Image

يتعلَّم الأطفال كيفية التعامل مع مشاعرهم من خلال مراقبة كيفية تعامل الآخرين معها.

Bread assortment المشاركة أمرٌ جيد.
حقوق الصورة: altanaka / شترستوك

لا يرغب الكثير من الآباء ومقدِّمي الرعاية أن يراهم أطفالهم وهم في حالة من الانفعال، بدءاً من البكاء في المرحاض إلى مغادرة المنزل في حالة غضب. ولكن هل هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي القيام به؟ أم يجب عليك الاعتراف بشأن خوفك من العناكب مثلاً أو مدى غضبك من رئيسك في العمل؟ بالرغم من أن هذا الموضوع معقد، إلا أن بعض الإجابات الواضحة بدأت تظهر من خلال الأبحاث.

يخشى الكثير من الآباء من أن إظهار المشاعر السلبية أمام أطفالهم سوف يتسبَّب في معاناتهم، فمثلاً قد ينتهي الأمر إلى أن يعتقد الأطفال أنه خطأهم هم، أو ربما يُبدون مثل هذه المشاعر ببساطة. وفي الواقع، فإن هناك أساساً سليماً لهذا الأمر المقلق الأخير، أي أن ظاهرة “عدوى المشاعر” حقيقية، حيث وجدت دراسة حديثة أن الآباء يمكنهم أن ينقلوا خوفهم من الذهاب إلى طبيب الأسنان -مثلاً- إلى أطفالهم.

ومن ناحية أخرى، هناك فكرة بديهية مفادها أننا يجب أن نكون “واقعيين” مع أطفالنا، وأنهم سيستفيدون من مشاهدة أحد الوالدين وهو يكافح ويتغلَّب في النهاية على مشاعره السلبية، مثله مثل أي إنسان آخر. فعندما يراك طفلك تفعل ذلك، أفلا يجب أن يساعده ذلك في تعلُّم كيفية التغلّب على مشاعره الخاصة؟

خطر كبت المشاعر

هناك ثلاثة مفاهيم يجب مراعاتها عندما يتعلق الأمر بإظهار المشاعر أمام الأطفال، وهي: كبتها، وإظهارها بشكل “غير مسيطر عليه”، والتحدُّث عنها.

وكبت المشاعر هو عندما يتم إخفاء العلامات الظاهرية لها، ولسوء الحظ فإن كبتها لا يعتبر ناجحاً؛ لأنه يزيد فعلياً من ضغط الدم والإثارة الفسيولوجية. ويستطيع مَن يراك أن يكتشف انزعاجك على الرغم من جهودك المبذولة لإخفائه، مما يجعله يشعر بالتوتر أيضاً. كما وجدت الأبحاث الحديثة أن الآباء عندما يشعرون بمشاعر سلبية (مثل الغضب أو الاستياء) ويخفونها عن أطفالهم، فإنهم يعانون من تراجع العلاقة معهم، ومن نقص الاستجابة لاحتياجاتهم.

وفي الواقع، حتى الأطفال يتأثرون بشدة بفروقات تفاعل الوالدين معهم، وعند إضعاف هذه التفاعلات الطبيعية، فيمكن لهم أن يجدوا ذلك مزعجاً. ويتجلى هذا الأمر بشكل كبير في تجارب “الوجه الجامد” الشهيرة، وهي التي يقوم فيها أحد الوالدين بالتعبير بعدم الاستجابة لفترة وجيزة من الزمن، والذي يعدُّ محرِّضاً فعالاً على التوتر، حتى بالنسبة للرضَّع الصغار جداً؛ إذ يكونون منزعجين بشكل واضح من الوالد غير المستجيب، وعادةً ما يحاولون جعله يتفاعل معهم.

من ناحية أخرى، فإن التعبير “غير المسيطر عليه” عن الغضب والحزن من قِبل الوالدين هو أيضاً غير مفيد للطفل، فعدم السيطرة يعني إظهار المشاعر بشدة عالية، دون وجود محاولات لضبطها أو التحكم فيها. وإن الصراخ وتحطيم الأشياء وإلقاء اللوم على شخص آخر “لأنه جعلك غاضباً” كلها أمثلة على ذلك. وفي حالة الخوف من طبيب الأسنان مثلاً، فإن الشعور غير المسيطر عليه يعني التصرُّف كما لو أن عيادات طب الأسنان هي أماكن خطرة بالفعل، بدلاً من القول: “أعرف أن لدي خوفاً وأحاول مواجهته”.

