Reading Time: 3 minutes

بمرور الوقت يثبُت أهمية مُعامل «التباين الفردي»، الذي يلعب دوراً هاماً في إثراء التأثير المُصاحب لمعظم الطرق العلاجية أو قَلْبِها؛ فبتنا بحاجة شديدة إلى الطب التشخيصي القائم على أُسس فردية بصورة مستقلة، أكثر من ذي قبل. ومن هنا كانت الحاجة إلى تطوير برامج حوسبة تستند إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي. فقد ساهمت الخوارزميات الحاسوبية في فحص وتحليل قواعد بيانات جينية -مدرجة عن طريق الباحثين- دون تدخل بشري؛ بغرض التنبؤ بأمراض كالسرطان، أو إصابة تشخيص ما، أو توصيف طرق علاجية معينة دون غيرها للوصول إلى أعلى نتائج ممكنة.

يصرّح «إريك توبول» أستاذ العلوم الطبية الجزيئية، نائب الرئيس التنفيذي والمؤسس لمعهد «سكريبز» البحثي للعلوم الانتقالية قائلاً: «نحن بحاجة إلى تطوير تطبيقات حاسوبية لمساعدة علماء البيولوجيا الجزيئية في فهم ما عجز عن فهمه الجنس البشري، واتخاذ القررات الصائبة عند التوصية ببعض الطرق العلاجية للمريض».

طب الجينوم «Genomic medicine»

الطب الجيني (طب الجينوم) هو مجال طبي ناشئ يتضمن استخدام المعلومات الجينية للشخص كجزء من الرعاية السريرية، لاتخاذ القرارات التشخيصية أو العلاجية، والنتائج الصحية والآثار المترتبة على هذا الاستخدام السريري. يؤثر طب الجينيوم في مجالات الأورام، الصيدلة، الأمراض النادرة وغير المشخصة، والأمراض المعدية.

الحوسبة الجينيومية

تعتمد تقنيات الذكاء الاصطناعي الجينومي على تعلم الآلة؛ إذ تتضمن إيجاد نمط مُحدَّد عن طريق إدراج بيانات كل مريض على حدة. تشمل المدخلات قواعد بيانية جينية «genotypes»، وعوامل الأثر البيئي الواقع على المريض «phenotypes». فمن خلال تمثيل البيانات المُدخلة على هيئة نقاط بيانية؛ تستنج الدالة احتمالية تطور مرض ما؛ كأمراض السرطان، أو يمكنها الحصول على مقترح لنمط علاجي مُحدَّد.

وحالياً تستقطب تقنيات الذكاء الاصطناعي الجيني انتباه الباحثين، ورواد الأعمال والصناعة، وتباعاً سنأتي بذكر بعض الشركات الرائدة في ذلك المجال وطموحاتها المستقبلية؛ لتحسين أداء العمليات الفسيولوجية للمرضى.

توصيات مباشرة من حاسوب رقمي

في عام 2011 بدأ العمل في شركة «صوفيا جينتكس» في سوسيرا، والتي تهدف إلى إبراز العلم التشخيصي القائم على البيانات الفردية. فبعد جمع العينات وفحص تتابعاتها الجينية داخل المستشفيات، تُرسل البيانات المُخرجة إلى منصة الذكاء الاصطناعي للشركة التي تعتمد على التحليلات الإحصائية، وأنظمة التعرّف النمطي للتتابعات الجينية، ويليها استنباط أثر المحتوي الجيني وعلاقته بالمرض، ومن ثَمَّ إرسال التوصيات المناسبة لكل حالة إلى الأطباء المعالجين.

يوضح «كيفين بيوليرت»، المدير العام لقطاع الشركة بأميركا الشمالية؛ بشأن أهمية اعتماد الشركة بصورة استثنائية على منصة الذكاء الاصطناعي الجينومي في تصريحاته لموقع «genetic engineering and biotechnology news» قائلاً: «للحصول على نظام حاسوبي ذكي وفعال؛ يستلزم وجود أنماط جينية متنوعة وغير مُكررة، تعمل بوصفها وحدات بنيوية؛ وذلك لعمل خوارزمية دقيقة، وذات كفاءة عالية».

ربما تشير تلك المُقاربات الإحصائية إلى حرص الإدارة على الوصول إلى هدفها المرجو. فقد نجحت الشركة في اجتذاب قرابة 1000 معهد بحثي، في 81 دولة مختلفة حول العالم، ونتج عن ذلك فحص أكثر من 380000 محتوًى جينياً.

