Reading Time: 4 minutes

مع تباطؤ النشاط البشري في العالم للحد من انتشار فيروس كورونا؛ انتشرت العديد من الأخبار حول تجوّل الحيوانات في المدن الخالية. لكّن بعض هذه الأخبار تبيّن أنها مفبركة تماماً؛ مثل أخبار الدلافين التي تعوم عبر ممرات مدينة البندقية، أو الفيلة التي شربت النبيذ في إحدى القرى الصينية.

لكنّنا بتنا بالمقابل نشاهد حيوانات لم نعتد مشاهدتها في حدائق وشوارع المدن الخالية. فقد شُوهد ذئب القيّوط يتجوّل في أنحاء سان فرانسيسكو، ويستريح في المساحات الخضراء في المدينة. وفي بلدة لاندودنو الساحلية في ويلز، شُوهدت قطعان من الماعز الجبلي تتجوّل في الشوارع، وتأكل النباتات وتتسلّق الجدران. أما في بولدر في كولورادو، فقد رُصدت أسود الجبال تتجوّل في الشوارع السكنية، وشوهد بعضها يأخذ قيلولة على الأشجار في إحدى الحدائق.

في الواقع، من الصعب معرفة هل كان وجود الحيوانات في المدن الخالية نتيجة اتجاهها لمناطق جديدة، أم أننا أصبحنا نهتم بها بشكل متزايداً.

«جوانا لامبرت»، عالمة الأحياء البرية في جامعة كولورادو بولدر، تقوم بلملاحظة المزيد من مظاهر الحياة البرية في مدينة ليون حيث تعيش. فقد شاهدت من نافذة مسكنها أسداً جبلياً، وثعلباً رمادياً في شوارع المدينة، وهي حيوانات يصعبُ أن تجدها في الطبيعة، فكيف لو رأيناها في شوارع المدينة. تقول لامبرت بخصوص الثدييات التي تعيش بالقرب من مدننا: «لابد أنهم انتبهوا إلى انخفاض نشاطنا وهدوء بيئتهم. في الواقع؛ إحدى السمات المميزة للأنواع التي تعيش بالقرب من المستوطنات البشرية أو داخلها؛ هي أنها مرنةٌ جداً من الناحية السلوكية، وتستجيب بسهولةٍ لهذه الأنواع من التغييرات».

لقد تعلّمت العديد من الحيوانات التي تعيش في ضواحي المدن أن تضبط سلوكها أثناء تواجدها بالقرب من البشر، فهي ذكيّة وانتهازية وسريعة التكيّف. وهي، في معظم الأحيان، تبقى بعيدة عن الناس، فقط تتجول بالقرب منّا باستمرار، وتصطاد وتبحث عن الطعام في أوقات الفجر والغروب، وهي الأوقات التي يقل فيها تواجد البشر. تقول لامبرت: «هذه الحيوانات حساسة جداً لوجود أنواعٍ أخرى حولها، وهي تنظر للبشر كحيوانات مفترس. لذلك تكون حذرة جداً في اختيار الوقت الذي تخرج فيه، وتنشط بلا شك عندما يقل نشاط البشر. هذا السلوك التفاعلي مميز لحيوانات القيّوط، والوشق، والأسود الجبلية».

وهناك العديد من الحيوانات لا تجرؤ حتى على محاولة عبور الطّرق المزدحمة التي تمرّ في بيئاتها. ففي دراسة حديثة، يقدّر «فرايزر شيلينج»، المدير المشارك لمركز الطرق البيئية بجامعة كاليفورنيا ديفيس أن حوالي نصف أنواع الحيوانات التي تعيش بالقرب من الطرق الرئيسية في كاليفورنيا حاولت عبورها، وتبتعد البقيّة عن الشوارع بسبب الأضواء الساطعة، وضوضاء السيارات الصاخبة.

الوشق الأحمر, قطط, قط بري, حيوانات

الوشق الأحمر في هايلاند رانش، كولورادو — مصدر الصورة: كولورادو باركس والحياة البرية

بعد أن هدأت المدن وأصبحت خالية، انتبهت الحيوانات إلى ذلك بسرعة. ومع ذلك، تقول لامبرت إنها لا تتوقع أن تميل الحيوانات لتغيير سلوكها جذرياً. حيث ما تزال الحيوانات البرية تعتمد على المساحات المفتوحة للبحث عن الطعام والمأوى، وبالتالي، وعلى سبيل المثال، لن نشاهد حيوانات القيوط تنقل أوكارها إلى وسط المدن. لكن من المحتمل أنها ستغامر أكثر وستميل لتغيير مواعيد نشاطها. يقول شيلينج في هذا الصدد: «الحيوانات المفترسة متوسطة الحجم انتهازية بطبيعتها، فهي تستجيب للتغيّر أو الاضطراب الذي يحدث في محيطها، لذلك حدود تصرفّاتها مرنة تماماً. على سبيل المثال، تنفر السنّوريات من أضواء السيارات، ولكّن الشوارع الخالية التي تغيب عنها الأضواء تُشجّعها على التنّقل إلى أبعد من مناطقها».

في ظلّ الظروف الحالية من الحجر المنزلي وحالة الإغلاق العام، قد نشاهد بعضاً من التغيرات السلوكية البسيطة لدى تلك الحيوانات. لكّننا قد نشاهد أيضاً تغييراتٍ سلوكية لحيوانات أخرى بسبب ازدياد بقاء البشر في المنازل لوقتٍ أكبر. تعتقد «نيام كوين»، مستشارة التفاعلات بين الإنسان والحياة البرية في جامعة كاليفورنيا، أن أعداد الفئران قد تتزايد في نيو أورليانز وأماكن أخرى. تعزو كوين ذلك إلى أنّ الناس بدأوا في إعداد وتخزين الطعام في المنزل بشكلٍ رئيسي، والذي قد يدفع الفئران لدخول المنازل والمناطق السكنية مبتعدة عن المطاعم التي أغلقت أبوابها بسبب الجائحة.

