Image

ليس من السهل التقرب من صخرة أطول بقليل من مبنى إمباير ستيت

Bread assortment شكل فني يوضح دخول أوزيريس ريكس للمدار حول الكويكب بينو.
مصدر الصورة: هيذر روبر/ جامعة أريزونا

على الرغم من أن نيو هورايزنز استحوذت على الجزء الأكبر من الاهتمام العالمي بالقصص الفضائية خلال عطلة الأعياد، فقد كانت هناك قصة نجاح أخرى تستحق الاطلاع عليها أيضاً: حيث دخلت مركبة أوزيريس ريكس من ناسا أخيراً في مدار الكويكب بينو بعد رحلة استمرت لأكثر من سنتين نحوه. وفي عصر يوم 31 ديسمبر، وعلى بعد حوالي 113 مليون كيلومتر من الأرض، كسر بينو الرقم القياسي متحولاً إلى أصغر جسم فضائي تدور حوله مركبة فضائية من صنع البشر.

لم تكن هذه مجرد عملية روتينية أخرى لناسا. حيث أن محاولة زرع مركبة فضائية في مدار جسم مثل بينو أمر شديد التعقيد، وقد اضطر الفريق في ناسا إلى أن يأخذ بعين الاعتبار عدداً كبيراً من المعاملات التي يمكن أن تفسد العملية بأكملها.

حالياً، تتمركز أوزيريس ريكس في مدار إهليلجي على بعد حوالي 1.6 كيلومتر من مركز بينو، وتستغرق 61 ساعة لإتمام دورة كاملة. أما بينو نفسه فيبلغ قطره حوالي 480 متر، وتبلغ كتلته حوالي 78 مليار كيلوجرام. تزداد الجاذبية بازدياد الكتلة، ما يسمح للأجسام الأصغر بأن تتمركز في مدار مستقر حول الأجسام الأكبر. ولكن من سوء حظ بينو أنه صغير الكتلة، ولا تبلغ جاذبيته سوى 0.000005 من جاذبية الأرض، ما يعني أنه يمكن لأي جسم أن يفلت بسهولة من حقله الثقالي ويطوف مبتعداً في الفضاء، أو يتحطم على بينو نفسه إذا كان يتحرك بسرعة عالية. وهو ليس بالأمر الجيد، من أي وجهة نظر.

يقول جيسون ليونارد، مدير فريق تحديد المدار لبعثة أوزيريس ريكس: “يكاد بينو أن يكون أصغر جسم يمكن التمركز في مدار مستقر حوله. لقد كانت مسألة الحجم العائق الأكبر”. ولكن حجم الكويكب هو أيضاً سبب اختياره، لأنه يمكن الدوران حوله، كما يقول ليونارد: “إن أي كويكب آخر كان سيؤدي إلى إفلات المركبة الفضائية”.

غالباً ما تؤدي عوامل أخرى إلى مفاقمة مشكلة صغر الحجم والجاذبية. وعلى سبيل المثال، كان فريق أوزيريس ريكس يدرس إمكانية تحقيق مدار دائري، ولكن كما يشرح ليونارد، أدرك الفريق فورياً أن اجتماع ضغط ضوء الشمس مع ضآلة جاذبية بينو قد يؤدي إلى دفع المركبة الفضائية إلى خارج مدارها، ويؤدي إلى اختلال واضطراب المدار.

يقول ليونارد: “ظهرت بعض التحديات المبكرة قبل أن نعرف حقاً ما هو شكل بينو، وما هي كتلته، وكيف يتحرك، وأدت إلى اقتراح الكثير من المدارات المتأرجحة”. لم يدرك الفريق فعلياً ما هي كتلة بينو أو حقله الثقالي حتى اقتربت أوزيريس ريكس أخيراً من الكويكب في أوائل ديسمبر. لم يشكل أي من هذه المجاهيل خطراً كبيراً قد يؤدي إلى خروج أوزيريس ريكس من المدار بشكل مفاجئ أو قذفها إلى الفضاء، ولكن من الواضح أنه لا يمكنك أن تتابع العمل العلمي بشكل مستقر إذا لم يكن لديك مدار مستقر.

