Reading Time: 5 minutes

في أواخر التسعينات، تمكن العلماء من تقدير حجم المادة العادية التي يجب أن تكون في الكون، حيث توصلوا إلى أن 5% من الكتلة الموجودة في الكون هي مادّة عادية والباقي خليطٌ من المادة المظلمة والطاقة المظلمة. ولكّن عندما أحصى علماء الفلك كلّ شيءٍ في الكون يمكنهم رؤيته أو قياسه في ذلك الوقت، تبين أن هناك جزءاً كبيراً من المادة العادية مفقود.

فقد تبين أن مجموع كل المادة العادية التي قام علماء الكونيات بقياسها أضاف فقط حوالي نصف الـ 5% التي كان من المفترض أن تكون في الكون. عُرفت هذه المشكلة باسم «معضلة الباريون المفقودة»، ولأكثر من 20 عاماً، بدا علماء الكونيات مثلنا البحث بجدٍّ عن هذه المادة دون نجاحٍ يُذكر.

لكّن فريقنا وجد أخيراً المادة المفقودة في وقتٍ سابق من هذا العام، وقد لزمنا لتحقيق ذلك اكتشاف ظاهرةٍ فلكية جديدة واستخدام أحدث تقنيات التلسكوبات.

أصل المشكلة

يشير مُصطلح الباريون إلى الجسيمات الدقيقة في نواة الذرة، سواء كانت نيوترون أو بروتون، والتي تُعتبر اللبنات الأساسية لجميع المواد العادية في الكون. كل العناصر الموجودة في الطبيعة مكوّنةٌ من الباريونات.

منذ أواخر السبعينيات ، شكّ علماء الكون في أن المادة المظلمة- وهي نوعٌ غير معروف من المادة ويجب أن تكون موجودةً لتفسير أنماط الجاذبية في الفضاء- تشكّل معظم مادة الكون والباقي عبارة عن مادة باريونية، لكنهم، أي العلماء، لم يعلموا النسب الدقيقة لكلّ من هذه المواد. في عام 1997، استخدم ثلاثة علماء من جامعة كاليفورنيا سان دييجو، نسبة نوى الهيدروجين الثقيلة- الهيدروجين مع نيوترون إضافي- إلى الهيدروجين العادي لتقدير أن الباريونات يجب أن تشكّل حوالي 5% من ميزانية الطاقة-الكتلة الكلية في الكون.

ولكن ثلاثة علماء فلكٍ آخرين، وقبل أن يجف حبر الدراسة السابقة، أشاروا إلى وجود مشكلة. فقد قالوا أن قياسات الباريونات المباشرة في كوننا الحالي- والذي حُددت من خلال تعداد النجوم والمجرات والغازات داخلها وحولها- لا تضيف سوى نصف نسبة 5% المتوقعة فقط. ومن هنا أتت معضلة الباريون المفقودة. هناك تفسيران وحيدان محتملان، مع الأخذ بعين الاعتبار قانون مصونية الطاقة الذي ينص على أن المادة لا تفنى ولا تُخلق من العدم، إما أن المادة غير موجودة والحسابات كانت خاطئة، أو أن المادة مختبئةٌ في مكانٍ ما.

منحت إشعاع الخلفية الكوني الميكروي العلماء القدرة على قياس كتلة الباريونات في الكون بدقة

بحث فاشل

بدأ الفلكيون في جميع أنحاء العالم بالبحث عن حلٍّ لهذه المعضلة، وجاء أول دليل بعد عامٍ واحد من علماء الكونيات النظرية. توقعت محاكاة الكمبيوتر التي قاموا بإنشائها أن غالبية المادة المفقودة كانت مختبئةً في بلازما ساخنة تبلغ حرارتها مليون درجة ومنخفضة الكثافة وتتخلل الكون كلّه. وقد أُطلق على هذا الوسط الساخن مُصطلح «WHIM» أو الوسط الحار بين المجرات. إذا كان هذه الوسط موجوداً بالفعل، فإنه سيقدم حلاً لمعضلة الباريون المفقود، لكن لم تكن هناك طريقةٌ لتأكيد وجودها في ذلك الوقت.

