Image

تختلف الآراء بين الأخصائيين في مجال الطب.

Bread assortment كل ما يتطلبه الأمر هو خلية سرطانية واحدة لتتحول إلى ورم كامل. حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوس

إن اكتشاف الإصابة بالسرطان هو أمر لا يمكن التغاضي عنه. ومع ازدياد الأدوات التي تمكّن الأطباء من اكتشاف السرطانات قبل أن تشكل مشكلة حقيقية، فسنضطر إلى طرح سؤال صعب: هل المعرفة هي دائماً أمر جيد؟

يقول نصف الأميركيين بأنهم يريدون إجراء فحوصات الكشف حتى لأنواع السرطانات التي لا يستطيعون فعل أي شيء حيالها. ولكن الأخصائيين الطبيين منقسمون إلى حدّ ما حول مدى فحص الناس للأمراض التي لا نستطيع علاجها.

وفي الوقت نفسه، تصبح فحوصات الكشف أشمل وأوسع. إذ أظهرت دراسة في دورية ساينس هذا الشهر خطوة أولى قوية نحو فحص دموي يكشف عن ثمانية أنواع مختلفة من السرطان. وتعدّ هذه الأمراض الثمانية مجتمعة مسؤولة عن 60 في المئة من الوفيات الناجمة عن السرطان في الولايات المتحدة، ولا يستطيع الكشف التعرف على السرطان بدقة معقولة فحسب، بل يمكنه أيضاً أن يشير في بعض الأحيان إلى العضو الذي يوجد فيه المرض، وذلك عن طريق اختبار الطفرات في الحمض النووي العائم للورم، وعن طريق البحث عن البروتينات الخاصة بالسرطان. هذا المزيج يجعل الاختبار أكثر دقة من العديد من المحاولات السابقة.

ومن الجدير بالذكر أن الفحص غير جاهز لدخول الأسواق عما قريب، ولكن وجوده يثير بعض القضايا الكبيرة للمجتمع الطبي. إذ يعتقد جزء كبير بأن الكشف المبكر هو الأساس في منع الوفيات. ويعتقد جزء آخر بأن الكشف المبكر ليس هو الأساس دائماً، وبأن الكشف يمكن أن يؤدي بالفعل إلى ضرر كبير. وفي حين أن بعض الأطباء يدفعون نحو هذا الكشف الشامل، فإن البعض الآخر يحث على الحذر حتى مع تقدم التكنولوجيا التشخيصية نحو الأمام.

لفهم سبب وجود هذا الانقسام، علينا أن نعود إلى الأساسيات.

الأمر الأول الذي يجب معرفته هو أن السرطان شائع جداً. إذ يتم تشخيص نحو 38 في المئة من الأشخاص في الولايات المتحدة بالسرطان في مرحلة ما من حياتهم، ويتمكن 67 في المئة منهم من العيش لخمس سنوات أو أكثر. ويرجع ذلك جزئياً إلى بعض فحوصات الكشف بأن هناك حوالي 14 مليون شخص يعيشون مع المرض في الوقت الراهن. فبالنسبة لبعض أنواع السرطان، فإن الكشف المبكر يعدّ منقذاً للحياة بالفعل.

على سبيل المثال، فإن تنظير القولون الذي يشكو منه كل الأشخاص يحدث فرقاً كبيراً، إذ يمكننا إدخال كاميرا إلى المريض ورؤية السرطانات وهي تتشكل. ويقوم تنظير القولون بالكشف عن البوليبات، وهي نمو غير طبيعي داخل الأمعاء ويمكنها أن تتحول في نهاية المطاف إلى سرطانات. ولأننا نتمكن من رؤيتها وإزالتها قبل أن تصبح خطيرة غالباً، فيمكننا الوقاية بشكل فعال من سرطان القولون والمستقيم.

ولكن ليست كل فحوصات الكشف لها فوائد أكثر من الأضرار. إذ يمكننا الكشف عن سرطان البروستات بسهولة إلى حدّ ما عن طريق اختبار مستويات المستضد الخاص بالبروستات، وهو بروتين يجول في مجرى الدم ويصبح مرتفعاً عندما يصاب المرء بسرطان البروستات. عندما ظهر هذا الاختبار للمرة الأولى، كان التصور بأننا سنكون قادرين على الكشف عن السرطانات بشكل مبكر بما فيه الكفاية لمعالجتها بشكل أكثر فعالية. ولكن في حين أن هذا كان صحيحاً بالتأكيد بالنسبة لبعض السرطانات، فقد كان الأمر ينتهي بالأطباء بالعثور على الكثير من السرطانات المبكرة والأمراض ما قبل السرطانية والتي لم تكن قد سببت للمريض أي ضرر فعلاً.

