Reading Time: 5 minutes

يؤثر ضعف الذاكرة على حياتنا سواء الاجتماعية أو العملية. لذا، ليس من المستغرب أن تكون المخاوف بشأن تدهور مهارات التفكير والذاكرة من بين أكبر المخاوف لدى البشر خصوصاً مع تقدمهم في السن. لنتعرف قليلاً إلى ماهية الذاكرة وكيف بإمكاننا الحفاظ عليها وتحسينها. 

ما هي الذاكرة؟

تعرّف الذاكرة على أنها «الماضي الذي يصبح جزءاً منا». ومن المثير للاهتمام أن الأحداث الماضية يمكن أن تصبح جزءاَ منا بثلاث طرق مختلفة؛ كذاكرة إجرائية أو ذاكرة دلالية أو ذاكرة عرضية. وغالباً ما تحدث هذه الطرق المختلفة في وقت واحد. ففي تعلم ركوب الدراجة على سبيل المثال، يتضمن ذاكرة إجرائية عندما تتذكر أجسامنا كيفية تنسيق الأطراف ووضعية الجلوس بناءً على المحاولات السابقة لركوب الدراجة، وتذكر أن ناقل الحركة تستخدم لتبديل شدة الدفع يمثل الذاكرة الدلالية، بينما تتجلى الذاكرة العرضية في تذكر متى وأين تعلمت كيفية ركوب الدراجة.

من الناحية الفيزيولوجية أو العصبية، تكون الذاكرة، في أبسط تصور لها، مجموعة من الوصلات العصبية المشفرة في الدماغ. إنها إعادة إنشاء أو إعادة بناء التجارب السابقة عن طريق إطلاق متزامن للخلايا العصبية التي شاركت في التجربة الأصلية. ونظراً للطريقة التي يتم بها تشفير الذاكرة، فمن الأفضل التفكير فيها على أنها نوع من أحجية الصور المجمّعة أو المتقطّعة على أنها مجموعة من التسجيلات أو الصور أو مقاطع الفيديو المخزنة جميعها بشكل منفصل. إذ لا يتم تخزين ذكرياتنا في أدمغتنا مثل صف الكتب على أرفف المكتبات، بل عادةً ما تتم إعادة بنائها بسرعة من عناصر مبعثرة في مناطق مختلفة من أدمغتنا.

أطعمة لتقوية الذاكرة

الصورة: بيكساباي

توجد بعض الأطعمة التي تساعد قدر الإمكان على إبقاء الدماغ حاداً حتى مع التقدم في العمر. يؤكد خبراء التغذية أن أهم استراتيجية هي اتباع نمط غذائي صحي يتضمن الكثير من الفواكه والخضروات والبقوليات والحبوب الكاملة والمصادر النباتية والسمكية للبروتين. نذكر أهمها:

الخضروات الورقية مثل اللفت والسبانخ والكرنب والبروكلي، فهي غنية بالعناصر الغذائية الصحية للدماغ مثل «فيتامين ك» و «اللوتين» و «الفولات» و «بيتا كاروتين». وتشير الأبحاث إلى أن هذه الأطعمة النباتية قد تساعد في إبطاء التدهور المعرفي. كذلك الأسماك الدهنية، هي مصادر وفيرة لأحماض «أوميجا 3» الدهنية، وهي دهون صحية غير مشبعة تم ربطها بانخفاض بيتا أميلويد في الدم -وهو البروتين الذي يشكل كتلاً ضارة في أدمغة الأشخاص المصابين بمرض الزهايمر-. لذا، فإن تناول السمك مرتين على الأقل في الأسبوع يشكّل جدار حماية قوي من فقدان الذاكرة، لكن احرص على اختيار الأنواع التي تحتوي على نسبة منخفضة من الزئبق، مثل السلمون وسمك القد والتونة الخفيفة المعلبة. وإذا لم تكن من محبي الأسماك، فبإمكانك الحصول على «أوميجا 3» من المصادر الطبيعية الأخرى مثل بذور الكتان والأفوكادو والجوز.

