Image

هؤلاء الأمهات يفعلن المستحيل لتغذية صغارهن

مقتطف من كتاب: "كيف تربي الحيوانات صغارها"

Bread assortment حقوق الصورة: Pixabay وحيد قرن صغير يحاول أكل بعض القش، ولكنه كغيره من الثدييات يحصل على الحليب من أمه كغذاء داعم في مراحل حياته المبكرة.

هذه المقالة مقتطفة من كتاب “كيف تربي الحيوانات صغارها- حقائق مذهلة عن آليات الحياة العائلية عند الحيوانات” للكاتبة: جينيفر فيردولين.

يرضع الأطفال – كغيرهم من الثديات- الحليب من أمهاتهم (دون أن ننسى ذكَر خفاش الفاكهة من نوع داياك الذي يُرضع صغاره). والرضاعة شيء بسيط ومباشر، يمكن عمله في أي مكان وأي وقت، وقد يستغرق ثلاثة أشهر، أو ستة أشهر، وربما يمتد إلى ثماني سنوات. وقبل أن نشرع في معالجة مسألة كيفية تغذية الصغار، دعونا أولاً نوسع منظورنا للموضوع. بما أن تربية الصغار تزيد من فرص الذرية في البقاء على قيد الحياة، فإن هناك طيفاً واسعاً من الخيارات عندما يتعلق الموضوع بأمر أساسي هو تغذية المواليد الصغار.

أما الأمر غير التقليدي فهو أن يأكل الصغير أمه. والمصطلح العلمي الذي يشير إلى ذلك هو Matrophagy ويعني “أكل الأمهات”. وفي انحراف غريب عن السلوك الحيواني المعتاد، تقدم أمهات عنكبوت الصحراء نفسها وجبةً غذائية لصغارها. وتعيش هذه العناكب غريبة الشكل في الصحراء كما يوحي اسمها بذلك. ولك أن تتخيل أن بناء العنكبوت لشبكته في الصحراء ينطوي على نوع من التحدي. ولكن هناك نباتات تنمو في الصحراء، وستجدها في المكان الذي تعيش فيه هذه العناكب. وبعد أن يقوم الذكر بإغوائها بعمل اهتزازات بالغة الرقة على الشبكة، تقوم الأنثى -التي ستصبح أماً في وقت قريب- بوضع كيس البيوض المخصبة في شرنقة كروية من الحرير قرب فمها. وبينما تقوم الأم بحماية صغارها، تتابع تغذية نفسها على قائمة من الحشرات المختلفة. وعندما تصبح العناكب الصغيرة جاهزة للفقس، تساعدهم الأم على الخروج من الشرنقة التي تغلفهم، وتبدأ باجترار الغذاء الذي أكلته. وتكمن الفائدة من هذه العملية في أنها تؤدي إلى خروج شلال من الأنزيمات الهاضمة التي تصب في جسم الأم وتؤدي إلى تمييع جسمها ببطء من الداخل. ويستمر هذا الأمر حوالي أسبوعين، وطوال هذه الفترة تقوم بحماية وتغذية صغارها حتى تموت، ويأكل صغارها ما تبقى منها قبل أن يبدؤوا الاعتماد على أنفسهم.

الكتاب الأصلي: “كيف تربي الحيوانت صغارها” للكاتبة: جينيفر فيردولين

ولا يمكن إنكار أن هذا الأسلوب هو شكل متطرف من أشكال الأمومة، ولكنّ له فوائده. ففي الأنواع التي يحدث فيها أسلوب “أكل الأمهات”، تحظى الذرية الجديدة بفرصة قوية للبقاء، لأنها ستكون قادرة على النمو قبل أن تغادر المكان الذي تعيش فيه. بالإضافة إلى أن الأمهات تبقى موجودة بقربها لمدة أسبوعين لحمايتها. ولهذا دعونا نكون منصفين، فقدرة الأم على حماية صغارها ستتراجع يومياً لأنها تبدأ بالاختفاء داخل بطونهم. أما في الحالات التي ينفصل فيها الصغار عن الأم ولا يحصلون على تغذية إضافية، فإن فرصتهم في البقاء تكون ضئيلة.

