Reading Time: 3 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


اضطر الكثير منا للعمل من المنزل طوال فترة جائحة فيروس كورونا، إلا أن بعضنا بدأ يعود مجدداً إلى مكان العمل، أو يخطط على الأقل للقيام بذلك مستقبلاً، ولكن قد تواجهنا تحديات بيئة العمل التي تغيرت عما كانت عليه قبل الجائحة، والتي تنطوي على تطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي وغيرها من القيود. ربما تضع الجهة التي تعمل لديها قيوداً على عدد الأشخاص المسموح لهم بالتواجد في مكانٍ واحد مثلاً، وربما لن يكون بإمكانك التحدث إلا لبعض الأشخاص في ممرات المكان.

قد تكون العودة إلى العمل بالنسبة للبعض فرصة لاستعادة الاستقلالية، خصوصاً إذا كانوا يواجهون صعوباتٍ في العمل من المنزل، ويتطلعون للعودة بفارغ الصبر. بينما فكرة التغيير المفاجئ في بيئة وروتين العمل، والانتقال من بيئةٍ مريحةٍ إلى مكان تتغير فيه القواعد؛ قد تثير لدى البعض القلق الشديد.

هل تشعر بالتعلق بمنزلك؟

لا يرتبط البشر عاطفياً بالناس من حولهم والحيوانات الأليفة فحسب، بل يرتبطون أيضاً بالأماكن خاصة الأماكن التي يشعرون فيها بالأمان. يُعرَّف التعلق بالمكان بأنه الرابط أو العاطفة التي ننشئها بيننا وبين أماكن محددة مثل منزلنا أو حديقة، أو حتى مدينة ما. تحمل هذه الأماكن معنى بشكلٍ ما في حياتنا، وتمنحنا شعوراً بأننا في مكانٍ آمنٍ تماماً يوفر لنا الفرصة للنمو، واستكشاف ذواتنا واهتماماتنا.

لكن ذلك ليس القاعدة، حيث يمكننا إنشاء ارتباط بأماكن مختلفة مع تغير عاداتنا أو مشاعرنا. تعد المرحلة الجامعية خير مثال على كيفية ارتباط هويتنا بالمكان عندما كنا طلاباً. فقد وجد الباحثون أن الانتقال من المنزل إلى الكلية سيؤثر على كيفية رؤية طلاب الجامعات لأنفسهم وفهمهم لها من خلال الانخراط في أنشطة مختلفة، وتحمل المزيد من المسؤولية، واكتسابهم المزيد من الاستقلال.

وبالمثل تماماً، وكما قد يشعر الطالب الجامعي الجديد بأن الحرم الجامعي أصبح جزءاً عزيزاً من هويته، فقد يرى الأشخاص منازلهم في حالة الإغلاق تمثل أيضاً رمزاً للبقاء في أمان أثناء الوباء.

كيف يمكن أن نختبر قلق الانفصال عن منازلنا؟

كما هو محدد في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، ينطوي أحد معايير التشخيص السريري لقلق الانفصال بـ «الشعور بالضيق الشديد والمتكرر عند توقّع أو تجربة الانفصال عن المنزل، أو عن الأشياء التي نتعلّق بها».

يمكن أن تظهر أعراض قلق الانفصال من خلال:

  • ضائقة غير عادية، أو خوف متزايد من الانفصال عن أحد أفراد الأسرة.
  • القلق الشديد من أن هذا الانفصال سيتسبب حتماً بالأذى لصاحبه.
  • أعراض جسدية مثل آلام المعدة والغثيان، الصداع والتهاب الحلق عند التفكير في الانفصال أو عندما يكون الانفصال وشيكاً. وغالباً ما نلاحظ هذه الأعراض عند الأطفال، ولكن يمكن أن تظهر لدى البالغين أيضاً.