التوت. أظهرت الأبحاث أن «مركبات الفلافونويد»، وهي الأصباغ النباتية الطبيعية تمنح التوت لونه اللامع، تساعد أيضاَ في تحسين الذاكرة. ففي دراسة نُشرت عام 2012 في دورية «أنالس أوف نورولوجي»، وجد باحثون في جامعة هارفارد الأميركية أن النساء اللواتي تناولن الفراولة والتوت مرتين أو أكثر كل أسبوع أخّرن تدهور الذاكرة لمدة تصل إلى عامين ونصف.

الشاي والقهوة. قد يوفر الكافيين الموجود في فنجان القهوة أو الشاي الصباحي أكثر من مجرد زيادة تركيز على المدى القصير. ففي دراسة نشرت عام 2014 في دورية «ذا جورنال أوف نيوتريشن»، أظهر المشاركون الذين تناولوا كميات أكبر من الكافيين نتائج أفضل في اختبارات الوظيفة العقلية. ووفقاً لأبحاث أخرى، قد يساعد الكافيين أيضاً في ترسيخ الذكريات الجديدة. إذ طلب الباحثون في جامعة جونز هوبكنز الأميركية من المشاركين دراسة سلسلة من الصور ثم تناول دواء وهمي أو قرص كافيين 200 مليغرام. تمكن المزيد من أعضاء مجموعة الكافيين من التعرف على الصور بشكل صحيح في اليوم التالي.

المكسرات كذلك، والجوز على وجه الخصوص، هي مصادر ممتازة للبروتين والدهون الصحية  التي تحسن الذاكرة. ربطت دراسة أجريت عام 2015 في جامعة كاليفورنيا استهلاك الجوز المرتفع بتحسين درجات الاختبار المعرفي. فالجوز غني بنوع من الأحماض الدهنية يسمى حمض «ألفا لينولينيك»، والذي يساعد على خفض ضغط الدم وحماية الشرايين، وهذا جيد للقلب والدماغ.

ألعاب لتقوية الذاكرة

الصورة: بيكسلز

كجهاز تخزين، فإن الدماغ يقارن بأقراص التخزين الرقمية. ويُعتقد أنه قادر على الاحتفاظ بما يصل إلى 2.5 بيتابايت من المعلومات. ومع ذلك، فإن القدرة على استرداد كل هذه المعرفة أمر مختلف. للمساعدة في هذه العملية، يوجد العديد من الألعاب التي يمكن أن تساعد في تحسين كلاً من الذاكرتين طويلة وقصيرة الأمد. نذكر منها:

الكلمات المتقاطعة، تبقى اللعبة من أهم التمارين المعرفية، إذ أظهرت الدراسات وجود علاقة قوية بين ممارسة اللعبة وتأخر ظهور الخرف. لكن مشكلة اللعبة كمقوّ للذاكرة وللدماغ بشكل عام تكمن في أنه يمكنك أن تصبح جيداً جداً فيها، لذا، إذا كنت قادراً على إنهائها في زمن قياسي، فمن المحتمل أنك لا تمنح نفسك تحدياً كافياً. وكذلك أحجية الصور المتقطعة، فهي وسيلة رائعة لتحسين الذاكرة قصيرة الأمد، إذ يتعين على عقلك فرز سلسلة من الألوان والأشكال لتجميع صورة مرئية. فكلما زاد عدد القطع، زادت صعوبة العملية بالنسبة للدماغ، وبالتالي زادت المكافأة. لقد ثبت أن تثبيت قطعة في مكانها ينتج الدوبامين، والذي يمكن أن يساعد في التركيز.

أثبتت أيضاً الألعاب التي تعتمد على شكل شبكة المربعات فاعلية كبيرة في تقويتها للذاكرة، مثل السودوكو، وهي لعبة الأرقام بقيت عنصراً أساسياً في الصحف لسنوات، ولسبب وجيه. فمن خلال الاضطرار إلى الاحتفاظ بسلسلة من الأرقام في رأسك أثناء التمرين عقلياً على وضعها في شبكات ذات تسعة مربعات، فأنت تعتمد بشدة على عمل الذاكرة. لكن ضع في اعتبارك أن لعبة السودوكو تكون أكثر فاعلية عند بداية ممارستها قبل أن يعتاد عقلك على تنظيم الأرقام. وكما هو الحال بالنسبة للعبة الكلمات المتقاطعة، إذا أصبح الأمر أسهل، فقد حان الوقت لتجربة شيء جديد. مثل الشطرنج؛ التي تعد واحدة من أكثر الألعاب تحدياً من الناحية الفكرية، على الرغم من أن اللاعبين الجدد يعتمدون غالباً على الذاكرة قصيرة الأمد لتحليل اللوحة والتخطيط لخطواتهم التالية على الفور، فقد أثبت اللاعبون الأكثر خبرة التزامهم باستراتيجيات تستدعي الخطط المحفوظة على ذاكرتهم طويلة الأمد.

