Reading Time: 4 minutes

المقالة باللغة الإنجليزية


تستعد جائحة فيروس كورونا لدخول التاريخ كأحد أكثر الجوائح فتكاً في التاريخ. ولكن رغم أن مكافحة أي مرضٍ جديد هو أمر صعب عملياً، لا يمكننا إلقاء اللوم بالنسبة للخسائر التي تسبب بها على حداثة المرض لوحدها؛ إذ كنا بالفعل غير مستعدين له أيضاً.

وفقاً لجيريمي كونينديك؛ الخبير في الاستعداد لتفشي الأمراض وزميل السياسات البارز في مركز التنمية العالمية، فقد كانت هناك مؤشرات في أوائل شهر فبراير/ شباط بأن الفيروس الذي ظهر في ووهان أواخر عام 2019، سينتشر في جميع أنحاء العالم، ولم تكن معظم الدول قد اتخذت التدابير الوقائية الكافية حتى منتصف مارس/ آذار أو إبريل/ نيسان. يقول كونينديك: «كانت السمة المميزة الأهم بالنسبة للدول التي كان أبلت بلاءً حسناً في مواجهة الوباء هي التوقيت، بينما اعتمد النصف الآخر من المعادلة على كيفية استجابة الحكومات للجائحة عند ظهورها».

لقد بات من المعلوم أن جائحة فيروس كورونا لن تكون آخر الجوائح العالمية، إذ يعتبر الخبراء موجة الأزمات الصحية الأخيرة؛ من السارس في عام 2003، وأنفلونزا الخنازير عام 2009، إلى وباء إيبولا عام 2014، مؤشرات على أن طبيعة عالمنا الجديد المترابطة وسريعة الوتيرة تجعل من انتشار الأمراض الجديدة أمراً لا مفر منه، ولكن كيف يمكننا الاستعداد لمواجهة مرض غير معروف في المرة القادمة؟

تتمثل الخطوة الأولى في تحديد التهديدات المحتملة حتى نعرف أين يجب تركيز التدابير الوقائية. في الواقع، يبذل علماء الفيروسات جهوداً كبيرة لتحديد العوامل الممرضة التي يُحتمل انتقالها من الحيوانات إلى البشر؛ مثل فيروس كورونا، وذلك من خلال فحص عينات مأخوذة من الحيوانات البرية (الخفافيش والطيور وغيرها)، لكن خبراء الصحة العامة يقولون أن هناك حاجة لبذل المزيد من الجهود لمواجهة أي مرضٍ جديد يمكن أن ينتقل إلى البشر، ويقترحون على وجه التحديد إنشاء مركز نمذجة وطني يُبين كيفية انتشار أي عاملٍ ممرض جديد لضمان حصولنا على المعلومات المدعومة بالأدلة العلمية لمساعدة عملية اتخاذ القرارات الصعبة في هذا السياق. بوسع هذا المركز مراقبة تفشّي الفيروسات، ومدى جاهزية سلاسل توريد العلاجات ومعدات الحماية على المستوى الفيدرالي.

يستلهم الخبراء؛ مثل كونينديك، طرح فكرة هذه المؤسسة المحتملة من المركز الوطني للأعاصير، والذي يُعتبر جزءاً من خدمة الطقس الوطنية، والذي يعمل على التنبؤ بالأعاصير ومدى شدتها، وتأثيرها والمكان الذي ستضرب فيه، بالإضافة إلى تقديمه التوصيات للمكان الذي يجب أن تُركز فيه جهود الإمداد والإنقاذ في المرحلة القادمة. يقول كونينديك: «على غرار المركز الوطني للأعاصير، يمكن لمؤسسةٍ تعمل على نمذجة الأمراض المعدية تزويد المسؤولين الحكوميين بالمعلومات اللازمة في الوقت المناسب».

في الحقيقة، تقوم مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها والوكالات الحكومية الأخرى ببعض من هذه المهام بالفعل، لكن عملها بطيء وغير منتظم وفقاً لما يقوله كونينديك: «هل هي تدابير حاسمة ومنهجية ويتم إيصالها بالشكل الصحيح للناس على غرار العمل الذي يقوم به المركز الوطني للأعاصير؟ قطعاً لا».

إساياس, أعاصير, اعصار, جائحة فيروس كورونا

إعصار إساياس يعبر ساحل أميركا الشرقي. 3 أغسطس/ آب 2020 – الصورة: نوا

قد يجمع مثل هذا المركز علماء الفيروسات والأوبئة والإحصاء الحيوي معاً تحت سقف واحد في منظمةٍ قد تكون بمستوى وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، وسيضمن ذلك أن يكون لدينا ما يكفي من العقول الذكية -والتي تحصل على التمويل المناسب- المُكرسة لتتبع العدوى في أي وقت، وذلك غير متوفر حالياً في الواقع. وتقدّر كايتلين ريفرز؛ عالمة الأوبئة في مركز الأمن الصحي بجامعة جونز هوبكنز، أن الحكومة ليس لديها عادة إلا القليل من منمذجي الأمراض المعدية، والذين داهمتهم ظروف الجائحة سريعاً مثل بقية الناس أيضاً، حيث تقول: «عادة ما يترك الأكاديميون أعمالهم ليتطوعوا للقيام بمثل هذا العمل، ولكن ذلك ليس الطريقة الفضلى التي تعمل بها الأنظمة الصحية العامة المهمة الأخرى. على سبيل المثال، عندما يستعد إعصار لضرب سواحل فلوريدا، من سيكون لديه الوقت والرغبة لتصميم نموذج يعطينا مختلف الاحتمالات؟».

