Reading Time: 3 minutes

لقد قطعنا شوطاً طويلاً في فهم المرض العقلي والنفسي. فقديماً على سبيل المثال؛ كان يعتقد أن هروب العبيد إلى الحرية يعدّ مرضاً عقلياً يُسمى «الديرابتومانيا»، لكننا توقفنا عن تصديق هذا، ولكن ما زال أمامنا طريق طويل لنقطعه فيما يتعلق بمحو الصورة السلبية التي ترافق الإصابة بالمرض العقلي والنفسي.

وفقاً للتحالف الوطني للأمراض العقلية، فإن بعض الأشخاص المصابون بأي نوع من الأمراض العقلية، هم معرضون للسخرية والازدراء من قبل المجتمع. واستناداً إلى ما كنّا نعتقده قديماً عن المرض العقلي، فربما لا نستغرب كثيراً مما يحدث الآن مع هؤلاء المرضى.

دعنا نُلقي نظرةً على التاريخ، ونعرف بعض المعتقدات الخاطئة، والتي صدقها البشر قديماً عن المرض العقلي والنفسي.

الهلاوس والأمراض العقلية جاءت من الآلهة

اليوم العالمي للصحة العقلية, المرض العقلي

هلاوس — حقوق الصورة: Quintero Franco/ Unsplash

نحن نعرف اليوم أن الهلوسة وسماع أصوات داخلية هي أشياء لا يراها أو يسمعها المرضى إلا في مخيلتهم أو عقولهم، ويرتبطان بأشياء مثل الاضطراب ثنائي القطب والفصام (السكيزوفرينيا)، وبعض أمراض الشيخوخة مثل مرض «باركنسون»، أو بعض الظروف المؤقتة مثل حالة الإرهاق الشديد، بالإضافة لمتلازمة «تشارلز بونيه»، وهي فقدان البصر الناجم عن حالة مثل الضمور البقعي.

لكن يذكر «ويليام هاريس»، أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا، أن الإغريق والرومان تركوا سجلاً مفصلاً لبعض الهلاوس التي عانوا منها، وكان تفسيرهم لرؤية وسماع هذه الأمور هو اعتقادهم أنها كانت رسائل من الآلهة.

على سبيل المثال وفقاً لمعتقداتهم، فقد تكون الهلوسة علامة على عقاب الآلهة للشخص على ذنب اقترفه. وإذا كنت على دراية بالأساطير اليونانية والرومانية القديمة، فستعرف أن آلهتهم تعاقب على كثير من الأشياء. كافح الأطباء كثيراً للتغلب على كل هذه المعتقدات، وأصرّوا أن الهلوسة تسببها علّة جسدية، ولكنهم لم يكونوا متأكدين ما هي تحديداً.

اضطراب ما بعد الصدمة كان نوعاً من أمراض القلب

اليوم العالمي للصحة العقلية, المرض العقلي

اضطراب ما بعد الصدمة — حقوق الصورة: Jordan Whitfield/ Unsplash

تذكر وزارة شؤون المحاربين القدامى بالولايات المتحدة أن خطر التعرض للصدمة كان جزءاً من إنسانيتنا منذ بداية تطورنا. وهو ما أطلقنا عليه «اضطراب ما بعد الصدمة». بدأنا مؤخراً نفهم أنه نابع من التعرض للتجارب المؤلمة مثل الحروب.

مع بداية الحرب الأهلية الأميركية، بدأت مجموعة جديدة من الأطباء البحث في هذا الأمر، ووصفوه بأنه قلب الجندي أو القلب متعكر المزاج، أو متلازمة «دا كوستا»، حيث أعلنوا أن الأعراض تطورت بسبب مرض في القلب. ولكننا عرفنا مؤخراً أنه اضطراب نفسي تسببه الأحداث المؤلمة، وهو يتسبب في بعض الأعراض مثل خفقان القلب، العصبية، صعوبة التنفس، وسرعة النبض.

هل هناك رابط أكيد بين العنف والمرض العقلي؟

ربما قد سمعت هذا الأمر كثيراً، وخاصةً عند وقوع حوادث إطلاق النار الجماعي أو أي مأساة أخرى. حيث يكون المرض العقلي من أول الأشياء المذكورة، وهو ما أدى إلى انتشار فكرة وجود رابط بين المرض العقلي والعنف. وهي واحدة من الأساطير الحديثة نسبياً، وبالرغم من كونها مجرد أسطورة، إلا أنها ما تزال تتكرر مراراً وتكراراً.

يذكر «جويل دفوسكن»، الأستاذ في علم النفس السريري من جامعة أريزونا، أن فكرة الشخص المصاب بمرض عقلي سيكون بالتأكيد عنيفاً هي فكرة غير صحيحة تماماً، وفي الواقع تأتي بنتائج عكسية وضارة على المريض. ويضيف أن نسبة الأشخاص المصابون بمرض عقلي ويرتكبون الجرائم هم نسبةً ضئيلةً إحصائياً. وهناك كثير من العوامل الأخرى الأكثر أهمية، عندما يتعلق الأمر بوضع تقييم للمخاطر في حوادث العنف، تشمل شرب الكحول وتعاطي المخدرات.

كيف تحارب وصمة العار حول الأمراض النفسية والعقلية؟

في الغالب يعاني المصابون بأمراض عقلية ونفسية من وصمة العار (الرفض المجتمعي) بسبب مرضهم. فمثلاً قد يُطلق عليهم لقب «مجانين»، أو يخبرهم الناس أن ما يشعرون به هي مرحلة ما وستمر، أو أن بإمكانهم التحكم في مرضهم، أو أنهم هم المتسببين فيه.

هذا الوصم بالعار والمصاحب للمرض العقلي والنفسي يسبب للشخص المريض الشعور بالذنب عن شيء خارج عن سيطرته. الأسوأ من هذا كله، قد يمنعه من السعي للحصول على المساعدة والعلاج الذي يحتاجه. وهنا يأتي دور كل واحد منا في المجتمع، نحن بحاجة إلى مواجهة هذه الوصمة العار، ويمكننا فعل ذلك من خلال بعض الأفعال والأقوال البسيطة كالآتي:

1. التحدث بصراحة وانفتاح ودون خوف عن الصحة النفسية والأمراض العقلية، ولا نعتبرها أمر مخجل.

2. تثقيف أنفسنا أكثر عن الأمراض العقلية والنفسية، ومساعدة الآخرين كذلك في معرفة أنواع هذه الأمراض، والتحدث معهم عنها.

3. أن نكون أكثر وعياً وحذراً لطريقة كلامنا، خاصةً مع الشخص المريض.

4. أن نشجع على المساواة في التعامل بين الأمراض العقلية والأمراض الجسدية الأخرى.

5. أن نظهر تعاطفنا وتفهمنا لأولئك الذين يعانون من مرض عقلي أو نفسي، وأن نشجعهم على تلقي العلاج المناسب، وعدم الخوف أو الخجل من مرضهم.

وختاماً، رغم كل ما توصلنا إليه من علم ومعرفة في الوقت الحالي، وعرفنا أن كل هذه المعتقدات ما هي إلا أساطير، إلا أن نظرتنا للمرض العقلي والنفسي لا تزال نظرةً قاصرة. كل ما نحتاجه هو الحديث أكثر عن هذه الأمراض، والتوعية بها.