في عام 2001 ، ظهر دليل آخر يدعم وجود الـ «WHIM». فقد أكد فريق ثانٍ التوقعات الأولى بأن الباريونات تشكّل بالفعل 5% من الكون، وذلك من خلال قياسات التقلبات الضئيلة لدرجة الحرارة في إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، والذي يُعتبر في الأساس الاشعاع المتبقي من الانفجار العظيم. مع هذين التأكيدين المنفصلين، ينبغي أن تكون الحسابات صحيحة، ويبدو أن مادّة «WHIM» هي الاجابة. لذلك كان على العلماء في ذلك الوقت العثور على هذه البلازما غير المرئية.

على مدار العشرين عاماً الماضية، قام فريقنا والعديد من الفرق الأخرى من علماء الكونيات، مستخدمين جميع مراصد الأرض الكبرى، بإجراء العديد من المراقبات والرصد. كانت هناك بعض الإنذارات الكاذبة وبعض المراقبات التي رصدت الغاز الحار لوقتٍ قصير، لكن أحد فرقنا تمكن في النهاية من التحقق من تلك الغازات التي تتخلل المجرات. إذا كان الـ«WHIM» موجوداً بالفعل، فسيكون باهتاً جداً ومنتشراً لدرجةٍ يصعب عندها اكتشافه.

حلٌ غير متوقع 

ظهرت فرصة غير متوقعة على الإطلاق في عام 2007 لحلّ معضلة الباريون. فقد أفاد دنكان لوريمر، عالم الفلك في جامعة وست فرجينيا، باكتشافه صدفةً لظاهرةٍ كونية جديدة تُعرف باسم الإندفاع (أو الانفجار) الراديوي السريع أو «FRB». هذه الاندفاعات الراديوية قصيرةٌ جداً وتحمل طاقةً عالية، ولا يزال علماء الفلك لا يعلمون سبب نشوئها، ولكن يبدو أنها آتية من المجرّات البعيدة.

بما أن هذه الاندفاعات الراديوية تعبر الكون وتمرّ عبر الغازات ومادّة «WHIM»، فلا بدّ أن تعاني من التشتت قبل وصولها إلينا. تستمر النبضة الواحدة من هذه الاندفاعات الراديوية لأقل من جزءٍ واحد من ألف جزءٍ من الثانية وتنحصر أطوالها الموجية في نطاقٍ ضيّق. إذا كان شخصٌ ما محظوظاً، أو ربما كان غير محظوظ، بما يكفي ليكون قريباً من المكان الذي تنبعث منه هذه الاندفاعات الراديوية السريعة، فستضربه جميع الأطوال الموجية بنفس الوقت.

ولكن عندما تمر موجات الراديو هذه عبر المادة، فإنها تتباطأ لفترة وجيزة. كلما زاد طول الموجة، كلما زاد تباطؤ مرورها عبر المادة. في الواقع، إن المسافات الكبيرة التي تقطعها الاندفاعات الراديوية السريعة، والتي تبلغ ملايين أو حتى مليارات السنين الضوئية للوصول إلى الأرض، لا بدّ وأنها تؤثّر عليها حسب طولها الموجي بسبب التشتت، فتبطئ الموجات الأطول أكثر من الأقصر إلى درجةٍ قد يصل الفارق الزمني بين وصولهما إلى الأرض إلى ثانيةٍ واحدة تقريباً.

تصدر الاندفاعات الراديوية السريعة من المجرات على بعد ملايين ومليارات السنين الضوئية. يسمح لنا تأثرها بالمادة التي تمر خلالها في طريقها إلينا بالكشف عن الباريونات المفقودة

وهنا تكمن فائدة هذه الاندفاعات في حساب وزن باريونات الكون، وهي فرصةٌ ادركناها على الفور. فمن خلال قياس مدى الأطوال الموجية المختلفة داخل الاندفاعة الراديوية الواحدة، يمكننا حساب مقدار المادة بالضبط- عدد الباريونات- التي تمر من خلالها الموجات الراديوية في طريقها إلى الأرض.

