Reading Time: 4 minutes

المقال باللغة الإنجليزية من «ذا كونفيرسيشن»


انتشر وباء «المعلومات المضللة» بالتوازي مع جائحة فيروس كورونا. إذ بات الناس يجدون صعوبة بالغة في التمييز بين المعلومات الصحيحة والنصائح الخاطئة والمضللة. وقد استجابت كبرى شركات التكنولوجيا لهذا التحدي من خلال مبادرة غير مسبوقة للعمل معاً لمواجهة طوفان المعلومات الخاطئة حول الفيروس.

ينطوي جزء من هذه المبادرة على الترويج لمحتوى وكالات الرعاية الصحية الحكومية وغيرها من المصادر الموثوقة، واتخاذ تدابير لتحديد وإزالة المحتوى المضلل الذي قد يسبب ضرراً بصحة الناس. على سبيل المثل، وسّع تويتر معاييره للمعلومات الضارة لتشمل المحتوى الذي يتعارض مع إرشادات مصادر معلومات الصحة العامة الموثوقة.

واستعانت شركة فيسبوك بخدماتٍ إضافية للتحقق من المعلومات لإزالة المضللة منها، والتي قد تؤدي إلى أضرار صحية حقيقية. كما عدّل يوتيوب سياسة الموقع فيما يتعلّق بالمعلومات الطبية المضللة المتعلقة بفيروس كورونا، والتي تمنع نشر «المحتوى المتعلق بمرض كوفيد-19 الذي يشكل خطراً جدياً على الصحة».

ينطوي هذا النهج على مشكلةٍ هي أنه لا يوجد فهم أو «أرضية مشتركة» لتحديد ما هو ضارٌ ومضلل. حيث يمكن أن تؤدي المعايير المختلفة التي تحدد فيها هذه الشركات ما هو ضار ومضلل إلى نتائج متباينة جداً، مما قد يقوض ثقة الجمهور في قدرة شركات التكنولوجيا على الحد من المعلومات المضللة. وكما نُجادل في ورقة بحثية حديثة، فإن معالجة هذه المشكلة يتطلب أن تكون هذه الشركات أكثر اتساقاً في كيفية تعريف الضرر، وأكثر شفافية في كيفية استجابتها له.

العلم عرضة للتغيير

في الواقع، كانت حداثة الفيروس وعدم وجود معلوماتٍ كافيةٍ عنه المشكلة الرئيسية التي ساهمت في صعوبة تمييز المعلومات الصحية الخاطئة عن الصحيحة أثناء الوباء. حيث لا يزال هناك الكثير أمامنا لنعرفه عن هذا الفيروس، والكثير مما نعتقد أننا نعرفه عنه قد يتغير بناءً على نتائج واكتشافات الأبحاث الجديدة. ومن هنا تأتي مشكلة تحديد المحتوى الضار من عدمه.

كما يمكن أن يؤدي الضغط على العلماء لإنتاج ومشاركة نتائج أبحاثهم أثناء الوباء إلى تقويض جودة البحث العلمي. حيث تسمح مواقع نشر الأبحاث في مرحلة ما قبل الطباعة للعلماء بنشر الأبحاث بسرعة قبل مراجعة الأقران. في الواقع تستغرق التجارب التي تعتمد على العناصر الشاهدة، والأعداد الكافية وقتاً طويلاً للقيام بها، لذلك تم سحب العديد من المقالات من المجلات والدوريات بعد أن خضعت لمراجعة الأقران بسبب ضعف موثوقية مصادر البيانات.

وحتى منظمة الصحة العالمية كانت قد غيرت موقفها من طريقة انتقال المرض والوقاية منه. على سبيل المثال، لم تكن توصي المنظمة سابقاً بارتداء الأقنعة الواقية في الأماكن العامة حتى 5 يوليو/ تموز حين ظهرت نتائج أبحاثٍ علمية جديدة وموثوقة دفعت المنظمة للتوصية بعكس توصيتها السابقة.

وبالرغم من ذلك، تعهدت شركات وسائل التواصل الاجتماعي الكبرى بإزالة المحتوى الذي يتعارض مع توجيهات منظمة الصحة العالمية. ونتيجة لذلك، بات بإمكانهم إزالة المحتوى الذي قد يتبين فيما بعد أنه صحيح. وذلك يسلط الضوء على القيود التي تُفرض على المعلومات بناءً على مصدرٍ موثوقٍ واحد. ولكنها لم تأخذ بعين الاعتبار أن التغيير هو جوهر الطريقة العلمية، حتى النصيحة الموثوقة تخضع للنقاش والتعديل والمراجعة.