بالنسبة لي شخصياً، فقد شعرت بالرهبة والتردد قبل يومٍ واحد من عودتي إلى العمل. لم تكن هذه المشاعر منطقية في البداية، لكني أدركت أنها قد تكون منطقية عندما أدركت أنني كنت قلقة بشأن العمل بعيداً عن المنزل، أي المكان الذي كان يمثل لي الملاذ الآمن طوال أزمة كورونا. في الواقع، لقد أصبحت أكثر تعلقاً بمكتب المنزل، والروتين اليومي وحيواناتي الأليفة.

لكن بالرغم من القلق الذي شعرت به، إلا أنه من غير المحتمل أن حالتي ترتقي بالفعل لتشخيص قلق الانفصال لديّ، أي لم أعاني من عرض «الضيق المفرط المتكرر». ومع ذلك، فإن الخوف من الانفصال الذي شعرت به يمكن تفسيره بما قصده «جون بولبي»، رائد نظرية التعلق، بقوله: «ظاهرة غير سريرية تشرح ظاهرة الخوف من الانفصال عن الأشياء التي نرتبط بها بشدة مثل الأماكن والأشخاص والحيوانات الأليفة».

وحتى لو كنت تشعر بالقلق من الانفصال لكن خوفك وقلقك لا يرتقي إلى التشخيص المرضي، فلا يزال بإمكانك تطوير إستراتيجيات للتعامل مع الاضطرابات في الأداء اليومي وتقليلها.

العمل من المنزل, مكتب, سرير, فريلانس

كيف يمكن للمدراء والموظفين تقليل قلق الانفصال المحتمل؟

في الواقع، أثّر مرض كوفيد-19 على بيئة مكان عملنا كثيراً، لذلك ينبغي النظر في تعزيز الدعم في مكان العمل. يحتاج المديرون إلى التحلي بالمرونة، والتفهم لمساعدة الموظفين على العودة إلى العمل من خلال بعض الإجراءات البسيطة كالآتي:-

  • إجراء محادثاتٍ فردية مع كل موظف لمعرفة ما يحتاج إليه، خاصة إذا كانت هناك علامات على أنهم يعانون.
  • الأخذ بعين الاعتبار كيف ستؤثر العودة عليهم من حيث أوقات التنقل والتكاليف، وساعات الابتعاد عن المنزل والعائلة.
  • مراجعة ترتيبات العمل للسماح باتباع روتين عمل مرن ومتوازن، بما فيه إمكانية العمل من المنزل في أيام معينة، أو المرونة في أوقات بدء العمل وانتهائها، حيثما أمكن ذلك.
  • الحرص أن يكون مكان العمل آمناً ومعداً للانتقال إليه.
  • الاستمرار في تقدير جهود الموظفين وتشجيعهم على العناية بأنفسهم.

وفي الوقت نفسه، يجب على الموظفين الآتي:-

  • فهم ما الذي يجعلك تشعر بالأمان والراحة في المنزل، والسعي لجعل بيئة العمل تشعرك بذلك أيضاً. يمكن إضافة خزانة ملابس مخصصة لمكان العمل مثلاً تجعلك تشعر بالارتياح وتذكرك بجو المنزل، أو على سبيل المثال، استخدام نفس روائح المعطرات التي تستعملها في المنزل.
  • فكر في إيجاد طرقٍ بديلة مناسبة للتواصل مع زملاء العمل بحيث لا تتطلب دائماً عقد اجتماعاتٍ رسمية، والسعي قدر الإمكان لترتيب كل شيء من خلال المكالمات الهاتفية، أو البريد الإلكتروني.
  • التفكير في الممارسات المبتكرة التي تم تنفيذها أثناء الإغلاق، والسعي إلى مواصلتها. على سبيل المثال، مشاركة وقت تناول الطعام وأوقات الاستراحة، وتجاذب أطراف الحديث مع الأصدقاء عبر تطبيق زووم.
  • إذا كان الأمر متاحاً، فكر في اصطحاب حيوانك الأليف معك إلى العمل. يمكن أن يكون ذلك مفيداً بالشعور بالراحة أكثر، وتحسين صحتك النفسية.