Reading Time: 5 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


لطالما أذهل القمر البشر وألهمهم، وكما يتبين الآن، فإن ضوء القمر يمكنه تغيير سلوك الحياة البرية، خاصة في أستراليا.

ألقت سلسلة من الأبحاث المنشورة مؤخراً الضوء على كيفية تغير سلوكيات معينة للحيوانات -حيوانات «بوتوروس»، «والابي» و«كوول»- مع التغير في إنارة البيئة المحيطة، وأطوار القمر وكثافة الغيوم.

وجدت إحدى الدراسات أن الثدييات الصغيرة تصبح أكثر نشاطاً في الليالي الغائمة. في حين أن دراسة أخرى وجدت أن تغير ضوء القمر قاد إلى اختلاف كميات الأنواع التي وُجدت في فخاخ غير قاتلة. كما أن دراسة على حيوانات «ويلي واجتيلز» وجدت أن الذكور تحب الغناء تحت ضوء القمر.

تعد هذه الاكتشافات مثيرة للغاية من وجهة نظر التاريخ الطبيعي. كما أنها تساعد أيضاً علماء البيئة والعلماء المختصين بالحفاظ على الموارد الطبيعية على معرفة أماكن الحيوانات الليلية، ودراستها بشكل أفضل، ومعرفة كيف يغيّر التلوث الضوئي الصناعي من طريقة عيش وسلوك الحيوانات.

لعبة الغميضة بين المفترس والفريسة على ضوء القمر

معظم ثدييات أستراليا هي حيوانات ليلية، كما أنه يعتقد أن بعض الأنواع الصغيرة تستخدم غطاء الليل لتجنب جذب انتباه المفترسات الجائعة. إلا أننا لازلنا نجهل الكثير عن عن علاقات كهذه، وخصوصاً أنه من الصعب دراسة هذا النوع من العلاقات في البرية.

أصبحت حيوانات «البانديكوت» الشرقية المخططة أكثر نشاطاً في الليالي الأكثر ظلمة

أصبحت حيوانات «البانديكوت» الشرقية المخططة أكثر نشاطاً في الليالي الأكثر ظلمة

لقد قمنا بدراسة مجتمع الثدييات المتنوع نسبياً في «جبل روثويل» في فيكتوريا، وبالتحديد دراسة تأثير تغيير إضاءة البيئة المحيطة على التآثرات التي تقوم بها الحيوانات. جبل روثويل عبارة عن محمية طبيعية مسوّرة وخالية من القطط البرية والثعالب، والتلوث الضوئي فيها هو في أقل مستوياته.

وعلى مدار سنتين قمنا بمراقبة استجابة الحيوانات -سواء كانت مفترسة أم فريسة- للمستويات المختلفة لضوء القمر، عبر أطواره المختلفة.

والأنواع التي كان من المحتمل أن تلعب دور الطرائد في دراستنا شملت حيوانات البانديكوت، سواء كانت الشرقية المخططة أو الجنوبية البنّية، وحيوانات بوتوروس طويلة الأنف، وحيوان الوالابي الصخري صاحب ذيل الفرشاة، وحيوانات أبوسوم ذات ذيل الفرشاة وذات الذيل الاعتيادي الحلقي. في حين كانت حيوانات كوول الشرقية وذات الذيل المرقّطة هي مفترساتها المحتملة.

وكما توقعنا تماماً، وجدنا أن هناك علاقة فعلاً بين كمية الغيوم وطور القمر ونشاط الثدييات، إلا أن هذه التآثرات تعتمد على أحجام وأنواع الثدييات قيد الدراسة.

زاد كلا من المفترس والفريسة من نشاطهما في الأجواء ذات الظلمة الشديدة. فالحيوانات الصغيرة التي تعد فرائس كانت تزيد من نشاطها كلما كانت كمية الغيوم أكبر، في حين أن المفترسات زادت من نشاطها خلال أطوار القمر من بدر ومن تربيع.

هذا يجعلنا نظن بأن لعبة الغميضة القاتلة التي يلعبونها، تكون أشد ما يمكن في الليالي الظلماء. ويصبح لزاماً على الفريسة التقليل من زمن البحث عن مؤونة حتى لا تتحول إلى وجبة المساء للمفترس.

ما الذي يحدث في البرية؟

لا بد من الاعتراف بأن الدراسات في محميات الحيوان كجبل روثويل، قد لا تعكس تماماً ما الذي يحدث في البرية، لا سيما في الأماكن التي توجد فيها مفترسات من نمط القطط البرية، والثعالب الحمراء.

لقد سلطت دراسة حديثة حول الثدييات الصغيرة في منطقة مالي في فيكتوريا، المزيد من الضوء على الموقف. وقد قام الباحثون فيها بدراسة تأثير التغيرات في الطقس وفي أطوار القمر على أعداد 5 أنواع من الثدييات الصغيرة: فأر بولام، وحيوان دونارت الشائع، فأر المنازل، وحيوان نينجاوي الجنوبي، وحيوان بوسوم البيجمي الغربي، والتي تم اصطيادها بواسطة أفخاخ خاصة.