أمّا بخصوص مشاهدتنا للحيوانات البريّة الكبيرة داخل المدن، يعتقد بعض المسؤولين أن التغيير يرجع بشكل رئيسي إلى تصوّرنا الخاص. ففي الوقت الحالي، ومع بقائنا في المنزل لوقتٍ طويل وشعورنا بالملل، ربّما نميل أكثر للنظر من نوافذنا وللتنزّه في الأحياء المجاورة. يقول بيان صحفي صادر عن إدارة متنزهات كولورادو والحياة البرية؛ أنّ ازدياد مشاهدتنا للحيوانات البريّة قد يكون على الأرجح بسبب أننا نميل إلى النظّر من النوافذ طوال الوقت، أو التنزّه في الجوار، لذلك يمكن أن نشاهدها بشكل أكبر. ويتابع البيان: «هذه ليست ظاهرة جديدة، فالحيوانات كانت موجودة دائماً، ولكنّنا لم نكن ننتبه إليها، وربما لم نلحظها من قبل».

تتفق كوين مع هذا الرأي، فقد قامت في أواخر العام الماضي بمراقبة نشاط 5 من حيوانات القيّوط في لوس أنجلوس، عن طريق ربطها بأجهزة تتبع لاسلكية من أجل مشروع بحثي. تشير كوين إلى أن القيوط لم تغيّر من روتينها منذ أن دخل الإغلاق العام حيّز التنفيذ، فقد بقيت تتجوّل في المناطق نفسها مثل الأماكن القريبة من مركز التسوق وملعب الجولف. وتضيف؛ أنّه بالرغم من أن عدد حيوانات القيّوط المُبلغ عنها في سان فرانسيسكو لم يكن غير مألوفٍ، إلا أنه يمكن للقيّوط أن يتنقّل خلال النهار أكثر في الوقت الحالي، لذلك قد يلاحظه النّاس بكثرة».

وتعتقد لامبرت من جهتها أنّنا نميل لمشاهدة المزيد من التغييرات الجزئية في سلوك الحيوانات. تقول: «بالتأكيد، لقد ازداد عدد الحيوانات في المدن أكثر من المُعتاد، وذلك ينطبق على الثدييات بشكلٍ خاص. لكّن بالمقابل انخفض نشاط البشر وأصبحوا يلاحظونها بكثرة حالياً».

ويضيف شيلينج أنّه تحدّث إلى هواة الطيّور الذين يقولون بأنهم يسمعون أصوات الطيور بشكلٍ أكبر في المدن هذه الأيام. يعتقد شيلينج أن عدد الطيور في المدن قد تزداد لأنّها أصبحت أكثر أماناً وهدوءاً، لذلك قد نسمع الطيور بشكلٍ أكثر وضوحاً بعد أن هدأت المدن حالياً، وتوقفت أصوات السيارات والآلات الصناعية.

ويضيف أن بعض التأثيرات المُعقدة قد تحدث فيما يتعلق بعلاقة الحيوانات بالطرق التي تمرّ من مناطقها. حيث يُظهر بحثه أنه كلما كانت الطرق أكثر صخباً، قل عدد الحيوانات التي تحاول المرور عبرها. لكن مع انخفاض حركة المرور عليها في الوقت الحالي، فقد تحاول المزيد من الحيوانات عبورها. يقول شيلينج: «في الواقع تلك نعمة ونقمة في الوقت ذاته. إذا انخفضت حركة المرور على الطرق المزدحمة للنصف مثلاً، فربما يكون لدى القيوط أو أسد الجبال بضعة ثوان فقط لعبوره. قد تحاول أعداد كبيرة من الحيوانات البرية عبور الطرق إذا انخفضت الضوضاء بشكلٍ مفاجئ، لكّن ما يزال هناك احتمال بأن تصدمها السيارات المُسرعة. لذا قد تزداد أعداد الحيوانات التي تموت على الطرقات بالفعل في بعض المناطق».

لكن بالنسبة للطرق السريعة والريفية الأقل ازدحاماً في العادة، فقد يسمح انخفاض حركة المرور عليها للحيوانات بتوسيع موائلها التي كانت تُقيدها هذه الطرق أكثر. يعمل شيلينج وفريقه على تتبع بيانات حوادث الاصطدام بالحيوانات، وسيحصلون في النهاية على معلوماتٍ تبيّن كيفية تأثير تراجع النشاط البشري على حركة الحيوانات وسلامتها.

تقول كوين: «من المهم تجنب إزعاج الحيوانات البريّة إذا لاحظتها بقربك، فنحن في النهاية سنبقى في المنزل في الوقت الحالي بسبب مرضٍ حيواني المنشأ. من المهم جداً أيضاً الحفاظ على طبيعة الحياة البرية، لذلك ينبغي أن لا تطعمها».

تأمل لامبرت أن يقودنا هذا الوضع إلى تقدير الحيوانات البريّة. وتلاحظ أنّ هذا الوقت عظيم جداً للاستمتاع بمراقبة الطيور، حيث تهاجر العديد من أنواع الطيور، وتتنافس في طقوس المغازلة والغناء. تقول: «كانت هذه الحيوانات موجودة حولنا دائماً، وهي تثير انتباهنا في الوقت الحالي الذي بتنا فيه ننتبه أكثر لأدق الأشياء حولنا، آمل أن يؤثر ذلك إيجابياً على تصرفاتنا تجاه الحيوانات البرية بجوارنا».