ويعتقد الكثير بأن السرطان هو قوة خبيثة لا يمكن وقفها وتودي بأجسامنا بكل تأكيد، ولكن الحقيقة هي أن بعض أنواع السرطانات لا تتطور بهذه الطريقة.

وتقول ليزا شوارتز، المدير المشارك لمركز الطب والإعلام في معهد دارتموث: “لقد أوقفنا الكشف عن سرطان البروستات، لأننا نعرف بأن هناك الكثير من السرطانات التي تتقدم ببطء شديد، لدرجة أن المرء قد يموت بسبب شيء آخر قبلها”. وكانت قد عملت على نطاق واسع في مجال تواصل المخاطر والتشخيص المفرط، وشاهدت المشاكل التي يمكن أن يسببها الكشف. فالحقيقة البسيطة هي أنه لا تصبح كل أنواع السرطان مهددة للحياة. فبعض سرطانات عنق الرحم يمكن أن تزول في الواقع من تلقاء نفسها، وبعض أنواع سرطان الثدي المبكر جداً يمكن أن تظهر في الاختبارات ومع ذلك لا تتطور إلى أورام إشكالية. وتقول شوارتز: “بالنسبة للكثير من السرطانات، فنحن لسنا جيدين في التمييز بين من سيكون خطراً وبين من لن يكون كذلك”، ويمكن للعلاج في بعض الحالات أن يكون أكثر عدوانية من المرض نفسه. وتضيف: “إذا لم تكن هذه السرطانات مستمرة في التقدم فعلياً، فإن العلاج هو ضرر محض”.

ولا يفكر معظم الناس بالسرطان بهذه الطريقة. والأمر الذي لا يساعد في ذلك هو أن بعض الإحصاءات يمكن أن تُظهر بأن بعض فحوصات الكشف مثل اختبار المستضد الخاص بالبروستات من شأنها أن تنقذ الحياة، على الرغم من أنها لا تقوم بذلك. فالبيانات عن معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات يمكن أن تكون في الواقع مضللة للأطباء والمرضى على حدّ سواء، ممن يأخذون بعض الأرقام ويفسرونها على أنها تعني إنقاذ الحياة حتى عندما لا يتم ذلك.

دعونا نستعرض أحد الأمثلة. في السيناريو A، يقدّم الأطباء لرجل يبلغ من العمر 67 عاماً تشخيصاً عن إصابته بسرطان البروستات أثناء الفحص الجسدي الذي أظهر تضخم البروستات. وأدى السرطان إلى وفاته بعد ثلاث سنوات. إن معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات لهذه الدراسة التي تشتمل على رجل واحد هو صفر في المئة. في السيناريو B، يخضع نفس الرجل لاختبار المستضد الخاص بالبروستات عندما يكون بعمر 60 سنة، ولكنه سيموت أيضاً بعمر 70 سنة. في هذه الحالة يكون معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات هو 100 في المئة، على الرغم من أن الرجل لم يعش لفترة أطول، وإنما قضى سبع سنوات إضافية من حياته كمريض بالسرطان. يعدّ هذا المثال متطرفاً (إذ لا تعتمد معدلات البقاء على أساس شخص واحد)، ولكن يمكنك أن تتخيل كيف أن وجود مجموعة كاملة من الحالات المماثلة يمكن أن يحرف النتائج الإحصائية. فالكشف المبكر عن السرطان لا يغير دائماً من مآل المرض، ولكنه دائماً ما يغير طول البقاء على قيد الحياة كمريض بالسرطان. وهذا يجعل الأمر يبدو وكأنه اختبار يساعد على إطالة مدى الحياة، حتى عندما لا يكون الأمر كذلك.

وهنا مثال آخر: في السيناريو X، لا يوجد لدينا طريقة للكشف وتم تشخيص 1000 مريضة بسرطان الثدي التقدمي. وتوفي 600 منهن على مدى خمس سنوات، والذي يعني بأن معدل البقاء على قيد الحياة هو 40 في المئة. وفي السيناريو Y، فإن نفس هؤلاء النساء الألف يصبن بالسرطان التقدمي، ولكن تخضع 2000 امرأة أخرى لاختبار الكشف الذي يظهر بأن لديهن تلك الخلايا الشاذة ولكنها غير ضارة في نهاية المطاف كما تحدثنا عنها سابقاً. جميع هؤلاء النساء يبقين على قيد الحياة، ويموت نفس النساء الـ 600 اللواتي يعانين من الأورام التقدمية. ويكون معدل البقاء على قيد الحياة الآن هو 80 في المئة. لكننا لم ننقذ المزيد من الأرواح، وإنما قمنا فقط بإخبار المزيد من الناس بأنهن يعانين من السرطان.