تقوية الذاكرة بالأعشاب

لقد عرفنا منذ فترة طويلة أن الأعشاب لها خصائص علاجية مثل تهدئة القلق، وعملها كمضادات للالتهابات، وتنقية الجلد، لذلك ليس من المستغرب أن نتمكن الآن من إضافة تحسين الذاكرة إلى القائمة. هنا بعض الأعشاب التي تعمل على تحسين الذاكرة والتي تستحق الاحتفاظ بها في رف التوابل.

الكركم؛ نعلم بالفعل أن الكركم -الزعفران الهندي- مفيد للبشرة ويساعد في تقليل حرقة المعدة. لكن اتضح أنه في الواقع مقوي للذاكرة كذلك، لأنه يقلل الالتهابات. ولكن كيف يلعب الالتهاب دوراً في كيفية تذكرنا للأشياء؟ حسناً، كل هذا له علاقة بحاجز الدم في الدماغ وآلية عمله. عندما يتعين على الجهاز المناعي في الدماغ أن يعمل بشكل إضافي، يمكن أن يتعرض الدماغ للالتهاب. وجدت الأبحاث أن الأشخاص الذين تناولوا المزيد من الطعام الذي يحتوي على الكركم سجلوا نتائج أفضل في اختبارات الوظائف المعرفية من أولئك الذين لم يفعلوا ذلك.

عشبة المريمية؛ تحتوي المريمية على «مركبات الفلافونويد» وهي مواد طبيعية معروفة بمضادات الأكسدة وخصائصها المضادة للالتهابات. يمكنك في الواقع درء مرض الزهايمر عن طريق إضافة القليل منها إلى أطباقك. في الواقع، وجدت دراسة أجريت عام 2017 أن نبات المريمية لديه القدرة على تعزيز النشاط المعرفي والحماية من أمراض التنكس العصبي، والتي تشمل الخرف ومرض الزهايمر.

إكليل الجبل؛ من المحتمل أن يكون لديك بالفعل إكليل الجبل في المطبخ، لذا فإن هذه العشبة هي واحدة من أسهل الأعشاب التي يمكن دمجها في نظامك الغذائي. تقول الشائعات أن الطلاب في اليونان القديمة وضعوا أكاليل من إكليل الجبل حول أعناقهم أثناء إجراء الاختبارات. ووفقاً للدراسات الحديثة، يمكن أن تتحسن الذاكرة بنسبة تصل إلى 75% عن طريق استنشاق إكليل الجبل نظراً لمكونه الأساسي، «1,8-cineole»، الذي لديه القدرة على تثبيط الإنزيمات التي تكسر مركب الـ«أسيتيل كولين» في الدماغ، مما يسمح للمزيد من المحافظة على وظائف الدماغ وتحسينها.

النعناع؛ لطالما أُشيد بالنعناع لخصائصه المهدئة، وتحديداً عندما يُشرب كالشاي. لكن الأبحاث أظهرت كذلك أنه عندما يتعلق الأمر بدماغك، فإن تناول كوب من شاي النعناع يزيد بشكل كبير من ذاكرتك العاملة، والذاكرة طويلة الأمد، والتنبّه. وبالطبع فإن هناك العديد من الأعشاب الأخرى المفيدة للذاكرة مثل عشبة «سرة الأرض» الشبيهة بالبقدونس، والتي يُعتقد أن ذكريات الفيلة التي لا تشوبها شائبة تعود إلى حقيقة أنها تتغذى على هذه العشبة.

وهكذا بعد أن عرفت عن هذه الأعشاب التي تحسن الذاكرة، فقد يكون من المفيد دمجها في نظامك الغذائي. فبالنهاية ليس من السابق لأوانه أبداً البدء في اتخاذ احتياطات منع فقدان الذاكرة وانخفاض التركيز.