Image

لا تزال بقايا هذه الجثة القديمة غامضة

Bread assortment الجمجمة التي تعود إلى ستة آلاف عاماً مضت
حقوق الصورة: آرثر دورباند

لقد كانت الظروف المناخية خلال العصر الجليدي الأخير قاسية للغاية، فلقد كانت مستويات سطح البحر تغطي كل مكان، تحرك الرواسب، وتغرق الشواطئ بشكل لا يمكن التنبؤ به. وأخيراً، وقبل حوالي 7000 سنة، بدأت مستويات البحر في الاستقرار، وبدأت إعادة تشكل شواطئ البحر.

في بابوا غينيا الجديدة بدأت السطوح الساحلية والبحيرات الكبيرة بالتشكل، وبدأ الناس يستمتعون بالمناطق الجديدة. ولكن بوجود الأنظمة البيئية الجديدة ومصادر الغذاء الجديدة، برزت مخاطر لم تكن موجودة في مستويات البحر الأعلى. وقد وقعت إحدى هذه المخاطر قبل 6000 سنة، عندما ضرب تسونامي عنيف ساحل بابوا غينيا الجديدة، وحملت مياه البحر مخلوقات صدفية صغيرة وحصى ورمل، وإحدى الجماجم البشرية.

كشفت دراسة جديدة نشرت في أكتوبر 2017 في دورية “بلوس ون” دليلاً على أن الجمجمة التي عثر عليها انتقلت إلى مكانها الذي استقرت فيه عن طريق تسونامي حدث قبل 6000 سنة. مكثت الجمجمة هناك منذ آلاف السنين، حتى دفعت القوى التكتونية الأرض عشرات الأمتار نحو الأعلى وتشكل خليج صغير من خلال الرواسب.

ثم جاء بول هوسفيلد، الجيولوجي الأسترالي ليقوم بمسح المنطقة للبحث عن مصادر النفط والغاز، والذي كان يقضي أوقات فراغه في رسم خرائط جيولوجية لخليج بانيري عام 1929، وما بين الصخور والأتربة، ظهرت الجمجمة فجأة.

يقول مؤلف الدراسة مارك جوليتكو: “كان هوسفيلد مهتماً جداً بالجيولوجيا المحلية، وفي أحد أيام عطلته ذهب وبحث في تلك المنطقة لأنه كان يعتقد أنه قد تكون هناك طبقات جيولوجية مثيرة للاهتمام هناك، وحدث أنه عثر على الجمجمة، الأمر الذي كان يبدو واحدة من ضربات الحظ في الاكتشافات العلمية”.

تسبب العثور على الجمجمة في إثارة ضجة كبيرة في ذلك الوقت. اعتقد هوسفيلد أنها ربما تعود لنوع الإنسان المنتصب Homo erectus، وهو إنسان قديم عاش منذ مئات الآلاف من السنين. حين فحصت الجمجمة في الستينيات أشار التحليل أنها ربما كانت جمجمة امرأة تبلغ من العمر 45 عاماً تعود إلى ستة آلاف عاماً مضت، وفي غياب أي بقايا أخرى، ظل عمر صاحب أو صاحبة الجمجمة وخصائصها المميزة الأخرى غامضة.

وليست هذه الجمجمة سوى جزء واحد من جزئين من بقايا الإنسان الأول التي وجدت في الجزيرة حتى الآن. وقد خضعت لتدقيق متجدد بعد أن ضرب تسونامي عام 1998 الساحل، ما لفت انتباه الباحث للجمجمة من جديد. هل كان من الممكن أن كارثة مماثلة قد جرّت هذه البقايا لمسافة 14.5 كليومتر تقريباً من الساحل حديث التشكل.

في عام 2014، أعاد جوليتكو ​​زيارة موقع اكتشاف هوسفيلد أثناء عمله الميداني في المنطقة، بحثاً عن أدلة على كيفية استجابة البشر للتغيرات الساحلية. وأظهرت عينات من التربة والصخور في المنطقة، بالإضافة إلى خرائط جديدة وأحد التحاليل أن الجمجمة قد تم العثور عليها بين طبقة من الرمال والصخور والركام التي تم جرها من البحر بواسطة التسونامي.

ويعتقد المؤلفون أن هذا الشخص قد يكون أول ضحية معروفة للتسونامي، على الرغم من أن إثبات سبب الوفاة صعب عندما لا يكون لديك سوى جزء من الجمجمة كدليل، وسيكون من المستحيل ربط بقايا الجثة بحدوث تسونامي، وبدون مزيد من أجزاء الجسم، سيكون من الصعب أن نؤكد أن التسونامي هو الذي قتله.

ولم يعثر هوسفيلد على بقايا أخرى فى الموقع، بيد أن تمزيق الجثث هو بالتأكيد شيء يمكن أن تكون أمواج تسونامي قادرة عليه، وهذا ما اكتشفه الناس خلال تسونامي عام 1998 الذي ضرب بابوا غينيا الجديدة.

في فقرة قاسية جداً من الدراسة، يشرح الباحثون كيف فقد هذا الشخص رأسه:

“بمجرد وصولها اليابسة، تمكنت الموجة من دفع كمية كبيرة من الرمال وركام المباني والأشجار، مسببة الموت من خلال الانفجار الرملي، وتقطيع الأوصال، والصدمة، والغرق. في مثل هذه البيئات، يتم دفن العديد من الجثث في أحواض الرسوبيات (البحيرة) ومن غير المرجح أن يتم استعادتها. وفي أعقاب أحداث بابوا غينيا الجديدة عام 1998، تم إيقاف محاولات استرجاع الضحايا من البحيرة بعد أسبوع من حدوث التسونامي، لأن التماسيح كانت تتغذى على الجثث، غير أن العثور على الجثث مقطعة الأوصال استمر في الأيام اللاحقة”.

ومع وجود تقطيع للأوصال، وصدمات القوى غير الحادة، والانفجار الرملي، والغرق، والتماسيح، فمن غير المعقول أن نجد أي بقايا لجثث على الإطلاق.

ليس هناك ما يدعو إلى افتراض أن موجات تسونامي قبل 6000 سنة كانت تعمل بشكل مختلف عن موجات تسونامي الحالية، ويعتقد جوليتكو ​​وزملاؤه أن هذه هي الطريقة الأكثر منطقية لمصير الجمجمة بين رواسب التسونامي. لكن صاحب الجمجمة يمكن أن يكون قد مات أيضاً بسبب علة أخرى، ثم تمت بعثرة بقاياه بجدار من الماء. ويقول المؤلفون إنه على الرغم من أنه من غير المحتمل أن يكون قد تم حفر قبر بسبب تسونامي، فإن ممارسات الجنائز المختلفة – بما في ذلك تقطيع أوصال الجثث بعد الموت ووضع عظامها في أماكن خاصة – قد تكون أكثر سهولة لتحريك بقايا الموتى.

يقول جوليتكو: “لست متأكداً من أن هناك دليلاً يؤكد بأن هذا الشخص قد قتل بسبب تسونامي. وفي ما إذا كان ذلك الشخص قد قتل بسبب تسونامي، أو مات قبل فترة قصيرة من حدوثه ثم حدث تغيير لمكان جثته، فإن الجمجمة تظهر أن شخصاً ما كان يعيش هناك وكان سيتأثر بالحدث”.

ويمكن أن تساعد البحوث المستقبلية في إظهار كيفية تعامل المجموعات القديمة من الناس في المنطقة مع الجوانب الأقل حيوية للحياة الساحلية؛ كالفيضانات، والعواصف، وحتى التسونامي.

error: Content is protected !!