إن السيناريوهات الواقعية لهذه الافتراضات المتطرفة تحفز بعض الخبراء مثل أولئك الذين يعملون في فرقة عمل الخدمات الوقائية في الولايات المتحدة. إذ أن جزءاً من عملهم هو تقييم الأدلة لفحوصات الكشف. ويجب على أعضاء فرقة العمل – مثل طبيب الأسرة والباحث أليكس كريست – أن يوازنوا بين الفوائد والأضرار.

يقول كريست: “يبدو في بعض الأحيان بأن الكشف المبكر يجب أن يكون مفيداً دائماً، وإذا تمكنا من إثبات أن الفوائد تفوق الأضرار بالمجمل، فإننا نريد التشجيع على الكشف. إلا أن الكشف المبكر ليس هو الأفضل دائماً”.

هذه هي الطريقة التي تحصل بها بعض الاختبارات – مثل الفحص المقطعي (CT) للكشف عن سرطان الرئة لدى المدخنين – على الموافقة بتصنيف A أو B (الكشف عن سرطان الرئة حصل عل تصنيف B للمدخنين الذين تتراوح أعمارهم بين 55 و80 سنة). بينما حصلت فحوصات أخرى – مثل اختبار المستضد الخاص بالبروستات – على تصنيف C، مشيرا إلى أن “العديد من الرجال سوف يواجهون بعض الأضرار المحتملة للكشف” ولكن قد يكون هناك بعض الفوائد المحتملة الصغيرة، وبالتالي فإن القرار يجب أن يكون شخصياً (على الرغم من أنه حصل على تصنيف D لأي شخص فوق عمر 70 سنة).

قد يبدو بأنه من الجيد أن تعرف المزيد عن صحتك، ولكن يقول كل من كريست وشوارتز بأنه قد يكون هناك آثار نفسية وجسدية لا يتوقعها الناس بالضرورة. وتقول شوارتز: “أحد الأمور التي يجب مراعاتها هي تغيير حياة شخص ما. فهو ليس مجرد شخص عادي بعد الآن، وإنما هو مريض. فهناك قلق هائل يترافق مع تشخيص السرطان”. وتقول بأنه يجب على المرضى أن يبدؤوا باتخاذ الخيارات حول الخضوع للعلاج أو عدمه، وخاصة العلاج الكيميائي الذي له آثار جانبية خطيرة. وتقول شوارتز بأن العلاج إذا لم يغير النتيجة فإن “كل ما نقوم به يعرضك للمزيد من الحياة كمريض بالسرطان”.

هذه كلها جوانب جانبية لا يراها الناس في كثير من الأحيان، ولذلك يجب على الأطباء مثل كريست أن يعملوا مع مرضاهم لمساعدتهم على التفهم.

ويوضح كريست: “بالنسبة لشيء مثل سرطان البروستات، فإنني أقوم بإجراء محادثة مع مرضاي حيث أقول بأنه إذا قمنا بذلك واكتشفنا وجود قيمة مرتفعة للمستضد الخاص بالبروستات، فهذا من شأنه أن يغير بشكل دائم هذه المحادثات التي نجريها والطريقة التي تفكر بها حول نفسك”. ويقول بأنه يحاول أن يجعل كل مريض يفكر ملياً في كيفية شعوره بالعيش ضمن هذا المستقبل، أي كيف يشعر عندما قد يصبح شخصاً مصاباً بالسرطان، وفيما إذا كان يمكنه تقبّل هذه الاحتمال. ويضيف: “أحاول جاهداً أن أشركهم بالطريقة التي يريدون أن يشاركوا فيها، وأن أجعلهم يفكرون حول شخصيتهم وقيمهم”.

إن تقديم فحوصات الكشف دون الأخذ بعين الاعتبار للآثار المترتبة على ذلك قد يكون خطأ، كما يقول هؤلاء الخبراء. ولكن هذه الطريقة ليست هي التي يراها كل الأطباء.

