Reading Time: 3 minutes

قد يقضي معظمنا بين الحين والآخر ليلةً من النوم المضطرب المتقطع. لكنك غالباً تعوض تلك الليلة في اليوم التالي الذي تقضيه في نومٍ عميق من خلال النوم باكراً، لكن بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية؛ مثل الاكتئاب أو القلق أو اضطراب ما بعد الصدمة، فإن عواقب النوم المضطرب قد تكون خطيرة.

تشير دراسة جديدة نُشرت مؤخراً في الدورية العلمية «كرنت ببيولوجي» إلى أن نوعاً معيناً من النوم السيئ قد يكون أسوأ من عدم النوم على الإطلاق، على الأقل فيما يتعلق بمساعدتك على تنظيم عواطفك ومشاعرك. وقد اعتمدت الدراسة -والتي تضمنت الخضوع للموسيقى الصاخبة وروائح غير مألوفة، وإجراء مسح بالرنين المغناطيسي- على مقاربة جديدة تتناول الوظيفة العاطفية للنوم، وتشير نتائجها إلى أن أنواع النوم ليست كلّها جيدة بالنسبة لنا.

نوم «الريم»

النوم, اضطرابات النوم, نوم الريم

يقول القائم على الدراسة «إيوس فان سومرين»، وهو عالم أعصاب من هولندا: «يصعب على الأشخاص الذين يعانون من الأرق أو اضطرابات النوم عموماً التخلص من الضيق العاطفي». حيث كشف هو وزملاؤه في دراسة سابقة عن وجود علاقة بين نوع من النوم يعرف بنوم «الريم» أو «نوم حركة العين السريعة»؛ وهو النوم العميق المترافق مع الأحلام الواعية التي يمكن للشخص التحكم بمجريات الحلم؛ والقدرة على التعافي من الضيق العاطفي. وقد عملوا في الدراسة مع 30 مشاركاً لمعرفة طبيعة هذه العلاقة بدقة.

كان على الباحثين خلق بيئة تحفز الضيق العاطفي في البداية ليختبروا إمكانية التعافي منه. فقاموا بجعل المشاركين يغنون أغنية صاخبة من الصعب أداؤها بينما يرتدون سماعات الرأس التي يسمعون من خلالها الأغنية نفسها، ولكن بصوتٍ عال جداً، حيث لا يمكنهم سماع صوتهم أنفسهم أثناء الغناء. يقول سمرين: «عادة ما يغني الناس في مثل هذه الأجواء بصوتٍ عالٍ خارج إطار اللحن والإيقاع».

وقاموا بتسجيل الأغاني التي غنّوها ثم جعلوا المشاركين يستمعون إليها مجدداً بدون موسيقى. يقول «فان سومرين»: «أحسست بنفسي كم كنت غبياً، لقد شعرت بالحرج الشديد وأنا أستمع لصوتي وشعرت كم كان الأمر سيئاً».

بعد عدة أيام، أحضروا المشاركين في التجربة، وأجروا مسحاً بالرنين المغناطيسي لهم أثناء استماعهم إلى غنائهم المسجّل في تلك التجربة. تبين أن اللوزة الدماغية نشطة جداً. اللوزة الدماغية، هي الجزء الذي يصفه «فان سومرين» بأنه «صفارة الإنذار»، مما يشير إلى وجود ضيق عاطفي فعلي يمر به الشخص كما يقول سومرين. وفي أثناء إجراء المسح بالرنين المغناطيسي، قاموا بتعريض الأشخاصِ لرائحة غير مألوفة، بهدف تحفيز تلك الذكرى السيئة المحرجة في المرة القادمة التي يشمون فيها الرائحة مجدداً. في الواقع ترتبط الروائح والذاكرة ارتباطاً عميقاً، لذلك فإن التعرّض لروائح معينة مميزة (كالروائح الكريهة في هذه التجربة) أثناء الحدث الأوّلي (المحرج)؛ يساعد على تذكر تلك اللحظات وإثارتها لاحقاً بعمقٍ أكبر.

