Reading Time: 4 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


يمكن أن يفقد الإنسان حوالي 40% من الكتلة العضلية من جسمه بين العشرينيات وحتى الثمانينيات من العمر. قد تبدو تلك الحقيقة غريبةً، لكنها جزء من طبيعة أجسامنا مع تقدمها بالعمر، ويُعرف ذلك بـ «ساركوبينيا»، وهو فقدان الكتلة العضلية التدريجي الذي يحدث مع تقدمنا ​​في العمر. وبالرغم من أننا قد نبدأ في فقدان العضلات اعتباراً من عشرينيات عمرنا، إلا أن هذه الفقد يتسارع كثيراً بعد أن نبلغ ستينيات العمر. وفي نفس الوقت الذي نفقد فيه الكتلة العضلية، نكتسب المزيد من كتلة الدهون، وتنخفض قوتنا كثيراً في هذه الأثناء أيضاً، الأمر الذي قد يؤثر كثيراً على الحركة، خصوصاً لدى كبار السن.

تلعب الكتلة العضلية دوراً كبيراً في صحتنا. حيث ترتبط الساركوبينيا ومرض سمنة ضمور اللحم (حالة طبية تتميز بوجود كلّ من ضمور العضلات والسمنة)، ومرض الدينابينيا (فقدان قوة العضلات) بمجموعةٍ كبيرة من الأمراض، من أمراض القلب والسكري إلى الضعف والخرف.

في الواقع، تشير الاحصائيات إلى أن من يعانون من أمراض القلب ولديهم كتلةً عضلية أكبر؛ لديهم فرصة للعيش لفترةٍ أطول، بينما تزداد فرصة الموت المبكّر لدى المرضى الذين يمتلكون كتلة عضلية أقل، وذلك دليلٌ على أنه قد يكون للعضلات دور وقائي في صحة القلب، لكن السبب الدقيق وراء ذلك غير معروفٍ حتى الآن، ربما قد يكون مرتبطاً بالرسائل الكيميائية (المايوكين، من السيتوكينات العضلية) التي تفرزها العضلات السليمة، والتي يمكن أن تساعد في تقليل الالتهابات في الجسم.

ومن الفوائد الأخرى لامتلاك عضلات صحية حمايتنا من مرض السكري. عندما نتناول الأغذية الغنية بالكربوهيدرات، مثل البطاطس أو الخبز أو الأرز، ويتم تحويلها إلى سكريات في الجهاز الهضمي، تدخل السكريات إلى مجرى الدم، ويصل قسم كبير منها إلى العضلات، فتقوم بدورها باستهلاكها للحصول على الطاقة منها أو تخزنّها على شكل جليكوجين من أجل الحفاظ على استقرار مستوى السكر في الدم. حيث تُعد هذه العملية مهمة جداً للسيطرة على مستويات سكر الدم، وتساعدنا على تفسير السبب في أن الأشخاص الذين لديهم كتلةٌ عضلية أقل هم أكثر عرضة للإصابة بمرض السكري.

ترتبط المستويات المنخفضة من العضلات لدى كبار السن أيضاً بزيادة الوهن، وضعف القدرة على القيام بالأنشطة اليومية الاعتيادية. أي سيكون لدى هؤلاء صعوبة في القيام بالمهام العادية مثل؛ النهوض من السرير، أو الكراسي، وصعود الدرج أو حمل أكياس البقالة، مما يجعل العيش بشكلٍ مستقل أكثر صعوبة في الواقع. وقد تؤدي صعوبة الحركة في النهاية إلى تحرّك الناس بشكلٍ أقل مما قد يؤدي إلى تسريع فقدان العضلات أيضاً.

تساهم العضلات النشطة في الحفاظ على عظام سليمةٍ بشكلٍ عام لأنها ترسل إشاراتٍ إلى العظام تساعدها على البقاء قوية وسليمة، لذلك يُعتبر الأشخاص الذين يعانون من الساركوبينيا والذين يعيشون حياة خمولة أكثر عرضةً لخطر الإصابة بهشاشة العظام، ونتيجة الضعف الذي تسببه الساركوبينيا، يصبح المسنون أكثر عرضة للسقوط وبالتالي لكسور العظام. ومن جديد، يدفع الخوف لدى كبار السن من السقوط إلى قلّة الحركة والخمول أكثر، مما قد يقلل من جودة حياتهم ويعرضهم لخطر الإصابة بالاكتئاب.