رؤى مختلفة، والهدف واحد

على الرغم من أن الفكرة لا تزال في المهد، فإن شركة «تيمبس» تأمل بناء مكتبة تعجّ بالبيانات الطبية والجزيئية؛ لتكون الأضخم على الإطلاق على مستوى العالم. ويقوم الفريق داخل الشركة باستقبال وتحليل العينات؛ كالحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين«DNA»، والحمض النووي الريبوزي «RNA»، ومنها تم فرز قرابة 595 جيناً، ومن خلالها تم التنبؤ ببعض الأمراض، وتقديم مقترحات علاجية محددة لاستهداف الأورام السرطانية.

الجدير بالذكر أن مؤسس مجموعات تلك الشركات آمن بتقديم تكنولوجيا سلِسَة لأولئك الأطباء؛ لمساعدة مرضاهم على تجنب عقبات التشخيص الخاطئ أو قلة الفاعلية الدوائية المقدمة إليهم. فمنذ الانطلاقة الأولى لشركات «تيمبس» في عام 2017، جمعت الشركة ما يزيد عن 520 مليون دولار أميركي اعتماداً على بعض الكوادر والمواهب، منها الباحثين «جويل ددلي» و«لوريان سيلفس».

وفي أواخر عام 2017 حصلت الشركة موافقة هيئة الغذاء والدواء على عمل الحملات التسويقية لبعض منتجات الشركة، التي تساهم في الكشف عن متطفرات 324 جيناً؛ بالإضافة إلى رصد البصمات الجينومية والمسببة لبعض الطفرات المصاحبة للأورام الصلبة.

يبدو أن العديد من المغريات المقدمة للباحثين العاملين في مجال الصناعة تُعظّم إسهاماتهم العلمية، والباحثانِ السابقان خيرُ مثالٍ على ذلك. وذلك بالتحديد ما يجعل مجهودات مماثلة من الطرف الأكاديمي ينقصها بعض اللمسات النهائية.

تشير الباحثة «إيلان مارديس»، المدير التنفيذي لمعهد العلوم الطبية الجينومية بمستشفى طب الأطفال الدولي، إلى «أن قطاعات الشركات القائمة صناعتها على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتحليل المحتوى الجيني، غالباً ما تتمتع بوفرة التمويل المادي والمصادر، وبالتالي تقدم إجابات لتلك الأسئلة المطروحة من قِبَل الأطباء المتابعين للمرضى، ما يمكنهم من استمرار أعمالهم مقارنة بالجهود المبذولة من نظائرهم الباحثين والأكاديميين في المجال نفسه»، إذ توضح بعض الإيجابيات في القطاعات الصناعية الطبية.

ويرى «برندين فراي» المدير التنفيذي لشركة «ديب جينومكس» أن سر العلاقة بين القواعد البيانات الجينية وعوامل الأثر البيئي الواقع على المريض؛ سيظل لغزاً محيراً يحمل الكثير من الإجابات بطياته. وتكمن مساعي شركة ديب جينومكس في خلق كون موازٍ من العلوم الطبية الجينية، والتي قد تدفع بعجلة التطوير العلاجي، ومن ثَمّ ترفع الكفاءة الحياتية للمرضى.

ولبلوغ هذا الهدف؛ تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي للشركة على فهرسة الأمراض عن طريق تعلُّم الآلة كلمات الأمراض المميزة. يُقصَد بتلك الكلمات «فسيولوجيا المرض»؛ إذ تُدرج بيانات عن واسمات حيوية مميزة تنشط في ظروف معينة، أو تتابعات جينية داخل المحتوى الوراثي، بالإضافة إلى بعض ديناميكيات الخلية في حال تطور المرض.

كل ذلك يُقدَّم للآلة في صورة قصصية؛ فيُخلَق سيناريو مُحاكٍ لدور هؤلاء الأبطال في تطور المرض، فيقتنص النظام ثغرات تلك الفسيولوجيا، والعبث بهذا الكيان المرضي.

يصرّح فراي أثناء إلقائه محاضرة في «إم تيك ديجيتال» قائلاً: «دورنا نحن الباحثين والعلماء في تخصصات متنوعة في الشركة، هو مساعدة الآلة على تَعلّم الكلمات الخاصة بكل مرض، ومن ثم الأخذ بتوجهاتها؛ تماماً كتعليم الطفل المتعثر لغوياً معاني الكلمات على هيئة قصص بسيطة؛ ليتمكن بعد ذلك من تكوين جمل كاملة في سياق مفهوم».

ختاماً، ربما سنشهد طفرة في مجال طب الجينوم بفضل الذكاء الاصطناعي، كل ما علينا الآن هو ترقب ما سيحدث.