Reading Time: 4 minutes

سلسلة «أطفالٌ فضوليون»

من أين أتى الإنسان الأول؟ سؤال ورد من «مابل» 7سنوات، ولاية فيكتوريا


شكراً لسؤالك المهم جداً عزيزي مابل.

نحن نعلم أن الإنسان لم يكن موجوداً منذ القدم. على الأقل لم نكن لننجو لو كنا نعيش مع الديناصورات آكلة اللحوم مثل «تيرانوصوروس ركس».

كيف ظهر الإنسان الأول؟ ومن كان أسلافه (أجداده وأجداد أجداده… إلخ)؟ إنه أحد الأسئلة الكبيرة التي ما زال علماء الآثار يطرحها حتى الآن، إنه لغزٌ محير لنا جميعاً.

الكائنات الدقيقة، عندما بدأت الحياة

عندما نفكر كيف ظهر البشر أول مرة، علينا أولاً أن ندرك أن كلّ الكائنات الحية تقريباً لابد وأنها قد تطوّرت عن شيءٍ آخر خلال عملية التطور.

على سبيل المثال، يرجع تاريخ أول شكلٍ من أشكال الحياة على الأرض إلى 3.5 مليار سنة، وكانت عبارة عن ميكروبات صغيرة جداً (أصغر من أن نراها بأعيننا) عاشت تحت الماء في عالمٍ مختلفٍ كلياً عن عالم اليوم. كانت القارات في ذلك الوقت في طور التشكّل، ولم يكن هناك أكسجين في الهواء.

منذ ذلك الحين، تغيرت الحياة على الأرض بشكلٍ جذري واتخذت أشكالاً عديدة. في الواقع، لم تكن الأرض أكثر من مجرّد طبقة من الطين والصخور على مدار حوالي مليار سنة خلال الجزء الأوسط من تاريخ الأرض (منذ 1.8 مليار إلى 800 مليون سنة).

نسب قديم جداً

ينتمي جميع البشر الأحياء اليوم إلى نوعٍ يسمى «هومو سابينس» أو الإنسان العاقل. لكّن لدينا سلسلة طويلة من الأقارب تُدعى «هوميننز» (أشباه البشر) الذين جاءوا قبلنا، ومن ضمنهم قريبنا البشري القديم؛ إنسان «نياندرتال» (الإنسان البدائي).

نياندرتال,الإنسان الأول, التطور, نظرية التطور, أسلاف البشر

نماذج جديدة من ذكر وأنثى إنسان «نياندرتال» (إعادة الإعمار: قبل 2005) في متحف إنسان نياندرتال، ميتمان، ألمانيا – مصدر الصورة: UNiesert/ ويكيبيديا

لم يبقى من مجموعة أشباه البشر-الهوميننز- على قيد الحياة حالياً سوى الإنسان العاقل. لقد ظهر أشباه البشر لأول مرة منذ ملايين السنين، ولم يتغيروا كثيراً خلال عملية التطور الطويلة. ونظراً لأن شجرة العائلة التي ينتمي إليها الإنسان الحالي مقعدة جداً، نحتاج إلى النظر بما تعنيه كلمة «إنسان» كي نجيب على سؤالك.

قد يبدو هذا الأمر سخيفاً، لأننا نعلم بوضوح عندما يمر شخصٌ ما في الشارع بأنه «إنسان»، وليس كلباً أو قطة. لكن الاختلافات بينك وبين جدتنا الأولى لوسي (سنتكلم عنها لاحقاً) التي عاشت قبل 100 ألف جيل، أقلّ بكثير من الاختلافات بين الشخص والكلب. لذلك سيكون الجواب معقداً بعض الشيء.

لذلك سأقدم لك إجابتين وأدعك تقرر أيهما تعتقد أنه صحيح.