قرر الفريق أن يؤمن “مداراً مجمداً، بالاستعانة بالعوامل المشوشة الأخرى للمساعدة على تثبيت مدار أوزيريس ريكس، بحيث لا يؤثر عليه أي من هذه القيود الأخرى”، كما يقول ليونارد. غالباً ما تدور الأقمار الاصطناعية حول الأرض في مدارات مجمدة (أي تكون التغيرات في المدار أصغرية) للتقليل من أثر الضغط الشمسي والجاذبية وحركة المركبة الفضائية على الانجراف المداري.

حالياً، يراقب فريق تحديد المدار بدقة أية تأثيرات للقوى الثقالية وتغير توزع الكتلة على الكويكب والضغوط الحرارية وإطلاق نفاثات المركبة والضغط الشمسي وغيرها من العوامل الفيزيائية التي يمكن أن تؤثر على حركة المركبة الفضائية حول الكويكب. وفي يونيو، سيقوم الفريق بنقل أوزيريس ريكس إلى مدار أقرب، يبعد حوالي 800 متر عن السطح.

في حال حدوث أمر غير متوقع – ويرجح أن يكون هذا الأمر مشكلة ما في العتاد الصلب أو البرمجي للمركبة أو شذوذاً التقطته حساساتها – سيقوم الفريق بتنفيذ مناورة أمان تم إعدادها سلفاً لإخراج أوزيريس ريكس من مدار بينو والاتجاه نحو الشمس إلى أن تُحل المشكلة.

يقول ليونارد: “لقد سار كل شيء على أحسن ما يرام حتى الآن. عندما بدأنا بالاقتراب، كان لدينا الكثير من الخطط الاحتياطية. لقد خططنا لكل مشكلة تمكنا من توقعها، ولكن لم يحدث أي شيء”. وعلى الرغم من أن كتلة بينو كانت أقل من التقديرات، فلم يؤثر هذا على خطة الدخول في المدار إلا بشكل قليل، ويقول ليونارد: “إن المركبة الفضائية تعمل بشكل أفضل بكثير مما كنا نتوقع”.

لم تظهر الكثير من الأساليب التكنولوجية اللازمة للدخول المداري حول جسم صغير مثل بينو إلا خلال العقد المنصرم. وقد تم تحسين بعضها بناء على خبرات الآخرين من بعثات مثل بعثة روزيتا لوكالة الفضاء الأوروبية، أو بعثة هايابوسا 1 و 2 لوكالة الفضاء والطيران اليابانية. ومن المرجح أن أهم الدروس كانت مستوحاة من بعثة شوميكر للالتقاء مع الكويكب قرب الأرض التي نفذتها ناسا ما بين أواخر التسعينيات وبدايات القرن الجديد لدراسة الكويكب إيروس القريب من الأرض.

يقول ليونارد أن الفرق الأساسي هو أن تلك البعثات “لم تتطلب نفس المقدار المطلوب من الدقة للوصول إلى سطح هذا الكويكب الصغير”. حيث أن أحد أهم مراحل بعثة أوزيريس ريكس هو جمع عينة من الكويكب وإرسالها إلى الأرض للدراسة المخبرية.

هناك الكثير من العمل المتعلق بأوزيريس ريكس وبينو، وسيزداد الحماس مع تقدم مراحل البعثة. يقول ليونارد: “عندما ظهر بينو لأول مرة منذ بضعة أشهر لأول مرة في كاميراتنا كنقطة أو بقعة مضيئة، وتحول بالتدريج إلى عالم كامل يعج بالصخور والتضاريس، ازداد حماس الفريق بشكل مطرد. إننا نقف على تقاطع الطرق ما بين الهندسة والعلم في استكشاف الفضاء العميق”.

error: Content is protected !!