بالرغم من أن الساركوبينيا جزء طبيعي من الشيخوخة، إلا أن فقدان العضلات قد يتسارع إلى حدّ كبير بسبب الخمول. لذلك تعدّ الحركة والتمرين من الإشارات الضرورية التي يحتاجها الجسم للحفاظ على عضلاتنا قوية وسليمة، دون ذلك، تبدأ عضلاتنا في التقلّص والضعف شيئاً فشيئاً مع مرور الوقت. كما تساهم الحمية الغذائية الغنية بالبروتين بالحفاظ على نمو وصحة عضلاتنا، لكن شهيتنا تميل للانخفاض مع تقدمنا بالعمر، وبالتالي نتناول كمية أقل من البروتينات مما يزيد من التعرض لخطر فقدان العضلات.

ومن الأسباب الأخرى التي تجعل كبار السن معرضين لفقدان العضلات أكثر مقارنة مع الشباب؛ انخفاض مستويات هرموني التستوستيرون والاستروجين، وارتفاع مستويات الدهون في الجسم، والإصابة بمرض السكري ومستويات الالتهاب المرتفعة. في الواقع، تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى ما يسمى «المقاومة الابتنائية»، وهي الحالة التي لا تعود فيها العضلات الهيكلية قادرة على الاستجابة بشكل مناسب للمنبهات التي تؤدي لتحفيز تخليق البروتين وبالتالي لنمو العضلات.

وفي ظل جائحة فيروس كورونا ومع الإجراءات الاحترازية التي تفرضها العديد من الدول، قد يزيد احتمال معاناة كبار السن من فقدان العضلات. فقد أظهرت البيانات التي جُمعت من الهواتف الذكية أن الناس كانوا أكثر خمولاً من المعتاد أثناء الإغلاق، كما لوحظ انخفاض جودة النوم وارتفاع منسوب القلق والتوتر لدى الناس، ويمكن أن يكون لهذه العوامل أيضاً أن تؤدي لتسريع فقدان العضلات من خلال زيادة إفراز الهرمونات التي تزيد من انحلال العضلات وتحفّز على زيادة الوزن من خلال التأثير على هرمونات الشهية، مما يدفعنا لتناول المزيد من الأطعمة المصنعة التي تحتوي على سعراتٍ حرارية أكثر.

وهذا ما يجعلنا ندخل في مرحلةٍ تُسمى «أزمة تقويضية»، والتي تمثل فترة من الوقت قد تكون قصيرة تجتمع فيها الظروف لجعل فقدان العضلات أكثر احتمالاً. على سبيل المثال، تحدث هذه الحالة عندما يُدخل شخص ما إلى المستشفى، ويُضطر للبقاء في السرير لأيامٍ أو حتى عدة أسابيع. وفي هذا السياق، يمكن أن تؤدي جائحة فيروس كورونا إلى حدوث أزمةٍ تقويضية لدى العديد من كبار السن بعد الإغلاق.

لكن يمكن الوقاية من فقدان العضلات -أو على الأقل إبطائه- من خلال إدخال بعض التغييرات في نمط الحياة، مثل ممارسة التمارين الرياضية واتباع نظام غذائي مناسب. تساعد تمارين المقاومة، مثل رفع الأثقال أو استخدام أربطة المقاومة المرنة، في الحفاظ على العضلات قوية وصحية، كما يمكن أن يساعد المشي المنتظم في ذلك أيضاً.

ينبغي أن تحوي الأنظمة الغذائية على أطعمة غنية بالبروتين، مثل اللحوم الخالية من الدهون والأسماك والبيض، ومنتجات الألبان قليلة الدسم، حيث تساعد هذه الأطعمة بدورها، بالإضافة للتمارين الرياضية، على الحفاظ على صحة العضلات ونموها. من المهم للغاية أن تحتوي كل وجبةٍ على ما لا يقل عن 25 – 40 جراماً من البروتين، وبالإضافة إلى ذلك، تساعد المكملات الغذائية المتاحة على نطاقٍ واسع، مثل فيتامين د، وزيت السمك والكرياتين في الوقاية من فقدان العضلات وتحسين نوعية الحياة لدى كبار السن.

في ظل الجائحة الحالية، ومع ازدياد احتمال معاناة البعض من فقدان العضلات، فإن إعطاء الأولوية لممارسة الرياضة بانتظام واتباع نظامٍ غذائي صحي يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً في الصحة على المدى الطويل.