيصة الثمن بشكل يسمح بالتضحية بها لتحقيق المهمة.

سنحتاج إلى بعض الوقت قبل إطلاق مركبات برين نحو جحافل الحطام الفضائي التي تدور حول كوكبنا. ويقدّر جانسون أن هذه السفن قد تكون جاهزة للإطلاق خلال عشر سنوات. ويخطط جانسون مع فريقه لاستخدام آخر دفعة من تمويل ناسا لتحسين التصميم والبدء باختبار الإلكترونيات ذات الثخانة الضئيلة.

من أهم التحديات التي يواجهها المصممون: حماية السفينة من الإشعاع. حيث أن هذه السفن الرقيقة لن تحمل أي تدريع لحماية إلكترونياتها الحساسة من الإشعاع، ويعمل جانسون مع فريقه على تصميم دارات من الأنابيب الكربونية النانوية قادرة على العمل لشهر كامل على أطراف المدار الأرضي الأدنى.

يوجد الكثير من النواحي السلبية لجعل المركبة الفضائية رقيقة بهذا الشكل. فعندما تلف مركبة برين نفسها حول قطعة من الحطام، ستتعرض على الأرجح لضربات من أجسام صغيرة أخرى. يقول جانسون: “يتسبب وجود النيازك الميكروية في بيئة العمل ضمن المدار الأرضي الأدنى بالكثير من المشاكل لهذه المركبة الفضائية، وسينتج عنها إصابات في الخلايا الشمسية”، حيث يمكن لقطع صغيرة من الصخور أو النفايات البشرية التي لا تتسبب عادة بأي أثر لصاروخ عادي أن تثقب مركبة برين. يتابع جانسون قائلاً: “يجب أن نصمم مركبة برين بحيث تكون مضادة لهذا الرصاص”.

بعيداً إلى الأعماق

يخطط جانسون وفريقه، كخطوة أولية، لاستخدام مركبات برين للتخلص من القطع الصغيرة للحطام الفضائي، ما بين خمسة وعشرة سنتمترات. لن تكون هذه المراكب قادرة على التخلص من قطع الخردة الكبيرة، مثل مراحل الدفع الصاروخي المستنفدة. ولكن قد يمكن إرسال مجموعة منها لدفع كتلة كبيرة وتغيير مسارها في حال توقع حدوث تصادم حتمي.

يوجد الكثير من التقنيات الأخرى قيد التطوير للتعامل مع الحطام الفضائي. حيث تدرس وكالة الفضاء الأوروبية استخدام الأذرع الروبوتية، والشباك، والرماح المقذوفة، وخطوط الجر. كما يخطط فريق أوروبي آخر لإطلاق بعثة إزالة الحطام “ريموف ديبري” في أواخر 2017 أو بدايات 2018، والتي تتضمن التدرب على التقاط كيوب سات باستخدام شبكة ورمح مقذوف. وتخطط أيروسكيل، وهي شركة لخدمات الأقمار الاصطناعية في سنغافورة، لالتقاط الحطام الفضائي باستخدام المغانط. ويعمل الباحثون في جامعة ستانفورد ومختبر الدفع النفاث التابع لناسا في باسادينا، كاليفورنيا، على تصميم جهاز إمساك مستوحى من أقدام سحلية الوزغ (أبو بريص) بحيث يثبت نفسه على الأقمار الاصطناعية وغيرها من كتل النفايات الكبيرة.

يدرس الباحثون أيضاً إمكانية ضرب الحطام بالليزر من الأرض. يقول ديرليث: “من الممكن إبطاء هذه الأجسام عند ظهورها على خط الأفق بتصويب ليزرات عالية الطاقة إليها”. ويمكن بهذه الطريقة توفير الكثير من الطاقة، بدلاً من إرسال مركبة فضائية لتتعقب قطع الحطام واحدة واحدة. غير أنه يوجد احتمال أن يتحول هذا الليزر إلى سلاح مضاد للأقمار الاصطناعية.

ما تزال كافة هذه الطرق بحاجة لإثبات فعاليتها؛ غير أن مركبة برين تتمتع بأفضلية تصميمية، وهي إمكانية إرسالها للعمل بعيداً عن مدار الأرض. حيث ستكون هذه المركبات عالية الفعالية من حيث استهلاك الوقود لدرجة أنه يمكن لواحدة منها أن تقطع المسافة بين الأرض والمريخ ذهاباً وإياباً، أو تجري رحلات متعددة بين القمر والمدار الأرضي الأدنى. يقول جانسون: “يمكن بهذه المركبة الذهاب إلى أي مكان تقريباً في النظام الشمسي”.

يقول جانسون أنه يمكن استخدام مركبات برين أيضاً لاستكشاف وتعدين الكويكبات. حيث سيكون من المكلف للغاية بناء الآلاف من المركبات الفضائية العادية وإرسالها إلى الكويكبات، ولكن يمكن لسرب من مركبات برين أن تذهب إلى حزام الكويكبات بين المريخ والمشتري، وتعود مع بعض العينات.

يمكن لهذه المركبات أن تساهم حتى في حماية الأرض، وفقاً لجانسون. ويمكن أن نصنع نسخة أكبر منها، أو ننتج الآلاف منها ونرسلها لتغيير مسار الكويكبات قبل أن تصطدم بنا.

يقول ديرليث: “إنه نوع جديد من المركبات الفضائية لم يره أحد من قبل، وآمل أن يتم استخدامه بطرق مبتكرة”.

error: Content is protected !!