تتكون هذه الفخاخ من جدران عالية نسبياً لا يمكن للحيوانات الصغيرة تسلقها أو اختراقها، ولذلك تسير بجوار الجدار حتى تسقط في دلو موضوع في حفرة داخل الأرض. يستخدم علماء البيئة هذا النوع من الفخاخ في العادة لاصطياد الحيوانات، وإجراء القياسات عليها، ثم يطلقونها في البرية مجدداً دون إلحاق أي أذى بها.

في أكثر من 260 موقعاً وعبر أكثر من 50000 ليلة صيد باستخدام الفخاخ، وجد أن سرعة الرياح ودرجة الحرارة، وضوء القمر قد أثروا على ماهيّة الأنواع التي تم الإمساك بها، وعلى أعداد ما تم إمساكه منها.

على سبيل المثال، فالأعداد التي تم الإمساك بها من قارض محلي صغير، كفأر بولام، ومن مفترس جرابي، كحيوان نينجاوي الجنوبي، قد تقلصت مع اشتداد ضوء القمر، في حين أن الأعداد التي تم الإمساك بها من بوسوم البيغمي تزايدت في هذه الحالة.

يمكن للتغيرات في أطوار القمر وما يصاحبها من تغيرات في شدة ضوء القمر أن تغير من مدى فاعلية الثدييات – الصورة: آرون جرينفيل

تغريد الطيور على ضوء القمر

بينت أبحاث حديثة أنه حتى الأنواع التي تكون عادة نشطة في النهار، قد تغير من سلوكها ونشاطها في الليل. إذ ليس من النادر أن تسمع طائراً يغرد في الليل، بما في ذلك طائر العقعق الأسترالي. وباستخدام أجهزة تسجيل خاصة وبرمجيات لتحليل الأصوات، بيّن هؤلاء الباحثون أن طائر الذعرة -أحد أشهر طيور أستراليا وأكثرها قرباً لقلوب الناس- يغرّد في الليل أيضاً خاصة أثناء موسم التزاوج.

وفي حين أن كلاً من ذكور وإناث الذعرة يغردون في النهار، إلا أن الذكور هي من تقوم بالتغريد بشكلٍ رئيسي في الليل. كما يبدو بأن الذكور لا تخاف من زيادة ضوء المسرح قليلاً، فتغريدها يزداد بازدياد ضوء القمر، ويصل إلى ذروته عندما يكون القمر بدراً.

على الرغم من أن ذكور الذعرة يكونون عادة ممتعين في النهار، إلا أنه يمكن لهم أن يقدّموا أداءً صوتياً مميزاً في الليل – الصورة: جيم بيندون/ فليكر

إن هذا العمل يزودنا بفهم أفضل لأهمية ودور تغريد الطيور ليلاً، مثل جذب الشريك أو الدفاع عن المنطقة، كما يساعدنا أيضاً في تحصيل فهم أفضل لهذه السلوكياتٍ بشكل عام.

الدور الذي يلعبه ضوء القمر في الحفاظ على الحياة البرية

يمكن لهذه الدراسات وغيرها، أن تساعدنا في مساعينا للحفاظ على الحياة البرية. وما يعنيه ذلك عملياً هو أنه على المسوح البيئية أن تأخذ بعين الاعتبار مدى الإنارة النسبية لليالي العمل.

فاعتماداً على زمان ومكان جمع المعلومات عن الأنواع التي ندرسها، وعلى الطرائق التي نستخدمها (أفخاخ كاميرا، تسليط الضوء، والفخاخ غير القاتلة)، تكون فرصنا أعلى أو أقل في رصد أنواع محددة. وقد يؤثر ذلك في نظرتنا عن هذه الأنواع، وعن النظام البيئي بحد ذاته، وكيف نتعامل مع كل ما سبق.

يمكن للإضاءة الاصطناعية أن تغير من سلوك الحياة البرية – الصورة: كيني لوي

ومع ازدياد ندرة السماء المظلمة في العديد من الأماكن حول العالم، نصبح أمام سؤال كبير لا مفر منه: لأي مدى يؤثر كل ذلك التلوث الضوئي الناتج عن الإضاءة الاصطناعية في مدننا، وفي مناطقنا شبه الحضرية على الحياة البرية والأنظمة البيئية؟

ينخفض نشاط خفافيش «بيبيستريلي» -على سبيل المثال- للنصف بجوار الجسور المضاءة جيداً، مقارنة بجوار الجسور غير المضاءة. كما أنهم يحافظون على مسافات أبعد عن الجسور المضاءة جيداً، ويطيرون بشكلٍ أسرع لدى الاقتراب من هذه الجسور.

هذا يعني بأن الإضاءة الاصطناعية قد تقلل من المناطق الملائمة لبعض أنواع الخفافيش، ومن ترابط هذه المناطق مع بعضها في المناطق الحضرية. ويمكن لهذا بدوره أن يؤثر على الخفافيش.

إن البحث جارٍ على قدم وساق حول العالم في موضوع أهمية الحفاظ على البيئة في المسائل المشابهة لما ذكرناه، وفي أدق التفاصيل، ولعل ما سبق هو تذكير جاء في وقته حول التأثير الكبير الذي نملكه على البيئة التي نتشاطرها مع الأنواع الحية الأخرى.