يمكن أن توجه نماذج انتقال الفيروس مثلاً صنّاع السياسات لاتخاذ القرارات المناسبة لضمان حماية الناس. في الواقع، تنطوي عملية النمذجة على جمع البيانات، واقتراح مختلف السيناريوهات الممكنة لدراسة مكامن الخلل في كلّ منها، ومن ثم تقديم أفضل الحلول لها. على سبيل المثال، لمعرفة إذا ما كان فيروس كورونا ينتشر أكثر في الأماكن المزدحمة؛ مثل الحانات والمقاهي، دون ارتداء الكمامات، يمكننا إدخال البيانات اللازمة في المحاكاة، واستنتاج عدد الأشخاص الذين تُحتمل إصابتهم بالفيروس.

كما هو الحال مع الطقس، سيكون من المستحيل التنبؤ بكل وباء قد ينتشر في المستقبل، لكن النماذج يمكن أن تُظهر لنا كيفية ازدياد انتشار مرضٍ حالي في الأسبوع أو الشهر المقبل، وبالتالي تحديد مستوى التهديد الذي يمثله اعتماداً على مدى خطورته، فإذا ارتفع عدد الحالات إلى الدرجة التالية على السلم، سيؤدي ذلك إلى تنفيذ الإجراءات المخططة مسبقاً؛ مثل إلزام رواد الحانات والمقاهي بالجلوس في الأماكن المفتوحة، أو إغلاقها بالكامل لمنع تفشي المرض وخروجه عن نطاق السيطرة.

تقول ريفرز: «من شأن هذه المعلومات دعم اتخاذ القرارات الحاسمة مسبقاً؛ والتي أصبحنا نتخذها الآن، وهذه المعلومات تنقذ الكثير من الأرواح». تشير عمليات المحاكاة الحاسوبية؛ التي أجرتها جامعة كولومبيا في مايو/ آيار عام 2020، أنه لو فُرضت إجراءات الإغلاق والحجر المنزلي قبل أسبوعٍ واحد؛ تحديداً في 8 مارس/ آذار بدلاً من 15 مارس/آذار، لكان بمقدور الولايات المتحدة تجنُّب 35 ألف حالة وفاة بسبب فيروس كورونا.

موسم الأعاصير, المحيط الأطلسي, أعاصير, جائحة فيروس كورونا

التنبؤات حول الأعاصير المحتملة في المحيط الأطلسي اعتباراً من أغسطس/ آب 2020 – مصدر الصورة: نوا

يمكن أيضاً لمثل هذه المركز مراقبة جاهزية مختلف القطاعات استعداداً لارتفاع الحالات. تقول «بيث كاميرون»؛ المديرة السابقة لمديرية الأمن الصحي العالمي والدفاع البيولوجي التابعة لمجلس الأمن القومي (حلّه ترامب عام 2018) ونائب الرئيس للسياسة البيولوجية العالمية في مبادرة التهديد النووي غير الربحية حالياً، في هذا الصدد: «يمكن لمركز المراقبة المقترح التحقق من معايير الجاهزية المهمة؛ مثل عدد وحدات العناية المركزة المتاحة، أي على غرار ما يفعله مركز التنبؤ بالأعاصير؛ حيث أنه لا يكتفي بالتنبؤ بالأعاصير، ولكنه يقوم أيضاً بالتحقق من الإمكانات المتوفرة لإدارة نتائج الإعصار»، وتضيف في مبادرة التهديد النووي غير الربحية: «إن ضمان القدرة على الوصول إلى عناصر؛ مثل أقنعة «إن 95» ومعدات جمع المسحات، من شأنه أن يساعدنا في الاستجابة بسرعة إلى الأوبئة في المستقبل»، وتشير فضلاً عن ذلك إلى أن «سلسلة الإمداد القوية لا تتعلق فقط بالتخزين، بل تتعلق بالقدرة على توجيه الجهود؛ حيث يمكن للحكومة تحديد الشركات القادرة على تبديل خطوط إنتاجها لتصنيع المعدات اللازمة، والاتفاق على خطط للقيام بذلك قبل الحاجة إليها».

يعلم المدافعون عن فكرة إنشاء مركز نمذجة وطني أن مستويات التمويل ترتفع وتنخفض مع تغير الرؤساء والمشرعين، ومع ذلك فإنهم يقولون أن إنشاء وكالة مركزية متخصصة هو أفضل طريقة لضمان الاستعداد لتفشي الأمراض في المستقبل. تلوح في الأفق تهديدات غير معروفة لا حصر لها، ولكن عندما تضرب الجائحة التالية، سنعرف كيفية مواجهتها بشكل أفضل.