أنت وأنا «إنسان عاقل»

الجواب الأول هو افتراض أن «الإنسان» الأول كان أول عضوٍ في جنسنا البشري، أي الإنسان العاقل. سيكون هذا الشخص مثلك ومثلي تماماً، ولكن ليس لديه هاتف آيفون. يعود أقدم هيكلٍ عظمي مُكتشف حتى الآن من جنسنا البشري (الإنسان العاقل، هومو سابينز) موجودٌ في المغرب، ويبلغ عمره حوالي 300000 عام.

من المفترض أن أسلافنا قد عاشوا في ذلك الوقت إلى جانب الأنواع الأخرى من الإنسان، بما في ذلك إنسان نياندرتال، ودينيسوفان. وقد تسائل علماء الآثار طويلاً: ما الذي يجعلنا مختلفين عن هذه الأنواع القديمة من الإنسان؟

ربما تكمن الإجابة في أدمغتنا. فالإنسان العاقل كما نعتقد هو النوع الوحيد الذي يمكنه الكلام والتعلّم، وامتلاك مواهب فنية؛ رغم أن بعض الاكتشافات الحديثة تشير إلى أن إنسان نياندرتال كان فناناً أيضاً.

من الصعب معرفة سبب استمرار الإنسان العاقل إلى الوقت الحالي وعدم بقاء بقية مجموعة أشباه البشر. ربما كان إبداع الإنسان العاقل هو ما سمح لنا وساعدنا على البقاء على مدار 100 ألف عام الماضية، فقد اُكتشفت رسوماتٌ ونقوش مذهلة في كهوفٍ قديمة في فرنسا وإندونيسيا؛ تشير إلى ذلك.

لوحة قديمة اكتشفت في كهوف لاسكو- فرنسا – مصدر الصورة: كارولين بلومبرج/ إي بي إيه

جدتنا الأولى «لوسي»

هناك طريقة أخرى للإجابة على سؤالك، وهي افتراض أن «الشخص الأول» تطوّر عن أشباه البشر، وانفصل عن بقية أفراد عائلتنا المتشعبة التي تشمل الشمبانزي والغوريلا.

لا يمكننا الجزم تماماً من كان سلفنا الأول، لكن العديد من العلماء يعتقدون أنه من الممكن جداً أن يكون إنسان «أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس». يبدو هذا النوع مختلفاً عنك وعني، ولكنه كان يمشي منتصباً، واستخدم أدواتٍ مصنوعة من الحجارة. أفضل دليلٍ على ذلك هو هيكلٌ عظمي لأحفورية شهيرة لأنثى من نوع أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس تُدعى «لوسي».

لوسي,الإنسان الأول, التطور, نظرية التطور, أسلاف البشر

هكذا بدت لوسي منذ أكثر من 3 ملايين سنة – مصدر الصورة: جيسون كوفر/ فليكر

كانت لوسي مغطاة بالشعر عندما عاشت منذ حوالي 3.18 مليون سنة، وربما كانت بنفس طولك الذي أنت عليه الآن، رغم أن عظامها تشير إلى أنها كانت بالغةً عندما ماتت.

اُكتشفت أحفورية لوسي في أفريقيا، وكانت مؤلفة من شظايا عظمية كثيرة شكلت بمجموعها 40% من هيكلها العظمي، ورغم أنه أكبر هيكلٍ عظمي مكتشف لأحفوريات أشباه البشر، إلا أنه لم يكن مكتملاً، مما جعل من الصعب تحديد من كان «الإنسان» الأول.

في الواقع، معظم الأحافير التي تعود إلى نفس الوقت الذي عاشت فيه لوسي غير مكتملة، وليس لدينا سوى عدد قليلٌ جداً من العظام لدراستها من كل نوع منقرض. لذلك فإن أي اكتشافٍ لأحفورياتٍ جديدة لها سيكتسب أهمية بالغة بالنسبة لعلم الآثار. فكل أحفورية جديدة تمنحنا فرصة لحلّ جزءٍ من لغز شجرة عائلتنا جميعاً.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن