Reading Time: 4 minutes

على بعد 200 سنة ضوئية من الأرض، يقبع نظام كوكبي لا يشبه أي نظام آخر اكتُشف حتى الآن. يحتوي هذا النظام على 6 كواكب؛ منها 5 تتحرك تحت تأثير الجاذبية بطريقة خاصة للغاية، وما يثير العجب أكثر هو أن هذه الكواكب مرتّبة حول نجمها بطريقة تخالف كل المعايير التي تتبعها أغلبية الأنظمة الكوكبية المعروفة. هذا النظام؛ الذي أُطلق عليه اسم «تي أو آي-178»، يدفع علماء الكواكب لزيادة دقة نظرياتهم حول تشكّل الأنظمة الشمسية.

يقول «ناثان هارا»؛ فلكي من جامعة جينيف في سويسرا، وأحد الفلكيين الذين اكتشفوا النظام نفسه: «إنّه نظام من نوع جديد، وستتم دراسته في المستقبل».

أثار نظام «تي أو آي-178» اهتمام الباحثين عام 2018، عندما رصد التلسكوب الباحث عن الكواكب الخارجية «تي إي أس أس»؛ التابع لوكالة ناسا، نجماً يخفت سطوعه بشكل دوريّ، ويشير وجوده لنوع جديد من الأنظمة الكوكبية. عندما يقوم الباحثون بالبحث عن كواكب بعيدة، فإنهم يراقبون النجوم، ويلاحظون متى تمر الكواكب أمامها، ويقيسون مقدار انخفاض سطوع النجم الناتج عن ذلك. من بين الكواكب الـ3 التي كان يُعتقد أنها تدور حول نجم نظام تي أو آي-178، بدا أن اثنين كان لهما نفس المدار الذي مدته 10 أيام؛ أحدهما يطارد الآخر حول النجم.

هذا التشكيل كان غريباً بما يكفي ليخصص الباحثون في شهر أغسطس/ آب الماضي 11، يوماً من الرصد له باستخدام القمر الصناعي الأوروبي «كيوبس»؛ وهي أطول مدّة خُصصت لرصد هدف واحد في تاريخ التلسكوب.

النظام الكوكبي يُظهر مفاجآت

عندما عاين الباحثون بيانات الرصد، وجدوا أن هذا النظام لم يكن كما بدا لهم من قبل، واكتشفوا أن ما اعتقدوا أنه كوكب واحد هو بالحقيقة كوكبين. هذان الكوكبان لهما دوران مداريّان يبلغ أحدهما 15 يوماً، والآخر 20 يوماً، وكان هذان المداران متناغمَين بطريقة مثالية تجعل الكوكبين يمرّان أمام النجم (بالنسبة للراصدين) كل 10 أيام؛ مما جعلهما يبدوان وكأنّهما كوكب واحد. يقول هارا: «لاحظنا في بيانات تلسكوب تي إي أس أس تشكيلاً مستبعداً للغاية؛ إذا وقع واحد من الكوكبين بالضبط بين كواكب أخرى أثناء دورانها»، ويضيف: «احتمال هذا الحدث هو 1 بالألف».

كلما رصد الباحثون هذا النظام لفترة أطول، اكتشفوا وجود كواكب جديدة. أكّدت أرصاد كيوبس أرصاداً أُجريت باستخدام تلسكوبات أخرى، وفي النهاية؛ تمكّن تعاون من 200 فلكي من تشكيل صورة مكتملة لنظام تي أو آي-178، وتبيّن أن هذا النظام يحتوي على 6 كواكب متخفيّة؛ أول كوكب يدور بسرعة حول النجم كل يومين، بينما يستغرق دوران السادس 3 أسابيع. (كمقارنة، يستغرق كوكب عطارد حوالي 3 أشهر في دورانه حول الشمس). وصفَ فريق الباحثين النظام في ورقة أوّلية لم تخضع بعد لمراجعة الأقران في 22 يناير/ كانون الثاني الماضي، وتم قبول نشرها في دورية «أسترونومي آند أستروفيزكس».

مميزات النظام المكتشف

إحدى ميّزات نظام تي أو آي-178 الخاصّة، هي الطريقة التي تنسجم فيها مدارات كواكبه؛ وهي ظاهرة تُدعى «التجاوب». جدلاً؛ إذا قَذفت مجموعة من الكواكب في مدارات حول نجم ما، فمن السليم أن تتوقّع عدم وجود علاقة بين أدوارها المدارية، ولكن هذا لا ينطبق في حالة هذا النظام. غالباً ما يرصد الفلكيون العوالم وهي تتخذ مدارات تكون النسب بين أدوارها كسوراً بسيطة (أي كسور يكون القاسم المشترك الأكبر بين البسط والمقام هو 1). يمكنك أن ترى كيف تترتّب مدارات نظام تي أو آي-178، وتسمع سيمفونيتها السماوية في هذا الفيديو الذي أنتجه المرصد الجنوبي الأوروبي.

وفقاً لهارا، يمكن أن يتشكل نظام مثل تي أو آي-178 بعدة طرق، ولكن الفكرة بشكل عام هي أن الكواكب التي تكون في حالة تجاوب، «تتخاطب مع بعضها» وكأنها «موصولة ببعضها بواسطة نابض». عندما تنتظم الكواكب على خط واحد كل بضعة لفّات، فإنها تقترب من بعضها بما يكفي لتجذب بعضها البعض؛ مما يمنع بعض الكواكب من أن تخرج من حالة التجاوب.

في نظام تي أو آي-178، تنتظم كل الكواكب عدا الأول مع تلك القريبة منها؛ مشكلةً «سلاسل» تجاوبيّة؛ وهي التشكيلات التي سمحت للفلكيين باكتشاف أحد الكواكب عندما كانوا يبحثون عن كواكب مفقودة (أي يفترض وجودها على مسافات معيّنة من النجم)، وتفيد السلاسل التجاوبيّة في معرفة تاريخ النظام أيضاً.

الروابط بين الكواكب ضعيفة ويسهل كسرها نتيجة للأحداث التي تدور عادةً في الأنظمة الشمسية؛ مثل أشباه الاصطدامات مع النجوم العابرة (أي الحوادث التي يقترب فيها نجم عابر من الكواكب كثيراً ولكن لا يصطدم بها)، أو قذف الكواكب لبعضها. حسب تعبير هارا، إن صمود سلال هذا النظام يشير إلى «عدم حدوث أي حوادث عنيفة في المليار سنة الأخيرة».

توجد سلاسل التجاوب في أنظمة أخرى أيضاً؛ مثل نظام ترابيست-1، ولكن ما يميّز نظام تي أو آي-178 هو التعارض بين مداراته المنتظمة، وترتيب كواكبه العشوائي.

معظم الأنظمة الشمسية تترتّب فيها الكواكب الكثيفة الصخرية -مثل عطارد والزهرة في نظامنا الشمسي- في مواضع أقرب إلى النجم، ومع الابتعاد عن النجم، تقل كثافة الكواكب وتصبح غازيّةً أكثر (المشتري مثلاً هائل الحجم، ولكن كثافته تبلغ ربع كثافة الأرض). لا يزال الباحثون يحاولون تفسير هذا، ولكن النظرية السائدة تنص على أن الكواكب الأقرب إلى النجم تكون أكثر سخونةً؛ مما يُبخّر أغلفتها الغازية ويجعلها صخريةً بشكلٍ أساسي، كما تتسبّب درجات الحرارة المنخفضة التي توجد ضمنها الكواكب البعيدة، في تكوّن الجليد الذي يلعب دوراً أكبر في تشكّلها.

أثناء تشكّل نظام تي أو آي-178، لم يخضع للقواعد المعروفة. الكوكبان الأقرب إلى النجم صخريّان وعملاقان قياساً بالأرض، لكن الكوكب الثالث هو الأقل كثافةً تقريباً في النظام كله؛ إذ أنه أقل كثافة من كوكب المشتري. الكوكبان الرابع والخامس هما الأكثر كثافةً؛ إذ تساوي كثافة الرابع نظيرتها عند كوكب نبتون، بينما تقارب كثافة الخامس تلك عند المريخ، والكوكب الأخير هو الأقل كثافةً بين الكل.

على الرغم من أن ترتيب الكواكب تبعاً لكثافتها ليس قاعدةً عامّة، إلّا أن وجود نظام تي أو آي-178 يمثّل لغزاً للباحثين، وبالأخص عند الأخذ بعين الاعتبار أن وجود سلاسل التجاوب فيه يجعل وقوع أحداث إعادة ترتيب الكواكب العنيفة والحديثة أمراً مستبعداً. يقول هارا: «كيف يمكن أن يوجد نظام تطوّر دون المرور بأحداث عنيفة، ومع ذلك يحتوي على هذه التفاوتات الكبيرة [في كثافة] كواكبه؟»، ويضيف: «نحن لسنا معتادين على هذا».

بينما يفكّر النظريوّن في طريقة تشكّل هذا النظام، يأمل الفلكيون في الحصول على المزيد من المعلومات عنه. قد تسعى حملات رصدية مستقبلية إلى البحث عن كواكب إضافيّة تنتمي للسلاسل التجاوبية. الكوكبان المتوقّع اكتشافها تالياً سيقعان داخل أو بالقرب من المنطقة التي تسمح بتشكّل الحياة حول النجم.

نجم نظام تي أو آي-178 عالي السطوع بشكلٍ غريب أيضاً؛ مما سمح لهارا وزملائه بأن يحصلوا على قياسات دقيقة لكتل الكواكب حوله. يشعّ هذا النجم كثيراً لدرجة أن الباحثين سيتمكّنون من استنتاج تركيب الأغلفة الجوية لكواكبه باستخدام تلسكوب جيمس ويب؛ الذي سيُطلق قريباً؛ مما سيمنحهم أدلةً إضافيّةً حول طرق تشكّل هذه الكواكب.

يقول هارا: «إنّه أسطع نظام يحتوي كواكب متجاوبة، ووجوده سيؤدّي إلى إنجاز الكثير من الأرصاد اللّاحقة الغنية».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.