Image

فهم الطبيعة المكانية للظواهر يبدأ بوضع الخرائط

Bread assortment تصوّر فني للغلاف الشمسي.
مصدر الصورة: ناسا/ مختبر الصور التخيلية في مركز جودارد للرحلات الفضائية

لا توجه نظرك إلى الشمس أثناء الكسوف، وإذا خرجت من منزلك ارتدِ واقياً شمسياً ونظارات شمسية. نحن نعلم الكثير عن كيفية حماية أنفسنا من الأشعة الحارقة للنجم الذي ندور حوله، ولكن ما الذي نعرفه حقيقةً عن كيفية حماية الشمس لنا؟

تسمى البلازما (وهي غاز متأين يحتوي على حقول مغناطيسية) التي تنبع من الشمس بالرياح الشمسية. وعندما تصل إلى الحقل المغناطيسي الذي يحمي كوكبنا فإنها قادرة على تعطيل اتصالات الأقمار الصناعية أو العبث بالشبكات الكهربائية.

ولكن بعيداً عن غلافنا الجوي، يمكن للرياح الشمسية أن تتصرف كدرع أكثر من كونها سلاحاً، يحتضن نظامنا الشمسي داخل فقاعة تبقي الإشعاعات بين النجمية الخطيرة المحتملة بعيدة عن منظومتنا الكوكبية الصغيرة.

يود الباحثون معرفة المزيد عن الغلاف الشمسي، وهم يحظون الآن ببعثة جديدة تساعدهم على تكوين نظرة مطلعة عن هذه الظاهرة. ففي الأسبوع الأخير من شهر مايو الماضي، أعلنت ناسا أنها ستقوم بتمويل بعثة مسبار الخرائط والتسارع بين النجوم (يعرف اختصاراً باسم آيماب IMAP)، والتي ستعمل على إرسال مسبار لتحليل الجسيمات يمكنها اختراق الغلاف الشمسي.

بلغ الحد الأقصى لتكاليف البعثة 492 مليون دولار، مستثناةً منها كلفة الإطلاق. وعلى سبيل المقارنة، فإن بعثة نيو هورايزونز، التي حلقت في جوار بلوتو، بلغت كلفتها نحو 700 مليون دولار.

يقول دينيس أندروسيك، نائب المدير المعاون لمديرية البعثات العلمية في ناسا في بيان أعلن فيه عن البعثة: “هذه الحدود هي المكان الذي تقوم فيه شمسنا بالكثير لتوفر لنا الحماية. إن المسبار آيماب مهم للغاية لكي نوسع نطاق فهمنا عن الكيفية التي يعمل بها هذا ’’المرشّح الكوني‘‘”. ويضيف: “وقد تصل الآثار المترتبة على هذا البحث إلى ما هو أبعد من النظر في التأثيرات الأرضية نظراً لأننا نتطلع إلى إرسال البشر إلى الفضاء السحيق”.

هناك مشكلة واحدة فقط: الزمن. فقد تمكنا من بلوغ أقرب نقطة إلى حدود الغلاف الشمسي من خلال بعثات فوياجر. حيث انطلقت فوياجر-1 في 1977، واستغرقت 35 عاماً للوصول إلى هذا الجزء من النظام الشمسي الخارجي. لقد كانت مدة طويلة، وهو ما يبرر عدم رغبة الباحثين بالانتظار لعدة عقود أخرى ليبدأوا بالحصول على النتائج الواردة من إحدى البعثات الزائرة.

بدلاً من ذلك، سيمضي المسبار آيماب في رحلة قصيرة نسبياً، متوجهاً نحو نقطة تبعد مليون ميل (نحو 1,610,000 كيلومتر) عن الأرض حيث يمكن لشدتي الجاذبية الناجمتين عن كل من الأرض والشمس أن تبقيا المركبة الفضائية المرسلة إلى هناك في وضع ثابت نسبياً. وتعرف هذه البقعة في الفضاء باسم L1، أو نقطة لاغرانج 1، وسيدور آيماب حول هذا الموقع بينما يقوم بجمع البيانات من النظام الشمسي البعيد.

توضيح فني للمسبار آيماب IMAP.
مصدر الصورة: ناسا

قد تبدو المليون ميل مسافة طويلة، ولكنها ليست سوى جزء صغير من الطريق الواصلة إلى حدود الغلاف الشمسي. حيث استغرق هذا الطريق من قمر صناعي آخر، المسمى مرصد المناخ في الفضاء السحيق، نحو 117 يوماً للوصول إلى المدار المحيط بالنقطة L1 بعد أن انطلق في العام 2015. بالمقارنة مع الأعوام الخمسة والثلاثين التي استغرقت فوياجر لتقطع مسافة 11 مليار ميل (نحو 17.7 مليار كيلومتر)، فهذه ليست سوى نزهة سريعة حتى نهاية الحي.

حالما يصل آيماب إلى ذلك الموقع، سيبدأ باستخدام أدواته العشرة لجمع ومراقبة الجسيمات من خارج النظام الشمسي. يمكن لطبيعة الغلاف الشمسي، بما في ذلك شكله، أن يساعد على تحديد كيفية تمكّن الأشعة الكونية من الوصول إلى نظامنا الشمسي. حيث يأمل الباحثون، من خلال دراسة العوامل التي تمكّنها من الوصول، بأن يتمكنوا من تكوين فكرة أفضل عن ماهية هذا الحاجز.

كما أنهم مهتمون بالأشعة الكونية لسبب آخر: ففي الوقت الذي يقضي البشر مزيداً من الوقت في الفضاء ويرسلون المزيد من المركبات الفضائية خارج كوكبنا الأرضي، يتعرض كلٌّ من الأشخاص والتقنيات التي أرسلناها إلى النظام الشمسي إلى مستويات متزايدة من الأشعة الكونية. ويود الباحثون معرفة المزيد عن كيفية تأثير هذه الأشعة على أنظمتنا، سواء البيولوجية منها أو التكنولوجية.

ومع ذلك، لن يتم إطلاق آيماب حتى العام 2024 على أقل تقدير. وبينما نحن ننتظر الفرصة لإلقاء نظرة عن كثب على بعضٍ من أكثر الامتدادات البعيدة لتأثيرات الشمس، سنتمكن على التوازي من إلقاء نظرة شاملة على أقرب نجم لدينا بمساعدة مسبار باركر الشمسي، الذي سيرتكز مساره ضمن مدار عطارد، ليجعلنا على مقربة من الشمس أكثر من أي وقت مضى. ومن المقرر إطلاق هذه البعثة في يوليو القادم.

error: Content is protected !!