في هذه المرحلة كنا قريبين جداً، ولكن بقي هناك معلومة أخيرة نحتاجها. لقياس كثافة الباريون بدقة، كنا بحاجةٍ إلى معرفة مصدر الاندفاعة الراديوية في الكون. إذا عرفنا المجرة المصدر، فسنعرف المسافة التي قطعتها الموجات الراديوية. مع معرفة ذلك بالإضافة لقياس التشتت، يمكننا ربّما حساب كمية المادة التي مرّت بها في طريقها إلى الأرض.

لسوء الحظ، لم تكن التلسكوبات في عام 2007 جيدةً بما يكفي لتحديد المجرة- وبالتالي مدى بعدها- التي أتت منها الاندفاعة الراديوية. لقد كنا نعلم ما هي البيانات التي نحتاجها لحلّ المعضلة، ولكن كان علينا انتظار تطور التكنولوجيا التي نستخدمها بما يكفي لنتمكّن من الحصول على تلك البيانات.

الابتكار التقني

بعد 11 عام، تمكّنا من تحديد مصدر الاندفاعة الراديوية لأول مرة. في آب/أغسطس عام 2018، بدأ مشروعنا التعاوني المُسمى «CRAFT» بالبحث عن الاندفاعات الراديوية باستخدام التلسكوب الراديوي الاسترالي المربّع  «ASKAP» والقائم في المناطق النائية غرب استراليا. يمكن لهذا التلسكوب الجديد مراقبة أجزاءَ واسعة من السماء، حوالي 60 ضعف حجم القمر المكتمل، ويمكنه في نفس الوقت اكتشاف الاندفاعات الراديوية وتحديد مصدرها في الكون. .

التقط التلسكوب أول اندفاعةٍ راديوية بعد شهرٍ واحد. وبمجرّد أن علمنا الجزء الدقيق من الكون الذي أتت منه هذه الموجة، استخدمنا بسرعة تلسكوب «Keck» الموجود في هاواي لتحديد المجرّة التي أتت منها وبُعدها. تبين أنّ الاندفاعة الراديوية جاءت من المجرة المُسماة « J214425.25–405400.81»، والتي تبعد حوالي 4 مليارات سنوة ضوئية عنّا.

لقد نجحت التكنولوجيا الجديدة. قمنا بقياس تشتت الاندفاعة الراديوية وعلمنا من أين أتت. لكننا كنا بحاجةٍ إلى التقاط المزيد منها من أجل أن تكون الحسابات الإحصائية للباريونات المفقودة كافية. لذلك انتظرنا وأملنا أن يرسل لنا الفضاء المزيد من الاندفاعات الراديوية.

بحلول منتصف يوليو 2019، كنا قد اكتشفنا خمسة اندفاعاتٍ أخرى، بحيث كانت كافيةً لإجراء البحث الأولي عن المادة المفقودة. تمكنّا في النهاية، من خلال استخدام مقياس التشتت لهذه الاندفاعات الراديوية الستة، من إجراء حسابٍ تقريبي لكمية المادة التي مرّت من خلالها قبل أن تصل إلى الأرض.

لقد غمرنا الذهول والطمأنينة في اللحظة التي رأينا فيها البيانات التي جمعناها تظهر مباشرةً على المنحنى الذي تنبأ بكمية المادة المفقودة البالغة 5%. لقد اكتشفنا الباريونات المفقودة بالكامل، وحللنا هذا اللغز الكوني بعد عقدين من البحث.

مع ذلك، هذه النتيجة ليست سوى الخطوة الأولى. لقد تمكنا من تقدير كمية الباريونات، ولكن لا يمكننا بعد إنشاء خريطةٍ كاملة للباريونات المفقودة من خلال ستّ اندفاعاتٍ راديوية فقط. لدينا دليلٌ على وجود مادّة «WHIM» وحسبنا كميتها، لكننا لا نعلم تماماً كيفية توزعها في الكون. نعتقد أنها جزءٌ من شبكةٌ من الخيوط الغازية التي تصل بين المجرات والتي يُطلق عليها «الشبكة الكونية»، ولكن إذا تمكنا من جمع بيانات حوالي 100 اندفاعة راديوية، يمكن للعلماء حينها البدء في رسم خارطةٍ دقيقة لهذه الشبكة.