تسييس المعلومات المضللة

إن تقييم الضرر بهذه الطريقة يفشل في تفسير التناقضات في رسائل الصحة العامة في مختلف البلدان. فعلى سبيل المثال، كانت الاستجابة الأولية للسويد ونيوزيلندا على فيروس كورونا متعارضة تماماً، حيث كانت الأولى تستند إلى «مناعة القطيع»، بينما هدفت الثانية إلى القضاء على الفيروس، ومع ذلك، استند كلا الموقفين على مشورةٍ علمية موثوقة. كما قد تختلف سياسات الصحة العامة داخل الدولة نفسها وبين الولايات، ولا يزال هناك خلافٌ بين العلماء حول الحقائق العلمية المتعلقة بالفيروس.

قد تُستخدم المعلومات المضللة في التجاذبات السياسية، كما تجلى ذلك في النقاشات الحادة حول استخدام دواء هيدروكسي كلوروكين والإيبوبروفين كعلاجاتٍ محتملة لفيروس كورونا. علاوة على ذلك، هناك بعض الأسئلة لا يستطيع العلم الإجابة عليها بمفرده؛ فعلى سبيل المثال، هل يجب إعطاء الأولوية للصحة العامة أم للاقتصاد؟ هذه اعتبارات أخلاقية لا تزال موضع خلاف كبير.

ينطوي تعديل المحتوى عبر الإنترنت حتماً على الموازنة بين المصالح والقيم. يعتمد الإشراف على وسائل التواصل الاجتماعي في الغالب على خوارزميات الكمبيوتر للاستجابة سريعاً للمحتوى الذي ينشره المستخدم والذي قد يكون مضللاً. كما يمكن للمستخدمين الإبلاغ عن المحتوى الذي قد يكون ضاراً.

وبالرغم من أن هذه الخوارزميات مصممةٌ للحد من المعلومات المضللة، إلا أنها قد تكون عرضةً للتعديل بسبب تأثير مستخدمين مُوجّهين بغية بث الدعاية وعدم الثقة. وهذا هو الحال في الواقع مع حملات التضليل التي تشنها جماعاتٌ معينة تهدف إلى إثارة الخوف والشك.

ويمكن للمستخدمين الاستفادة من اللغة الدقيقة والاختلافات الكثيرة حول سبل الوقاية من الأمراض وعلاجها. على سبيل المثال، قد تكون الروايات الشخصية حول فوائد نظمٍ غذائية معينة أو مكملات غذائية «معززة للمناعة» مضللة، ولكن يصعب التحقق منها. مع ذلك، فإن هذه الادعاءات لا تندرج دائماً ضمن تعريف المعلومات المضللة.

وبالمثل، يشيع استخدام أساليب الفكاهة وإخراج المحتوى من سياقه للتحايل على شروط المحتوى. فقد لعبت «الميمز» عبر الإنترنت والصور والشعارات دوراً كبيراً في توليد عدم الثقة في العلوم، والسياسات المُتبعة للحد من انتشار الفيروس أثناء الجائحة، وساهمت في تغذية نظريات المؤامرة.

الشفافية والثقة

في الواقع، يتسبب الغموض وعدم الاتساق في الإشراف على محتوى شركات التكنولوجيا إلى تخفيض جودة بعض المحتوى أو إزالته تماماً أحياناً، بينما قد يبقي على المحتوى الضار الآخر على الإنترنت في أحيانٍ أخرى. وفي هذا الصدد، لا تحتوي «تقارير الشفافية» التي نشرتها فيسبوك وتويتر إلا على إحصائياتٍ عامة حول طلبات الدول لإزالة المحتوى، وتفاصيل قليلة حول ما تم إزالته، وأسباب ذلك.

وبذلك لا يمكن تحميل هذه الشركات مسؤولية المشاكل المتعلقة بمحاولاتها لمعالجة المعلومات المضللة، ومن غير المرجح أن يتغير هذا الموقف قريباً. لهذا السبب، نعتقد بوجوب مطالبة شركات التكنولوجيا بنشر تفاصيل خوارزميات فحص المحتوى الخاصة بها، ونشر سجلٍ للمعلومات الصحية المضللة التي تمت إزالتها. من شأن ذلك في الواقع زيادة الشفافية، وتمكين النقاش العام حول سبب إزالة المحتوى أو الحسابات، والتي يعتقد أصحابها ومؤيدوها أن إزالتها غير عادلة.

بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تسلط هذه الشركات الضوء على الادعاءات التي قد لا تكون ضارة بشكل واضح، ولكنها قد تكون مضللة أو تتعارض مع النصائح الرسمية. هذا النوع من وسم المحتوى من شأنه أن يزود المستخدمين بمعلومات موثوقة يمكن من خلالها تفسير هذه الادعاءات دون قمع النقاش.

ستوفر شركات التكنولوجيا محتوى أكثر موثوقية، وتزيد من ثقة الجمهور بها من خلال تعاملها مع المحتوى بقدر أكبر من الاتساق والشفافية، وتبرز أهمية هذا الأمر أكثر في ظل الجائحة الحالية.