Reading Time: 3 minutes

المقالة باللغة الإنجليزية


عندما يتخلى أحد طيور نقار خشب البلوط عن مسكنه ودوره لسببٍ ما -قد يكون الموت أحدها-، فإن معارك طاحنة -وربما قاتلة- تدور بين بقية الطيور من عائلته وأقاربه للفوز بهذا المسكن بما يحويه من كنزٍ من الغذاء المخزّن. تجذب هذه المعارك الضارية العديد من طيور نقار خشب البلوط الأخرى التي تترك أعشاشها وغذائها دون حماية، ولكن ليس للمشاركة في العراك، بل لمشاهدة ما يحدث فقط. 

يقول العلماء في دراسة نشرت في السابع من الشهر الماضي في دورية «كارنت بيولوجي»، أن نحو 40 طيراً أو أكثر قد يشتركون في هذا العراك، ويمكن أن يستمر لأيام قبل أن يتمكن أحد الأحلاف بالفوز في المعركة. تشير الدراسة إلى أن طائر نقّار الخشب، سواء كان مشاركاً في المعركة أو متفرجاً، على استعدادٍ بالفعل لقضاء وقتٍ كبير وبذل كلّ طاقته في صراعات النفوذ هذه للفوز بها.

يقول «ساهاس بارف»، عالم أحياء الطيور في متحف سميثسونيان الوطني للتاريخ الطبيعي، وأحد المشاركين في الدراسة الجديدة: «تخبرنا هذه المعارك على النفوذ الكثير عن الحياة والعلاقات الاجتماعية لدى الطيور، وأعتقد أنها (أي الطيور) تجد في هذه المعارك متعة وإثارة حقيقية».

تهدف هذه المعارك في نهاية المطاف إلى السيطرة والحصول على الغذاء المُخزّن في مستعمرةٍ قد تتألف من شجرةٍ واحدة، أو حتى مجموعة من الأشجار قد تحتوي الكثير من ثمار البلوط المخزنة. فقد تحتوي المستعمرة الواحدة على عشرات آلاف الثقوب التي حفرتها الطيور المقيمة على مدى عدة أجيال لتخزين الغذاء فيها.

بالرغم من انتشار طيور نقار خشب البلوط على مساحةٍ واسعة من ولاية أوريجون -وحتى شمال كولومبيا- إلا أن بارف وزملائه ركزوا دراستهم على مجموعة سكانية محددة تعيش على مدار العام في «وادي الكرمل» في كاليفورنيا. يقول بارف: «يُعتبر مخزون ثمار البلوط مهماً جداً لبقاء هذه الطيور، خصوصاً في فصل الشتاء البارد والممطر، حيث تختفي الحشرات الطائرة التي تعتبر الغذاء المفضل لنقار الخشب، فتلجأ الطيور لاستهلاك مخزون ثمار البلوط في الشتاء».

يسيطر على المستعمرة عادة مجموعة من الطيور قد تتكون من طائرين إلى 16 طائر، ويمكن أن تتألف المجموعة الواحدة من الذكور والإناث الذين تنشأ بينهم حياة مشتركة، بالإضافة إلى نسلهم ومساعديهم من غير الأشقاء أيضاً. يقول بارفي: «لديهم جميعاً عشّ مسترك واحد يعيشون فيه، ويقوم المساعدون منهم بتربية أشقائهم الصغار إلى أن يتمكنوا من العثور على منطقةٍ وشريك جديد بأنفسهم».

يمكن أن تتهيأ الظروف المناسبة لحدوث مثل هذه المعارك عند موت جميع الإناث والذكور المتزاوجة في أحد الأعشاش. يقول بارف: «ينشأ حينها صراع على السلطة، وتنشأ نتيجة لذلك تحالفات عدة بين الأخوة أو الأخوات ليقاتلوا تحالفاتٍ أخرى، حيث تتكون في معظمها من 2 إلى 4 أفراد. وبالرغم من احتمال دخول عشرات التحالفات في معركةٍ واحدة، إلا أن فريقاً واحداً منها فقط يفوز في نهاية المطاف».

شهد بارف وزملائه 3 معارك خلال دراستهم، وشملت الصراع بين إناث الطيور لاحتلال المكان الذي أصبح شاغراً. تنتقل المجموعة المنتصرة، بعد أن تهزم جميع منافسيها، إلى المكان الجديد وتبدأ في التعرف على الذكور المتبقين في المخزن. يقول بارف: «يتقبّل الذكور الفائزين في الصراع ويتزاوجون معهم، وينشئون عشّاً جديداً معهم في غضون بضعة أشهر».

تتصف هذه الصراعات بالعنف والدموية. إذ يخسر الكثير من المقاتيلين عيونهم، أو يموتون جراء الجروح أو الكسور التي يتعرضون لها. يقول بارف: «هذه الطيور شرسة جداً، إنهم جادّون حقاً في نيتهم بالقتل، إنها لا تمزح».

واجه العلماء خلال الدراسة صعوبة في تتبع حركة الطيور الفردية خلال الفوضى الحاصلة. لذلك قام بارف وزملائه بتزويد العديد منهم بأجهزة تتبعٍ لاسلكية صغيرة لمراقبة تحركاتهم. رصد الباحثون -بين ربيع عام 2018 وربيع العام التالي- 36 من هذه الطيور تنتقل لمسافةٍ تزيد في بعض الأحيان عن ميلٍ ونصف لمشاهدة المعارك فقط.

يمضي معظم المقاتلون وقتهم في المعارك. فمثلاً، أمضى زوج من الإناث أكثر من 10 ساعاتٍ في المعارك كل يوم لأربعة أيامٍ متتالية، لكنه خسر المعركة أمام تحالفٍ لآخر. بينما يقضي المتفرجون حوالي ساعةٍ واحدة في المتوسط في مشاهدة المعركة كل يوم، لكنهم غالباً ما يقطعون مسافاتٍ أكبر من المسافات التي يقطعها المقاتلون للوصول إلى ساحة المعركة.

يقول بارف: «لا يزال العلماء غير متأكدين تماماً بعد من الفوائد التي يجنيها جمهور المتفرجين على المعارك، والذين قد يكون من بينهم من ينتمي بالفعل إلى المستعمرة التي يجري عليها الصراع. ربما تراقب الطيور جيرانها كي تبقى على اطلاع دائم بمن يفوز ويبقى على قيد الحياة، وكيف ستكون علاقتها ومدى قوتها بالأفراد الباقين في العش».

ويضيف بارف أخيراً: «من النادر أن ترى علاقاتٍ اجتماعية معقدة بين الطيور، لكن طيور نقار خشب البلوط لديها نظام اجتماعي متين ودقيق، وتمتلك ذكاءً اجتماعياً فريداً يمكنها من تمييز مختلف الأفراد وانتماءاتهم».