وينافس عناكب الصحراء في هذا الأمر، نوع من البرمائيات يشبه الثعبان يدعى ضفدع تلال تايتا الثعباني، والذي يعيش في تلال تايتا في كينيا. ولكن الأمهات تغذي صغارها بطريقة مختلفة تماماً. فهي تضع بيوضها، وعندما تفقس البيوض يكون الصغار مزودين بأسنان حادة. ولكن لا تقلق، فالصغار هنا لا يأكلون أمهم. أو لنقل ليس تماماً. فمع نمو الصغار، يبدأ جلد الأم بتغيير نفسه، حيث تصبح الطبقة الخارجية منه سميكة مليئة بالدهون والبروتين وتشبه إلى حد كبير حليب المرأة. وعندما تخرج الضفادع الصغيرة من البيوض، تستخدم أسنانها الصغيرة لتمزق جلد أمها، وتلتهم بشراهة كل قطعة صغيرة من جلدها المغذي. ومع الوقت تصبح قادرة على ترك عشها، بينما تكون الأم قد فقدت حوالي 14% من وزن جسمها.

يستهلك إرضاع أو تغذية الصغار قدراً كبيراً من الطاقة، بغض النظر عن كيفية القيام بذلك. ولكن ظهور الرضاعة الحقيقية كان لحظة فارقة في تطور الثدييات، ما سمح بزيادة فرص البقاء عند صغار الحيوانات غير مكتملة النمو، وذلك بتوزيع المواد الغذائية بعد الحمل وتأمين وسيلة مباشرة لنقل الكفاءة المناعية. وهذه الحيوانات ليست كلها ثديات مشيمية كالبشر. فحيوان النضناض أو آكل النمل الشوكي واحد من الثدييات غير المشيمية. وأتذكر جيداً مستشار الدراسات العليا عندما ذكر لي أن حيوان النضناض هو الحيوان الوحيد الموجود حالياً من بين الحيوانات التي تبحث عن طعامها بشكل عشوائي.

تملك معظم الحيوانات خطة ما للبحث عن طعامها، حتى لو تمثلت هذه الخطة في تجنب أن تكون طعاماً للحيوانات الأخرى. ولطالما كنت أتخيل حيوان النضناض وهو يتمايل بارتباك باحثاً في الغابة على أمل أن يصادف شيئاً يأكله. وعندما يجد شيئاً ما يتمايل كالمخمور. وقد اكتشفت منذ ذلك الوقت أن للنضناض خلايا خاصة في أنفه الطويل تكشف الإشارات الكهربائية الصادرة عن الحشرات، ويتبع أنفه ليرشده إلى الوجبة التي سيأكلها. وبالعودة إلى موضوع الإرضاع، فإن النضناض ينتمي إلى مجموعة استثنائية تدعى أحاديات المسلك. وبالرغم من أن هذه المجموعة تضع البيوض، إلا أنها تصنف مع الثدييات، لأنها ترضع صغارها عن طريق الغدد الثديية. ويتكون حليبها من الكازئين والدهون والرماد وفوكوسيل لاكتوز وثنائي فوكوسيل لاكتوز. ويوجد ثنائي فوكوسيلاكتوز في حليب المرأة أيضاً. وهو معروف بقدرته على حماية الجسم ضد العدوى والأمراض. كما أنه ينشط نمو البكتيريا الصديقة أو المساعدة. وهكذا، وبالرغم من الفرق الشاسع بيننا وبين حيوان النضناض، فإن الغذاء الذي نعطيه لصغارنا متشابه بشكل كبير.

تختلف نسبة الدهون والبروتينات والمركبات الأخرى التي تشكل اللبن من نوع إلى آخر. ومع ذلك فإن الفوائد متشابهة إلى حد كبير: التغذية، والترابط، والكفاءة المناعية. وربما تكون الكفاءة المناعية هي الأكثر أهمية بينها. يتطلب الحصول على جميع الفوائد الوقائية خلط لعاب الطفل بالحليب. وقد قرأت عن هذا الموضوع من قبل في إحدى المدونات. وقادني هذا الأمر إلى بحث سابق يكشف عن المستويات العالية التي يحويها كل من حليب الأم ولعاب الطفل من أحد الأنزيمات، وعندما يختلط اللعاب مع الحليب ينتج هذا الأنزيم بيروكسيد الهيدروجين بكميات كبيرة تؤدي إلى وقف نمو جراثيم المكورات العنقودية والسالمونيلا، بينما ينشّط في نفس الوقت نمو الجراثيم الصديقة في الأمعاء. وبهذه الطريقة، يوجه حليب الأم ولعاب الطفل ضربة قاصمة للعدوى البكتيرية. ولهذا يجب النظرإلى لعاب الطفل بطريقة مختلفة بعد اليوم.

error: Content is protected !!