Image

مستويات الزئبق السام تنخفض عند الدببة القطبية في ألاسكا، ماذا يعني ذلك؟

والسبب هو أنها تُجبر على أكل بقايا الطعام البشرية

Bread assortment يرتفع مستوى الزئبق في ميزان الحرارة، بينما ينخفض في أجسام هذه الدببة.
حقوق الصورة: آلان دي. ويلسون

تخيل مساحات شاسعة من البحر المتجمد، يمتد من الساحل الشمالي لألاسكا وحتى أفق القطب الشمالي. أهلاً بك في بحر بوفورت الجنوبي. تهيمن الدببة القطبية المهيبة على هذا النظام البيئي القطبي الجليدي، ولكن درجات الحرارة المرتفعة تؤثر على كل من طبيعة المكان وساكنيه.

وفي دراسة حديثة نشرت في مجلة “الأبحاث القطبية”، وجد علماء من جامعة كونيكتيكت والماسح الجيولوجي الأميركي أن مستويات الزئبق التي تم قياسها في شعر الدببة القطبية في بحر بوفورت الجنوبي قد انخفضت فعلاً بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، خاصة عند الدببة الذكور.

ومن المثير للدهشة أنه على الرغم من المخاوف بشأن زيادة التلوث، انخفضت مستويات الزئبق بنحو 13 في المائة سنوياً في العينات التي جمعت من عام 2004 إلى عام 2011. وكان الانخفاض ضئيلاً في إناث الدببة (4.4 في المائة)، ولكنه كان أعلى بكثير في الدببة الذكور (15 في المائة). تقول ميليسا ماكيني كبيرة مؤلفي الدراسة والأستاذة المساعدة في جامعة كونيكتيكت: “حدث الانخفاض الكبير جداً في تركيز الزئبق عند الدب القطبي على مدى فترة قصيرة من الزمن”.

للوهلة الأولى، يعتبر هذا أمراً واعداً، فالزئبق على كل حال مادة سامة، ويمكن أن يسبب مشاكل في الدماغ والكلى والكبد، والجهاز المناعي. وبما أن الزئبق موجود في انبعاثات محطات توليد الطاقة، فإن التلوث الذي يسببه الإنسان يسبب تغيرات حادة على المستويات البيئية.

ولكن لا تتحمس كثيراً، فهذه الانخفاضات ليست بالضرورة بسبب التنظيف البيئي، بل وجد الباحثون أنها كانت مدفوعة بتغير مصادر الغذاء التي تغير بدورها مواطن الدببة. حيث يفترض أن يكون بحر بوفورت الجنوبي متجمداً على مدار السنة تقريباً باستثناء الأشهر الأكثر دفئاً بين يوليو وأكتوبر. ومع ارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالي على مدى السنوات الأخيرة، تراجع الجليد البحري، وأصبحت المواطن التقليدية للدببة القطبية -ومعها مصادر غذائها- بعيدة المنال.

في بداية الألفية الثالثة، كانت الدببة القطبية في بحر بوفورت الجنوبي تتغذى على الفقمات الحلقية التي تعيش مثلها في المناطق الجليدية، ولم يكن هناك سوى أعداد قليلة جداً من الدببة تجول على الشاطئ، في مدة لا تزيد عادة على أسبوعين. ولكن ولأن الجليد يكون أحياناً على بعد حوالي 650 كم  من المياه الضحلة، فإن الدببة القطبية تقضي الآن حوالي شهرين على الساحل، للتحول إلى مصدر جديد لغذائها.

وهنا يتدخل البشر، فالصيادون -الذين يشكل الصيد مصدر رزقهم الوحيد- يتركون بقايا جثث الحيتان مقوسة الرأس على الشاطئ. وقد أصبحت هذه الوجبات الجاهزة شائعة بين الدببة القطبية، وقد تساهم فعلاً في خفض مستويات الزئبق عندها، على الأقل بين الذكور التي لا يردعها الحجم الكبير للحيتان. وكانت دراسات سابقة قد ربطت بين الوجبات غنية المحتوى بدهون الحيتان وبين ارتفاع مؤشر كتلة الجسم عند الدببة القطبية. وهذا يرتبط بدوره بانخفاض مستويات الزئبق. ويمكن أن يكون ذلك بسبب أن الغذاء نفسه يحتوي على زئبق أقل، أو لأن الزئبق يخزن في الأنسجة ولا يتم تحريره حتى يقوم الدب باستقلابه للحصول على طاقة إضافية، عندما يكون الطعام شحيحاً، أو عندما يكون مؤشر كتلة الجسم عنده أقل. يقول تود أتوود أحد مؤلفي الدراسة، وأستاذ علم الأحياء البرية في مركز ألاسكا للعلوم التابع للماسح الجيولوجي الأميركي: “إن ارتفاع مستوى الزئبق يكون أقل احتمالاً عند الاعتماد على الوجبات القائمة على بقايا الحيتان”.