يُذكر بأن آن ماري لينون – والتي عملت على اختبار جديد للسرطان يعتمد على الدم – هي مديرة برنامج الكيس البنكرياسي متعدد التخصصات في مركز كيمل جونز هوبكنز للسرطان، حيث أنها تعالج المرضى الذين يعانون من سرطان المعدة والبنكرياس والمريء. وهي متحمسة لتطوير أحد فحوصات الكشف، حتى وإن كان لا يساعد سوى عدد قليل من الناس. وتقول: “أعتقد بأن فحوصات الكشف هي أمر جيد، إذ لا شك بأنك تقوم من خلال الكشف المبكر عن السرطان بتقديم خدمة للمرضى”.

وهذا لا يعني بأنها تعتقد أن الاختبار الذي قاموا بتطويره جاهز لكل الأوقات بالطبع. إذ أن معدل النوعية – أي النسبة المئوية للوقت الصحيح لنتيجة إيجابية – يختلف كثيراً حسب نوع السرطان، وليس للكثير منها معدلات نجاح كافية لتبرير إدخال الاختبار حتى الآن. كما أنه لم يتم التحقق من صحته بعد على مجموعة من الناس الذين قد يكونوا مصابين أو غير مصابين بالسرطان، وإنما تم اختباره فقط على الأشخاص الذين تم تشخيصهم بالفعل. وتقول لينون بأنهم يحتاجون إلى إجراء المزيد من الدراسات لإثبات هذه الأعمال، فضلا عن تحسين التقنية، ولكنها تعتقد بأن مثل هذا الفحص قد يكون موجوداً خلال عقد من الزمن أو نحو ذلك. وهي متحمسة حيال ذلك.

وتوضح: “بصفتي شخصاً يتعامل مع المرضى، فلا يوجد شيء أكثر صعوبة من إخبار شخص ما بأنه مصاب بالسرطان، لأن سؤاله الأول هو دائماً: ولكنك ستتمكن من علاجي، أليس كذلك؟ وللأسف، لا نستطيع ذلك في كثير من الأحيان مع سرطان البنكرياس. عليك أن تكون صادقاً مع مرضاك، وأن تخبرهم بأنه ليس قابلاً للعلاج.” بالنسبة إلى لينون، فإن الكشف المبكر عن السرطان يبدو بأنه يعطي مرضاها فرصة أفضل، فضلاً عن إعطائها مهلة لهذه المأساة التي لا تنتهي. وتضيف: “سأكون أكثر قدرة بكثير على الدخول وقول بأن الأخبار السارة هي أن السرطان ما يزال في مرحلة مبكرة، وسوف نتمكن من إزالته، وأنت ستتمكن من العيش”.

وتندفع لينون بواسطة مرضاها المصابين بسرطان البنكرياس، والذين تحاول مساعدتهم حتى ولو كانت أدواتها محدودة. ومن المفارقات أن سرطان البنكرياس هو أيضاً من أوضح الأمثلة التي يمكن أن يستخدمها الباحثون الآخرون عن الحالات التي لا ينبغي علينا فيها إجراء الكشف المبكر. إذ أن معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات لسرطان البنكرياس في الولايات المتحدة هو 7 في المئة فقط. يموت الجميع تقريباً بسبب هذا المرض، وفي الوقت الراهن، فإن فرقة عمل الخدمات الوقائية الأميركية تعطي الاختبار لهذا السرطان تصنيف D: أي لا تقم بالفحص. ليس هناك العديد من العلاجات المفيدة له، إذ يموت غالبية المرضى حتى في المرحلة الأولى، وتعدّ أدوات التشخيص الحالية جائرة وغير دقيقة غالباً.

ولكن من الممكن أن يكون هناك يوماً ما اختبار من شأنه أن يساعد بالفعل. لعله سيقوم بالكشف عن السرطان بشكل مبكر جداً بحيث تكون العلاجات فعالة، أو ربما تكون الاختبارات أكثر دقة، أو قد تكون علاجاتنا أكثر تقدماً. وعندما يأتي ذلك اليوم، فإن قرار الفحص لن يؤدي إلى انقسام المجتمع الطبي. ولكن في الوقت الراهن، لا يزال الأطباء غير متأكدين. إذ أننا الآن نتقدم بحذر.

ملاحظة: تم تحديث هذه المقالة لتعكس أحدث مسودة لتوصيات الكشف عن سرطان البروستات، والتي لا تزال فرقة عمل الخدمات الوقائية الأميركية في طور مراجعتها. وكانت التوصية القديمة هي تصنيف D بالنسبة للرجال من جميع الأعمار.

error: Content is protected !!