قضى المشاركون ليلتهم في مختبر النوم حتى يتمكن الباحثون من مراقبة نشاط الدماغ طوال الوقت. وفي الليل، أثناء نومهم، قام الفريق بتعريضهم للرائحة نفسها. في صباح اليوم التالي، تم إجراء مسح بالرنين المغناطيسي مجدداً للجميع، مع الاستماع لغنائهم المحرج بنفس الوقت.

المشاركون الذين ناموا بعمق لمدة 20 دقيقة دون تقطّع، كانوا أقل إحراجاً مما كانوا عليه في اليوم السابق بشكلٍ ملحوظ. يمكن مقارنة ذلك في العالم الواقعي عندما يزعجك أو يثيرك حدث ما، ثم تشعر بالتحسن والانفراج بعد النوم إلى اليوم التالي. لكن أولئك الذين مرّوا بفترات متقطعة من نوم الريم أثناء التجربة -حيث تعتبر سمة للأشخاص المصابين بالاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة- كانوا أكثر شعوراً بالحرج مما كانوا عليه في الليلة السابق.

تبين أن استحضار تجربة الغناء السيء خلال النوم (من خلال تعريض الأشخاص للرائحة الكريهة)، قد ساعد أولئك الذين ناموا بعمقٍ مع فتراتٍ طويلة من نوم الريم، لكن أثر ذلك كان مؤذياً جداً على أولئك الذين كان نوم الريم لديهم متقطعاً.

تقول «جينا بو»، عالمة الأعصاب في جامعة كاليفورنيا، وغير المشاركة في الدراسة الحالية والمتخصصة في النوم والذاكرة والصدمات: «من المحتمل أن يكون السبب في ذلك ناتجاً من منطقة صغيرة في جذع الدماغ تدعى «الموضع الأزرق»، حيث تقوم هذه المنطقة بإفراز مادة النورأدرينالين الكيميائية -الأدرينالين المُفرز في الدماغ خصوصاً- والمسؤول عن حالة الإجهاد والتوتر أو ما يسمى «استجابة الكرّ والفر» العصبية، حيث ينشط إفرازها في حالة اليقظة وفي معظم أنواع النوم، ولكنه يتوقف خلال نوم الريم غير المتقطع، والذي تبلغ مدته 20 دقيقة وأكثر. تقول بو: «ذلك الوقت مهم جداً، حيث يستطيع الدماغ استيعاب ما حدث في اليوم السابق من خلال الأحلام، ونقلها وتخزينها في الذاكرة بدلاً من تذكرها دائماً».

أما الأشخاص الذين يعانون من نوم الريم المتقطع، فلا تتوقف منطقة «الموضع الأزرق» لديهم عن العمل مطلقاً، وتستمر بإفراز النورأدرينالين، مما يساعد على إبقاء الذكريات المؤلمة وكأنها حدثت للتو عندما تتذكرها.

على أية حال، لم توضح أية دراساتٍ سابقة أثر فرط نشاط منطقة «الموضع الأزرق» بالتحديد عند الإنسان. ويعد هذا البحث الجديد -الذي درس تأثير الجسم اللوزي بدلاً من دراسة منطقة الموضع الأزرق-؛ أول دليلٍ مباشر على أن هذا ما يحدث فعلاً في دماغ الأشخاص الذين يعانون من نوم الريم المتقطع، لأن الدراسة بينت أن الأشخاص الذين لديهم فترات نوم الريم دون حدوث فترات انقطاعٍ؛ قادرون على نسيان الذكريات المؤلمة والمُحرجة أكثر بكثير من أولئك الذين يعانون من فترات نوم الريم المتقطع. يقول فان سومرين: «السبب الأكثر ترجيحاً هو تأثير النورأدرينالين». ويضيف قائلاً: «لقد بدأنا نعتقد أن النوم مفيد في علاج الكثير من الأمراض العصبية، إلا أن هذه الدراسة تشير إلى أن ذلك غير صحيح دائماً».