تخضع السموم -كالزئبق- عادة للتضخم الحيوي (وهو الزيادة التي تحدث في تركيز مادة ما  داخل السلسلة الغذائية)، فعندما تستهلكه كائنات منخفضة الترتيب في السلسلة الغذائية، فإن الحيوانات المفترسة اللاحقة في السلسلة الغذائية تمتص المزيد والمزيد من الزئبق من كل فرائسها. وهو ما يضع الدببة القطبية في مأزق، فهي تتربع على قمة الشبكة الغذائية للقطب الشمالي. ولكن وبما أن الحيتان مقوسة الرأس التي تتغذى على العوالق هي أخفض من الفقمات الحلقية في السلسلة الغذائية، فسيكون هناك حلقات أقل في سلسلتها الغذائية يتراكم فيها الزئبق.

لذلك، قد تكون مستويات الزئبق عند الدببة أكثر صحية -وهو أمر جيد- ولكن ذلك يعود لأنها تغير سلوكها للتكيف مع فقدان موطنها ومصادر غذائها. تقول ماكيني: “تشير الدراسة إلى ضرورة أخذ التغير المناخي بعين الاعتبار بشكل أكبر. فنحن نعلم أن الدببة القطبية هي رمز للقطب الشمالي، وهي تتعرض لفقدان الجليد الذي يؤثر على مواطنها وحسب، بالإضافة إلى ضغوط أخرى يسببها التغير المناخي”.

هذه الآثار غير المباشرة على السلوك يمكن أن تكون حاسمة، كما يقول أتوود. إنها سلسلة من الأحداث: الجليد البحري يتراجع، وبالتالي فإن الدببة يجب أن تذهب إلى مكان آخر. إلى أين تذهب؟ تذهب إلى الشاطئ. وماذا تفعل على الشاطئ؟ تتبع أنفها الذي يدلها على شيء تأكله. وعادة ما يدفعها أنفها إلى المستوطنات البشرية. ومن حسن حظ الدببة القطبية في بحر بوفورت الجنوبي أنها وجدت هذا المصدر الغذائي البديل، وأن البشر متسامحون معها. ولكن هناك مخاوف محتملة تلوح في الأفق. ويشير أتوود إلى أن التوجه إلى الشاطئ هو سلوك مكتسب، فإلى الآن، هناك نسبة 20 في المائة فقط من الدببة القطبية تأتي إلى الشاطئ. ولكن يتوقع أن تزيد هذه النسبة مع مرور الوقت، وسيكون هناك المزيد من الدببة التي تتنافس على مصدر ثابت للغذاء.

وغنيٌّ عن الذكر، الإمكانية المتزايدة للصراع بين الدببة والبشر. تقول ماكيني: “عندما تكون الدببة على الشاطئ فإنها ستكون أقرب إلى المجتمعات البشرية، وسيكون هناك تفاعلات مع الأنواع الأخرى التي لا تصل إليها بانتظام” وهي تشير إلى أن الدراسات المستقبلية ستركز على تداعيات أخرى محتملة على الدببة القادمة إلى الشاطئ، كالتعرض لمسببات الأمراض والطفيليات التي يحملها البشر.

وإذا كان القدوم إلى الشاطئ يجعل الدببة القطبية أكثر صحة، فإن تزايد فرص بقائها وتكاثرها قد يبطئ مؤقتاً انخفاض أعدادها الناتج عن التغير المناخي. يقول أتوود: “ما نحاول القيام به مع الدببة القطبية، هو شراء الوقت لوقف ارتفاع مستويات غازات الدفيئة، وكبحها لتبقى في مستوى معقول، ووقف فقدان الجليد البحري كموطن لها”.

error: Content is protected !!