الحل الوسط

إذن، فإن كان الكبت المفرط للمشاعر سيئاً والتعبير عنها بشكل غير مسيطر عليه سيئاً أيضاً، فما الحل الوسط؟ إنه التحدُّث عن هذه المشاعر والاعتراف بامتلاكها، وإظهار محاولتك التعامل معها أمام طفلك؛ فقد وجدت الأبحاث التقليدية أن الأطفال في سن السادسة يكون لديهم فهم أفضل للمشاعر ومهارات لتقبُّل وجهات النظر إذا كانت أمهاتهم قد تحدثت إليهم عن مشاعرهنَّ عندما كانوا في سن الثالثة، وفي الواقع كلما كان حديث الأمهات مع أطفالهنّ أكثر، كانت النتيجة أفضل.

“أخبريني ما الذي يحدث…”.
حقوق الصورة: Dragon Images/ شترستوك

وفي دراسة أخرى، احتفظت الأمهات بمذكِّرات لمشاعرهنَّ التي أظهرنها أمام أطفالهنَّ وهم بسنِّ ما قبل المدرسة، بما في ذلك بعض التفاصيل حول كيفية تعاملهنَّ معها وشرحها. وكان أطفال الأمهات اللواتي أظهرن قدراً أكبر من الحزن والتوتر يتمتعون بمعرفة أعلى بالمشاعر، حسب تقييم معلِّميهم. وفي الحالات التي تشرح فيها الأمهات أسباب حزنهنَّ لأطفالهنَّ، اتَّضح أن سلوك الطفل الاجتماعي يكون أفضل، ومن المرجح أن يكون الحال نفسه بالنسبة للآباء، ولكن الأبحاث التي أجريت حول تربية الأطفال قد تمَّت تاريخياً على الأمهات.

ولكن كيف يمكنك تحقيق التوازن في المنزل؟ خذ بعين الاعتبار الخيارات الثلاثة التالية:

  1. أنت حزين جداً وعليك أن تغادر الغرفة لتبكي، حينئذ يشعر طفلك بوجود خطأ ما ولكنه لا يعرف ما هو.
  2. أنت حزين جداً ولا يمكنك التوقف عن البكاء أمام طفلك.
  3. أنت حزين جداً وتبكي قليلاً، وتخبر طفلك أنك متعب جداً وأنك واجهت يوماً عصيباً، وأن الأمر لا علاقة له به. وتوضِّح له بأنك ستجلس وتسترخي وتتحدث إلى صديقك عبر الهاتف، وسوف تشعر بالتحسُّن قريباً.

السيناريو الثالث فقط هو الذي يتيح الفرصة للطفل لتعلّم المزيد عن المشاعر وكيفية التعامل معها، ويشير الباحثون إلى الوالد الذي يقوم بذلك بأنه “مدرِّب على المشاعر”. وفي هذا النمط من تربية الأطفال، يتم النظر إلى المشاعر السلبية على أنها فرصة للأطفال ليتعلَّموا كيفية حلِّ المشاكل.

ومن الواضح أنه يجب على الوالدين ألا يقوموا بإخفاء المشاعر أو إظهارها بشكل مطلق دون حدود، وبدلاً من ذلك يجب عليهم أن يتحدثوا بصراحة عن مشاعرهم أمام أطفالهم، وخاصة حول أسباب هذه المشاعر، وكيف يحاولون التعامل معها.

لذا في المرة التالية التي تشعر فيها بالحزن أو الغضب أو الإحباط مع وجود طفلك وهو يراقبك وأنت تعبِّر عن مشاعرك، فعليك أن تشرح له الأمر بطريقة يمكنه فهمها، فأنت تُسدي له معروفاً بذلك. كما أن ذلك قد يكون مفيداً لك أيضاً، فالأطفال يُظهرون التعاطف بشكل رائع، وغالباً ما يقدِّمون بعض النصائح التي من شأنها على الأرجح أن ترسم الابتسامة على وجهك.

جون لامبي هو محاضر في علم النفس في جامعة أنجليا روسكين. وقد نُشر هذا المقال أولاً في موقع ذا كونفرسيشن.

error: Content is protected !!