Reading Time: 5 minutes

هل تحب الطيور المغرِّدة؟ حسناً، لست وحدك، فالكثير من الناس يحبونها أيضاً. أما بالنسبة للحشرات، فتلك قصة أخرى، اذكر “يرقات الفراشات” مثلاً أمام البُستانيين وستجد أنهم يرتجفون رعباً، إلا أن الأنواع الحيوانية التي تعيش في فناء الحدائق المنزلية -مثل اليرقات والعناكب- تلعب في الحقيقة دوراً محورياً في تغذية معظم أنواع الطيور المغرِّدة التي نحبها. كما أن هناك دراسة جديدة من جامعة ديلاوير -أنجزتها الباحثة لما بعد الدكتوراه ديزيريه نارانغو وبعض من زملائها- تُظهر أن حدائق النباتات المنزلية مناسبة تماماً لمعيشة هذه الطيور.

ويعد هذا البحث أكبر دراسة شاملة تم إنجازها حتى الآن حول تأثير أنواع النباتات الطبيعية على بعض أنواع الطيور المغردة، مثل عصافير القرقف الكارولِينِيَّة، كما تخبرنا الدكتورة نارانغو أن هذه الورقة البحثية هي أيضاً أكبر عمل بحثي تصدره بعد سنوات من العمل الميداني، وتوفر هذه الدراسة مثالاً نموذجياً واقعياً للأشخاص المهتمين بالحفاظ على البيئة لإجراء البحوث في حدائقهم المنزلية الخاصة.

وبعد دراسة أكثر من 160 حديقة منزلية، وجدت نارانغو أن حدائق الضواحي -التي تضم ما لا يقل عن 70% من الأشجار والشجيرات الطبيعية- قادرة على توفير الغذاء اللازم لموسم تزواج عصافير القرقف الكارولِينِيَّة، أما الحدائق التي تضم نسبة أقل فهي قادرة على تغذية البالغين من هذه العصافير، إلا أن هذه العصافير البالغة لم تكن قادرة على التزاوج بمستوى يصل إلى معدَّل الخصوبة الكافي، مما يعني أن عددها يؤول إلى التناقص.

لكن لماذا تعدُّ النباتات الطبيعية مهمة؟ تقول كارين بورغهاردت (عالمة البيئة من جامعة ماريلاند) إنه بالنسبة للطيور والعصافير، فقد تطورت هذه النباتات رفقة الحشرات الطبيعية (أي تلك الحشرات الزاحفة التي تطورت هذه الطيور والعصافير نفسها للتغذي عليها). وكانت بورغهاردت قد عملت من قبل مع زميل الدكتورة نارانغو الذي اشترك معها في تأليف ورقتها البحثية الحالية، وهو البروفسور دوغ تالامي من جامعة ديلاوير، لكنها لم تشترك في دراسة نارانغو.

وتقول بورغهاردت: “عندما نفكر في الطيور من وجهة نظر بشرية، نرى أنها لا تحتاج إلا إلى بذور التغذية المعروفة”، إلا أن البحوث العلمية التي أجريت على مدى العقد الماضي رسمت لوحة مختلفة عن هذا المشهد، حيث تبرز إحدى مكوناته أهمية الحشرات بصفتها غذاءً لعدد كبير من هذه الطيور، بَيْد أن الغالبية العظمى من الحشرات التي تتغذى على النباتات قد تطورت لتتغذى فقط على أنواع محدَّدة وقليلة من النباتات الطبيعية، مما يعني أننا لن نجد هذه الحشرات في الحدائق المنزلية التي لا تضم الأنواع النباتية المناسبة.

أما بالنسبة للبستانيين، فإن زراعة النباتات الطبيعية ورؤية الحياة البرية التي تجتذبها (من يرقات الفراشات وغيرها من الحشرات إلى الطيور والعصافير) تعد “عملية مُجزية ومثمرة للغاية” لهم، كما تقول بورغهاردت. وقد أخبرتنا الباحثة أنها اشترت منزلاً في الآونة الأخيرة، وهي بصدد إعادة تهيئة حديقته المنزلية وزراعة النباتات الطبيعية بها، وهي تشير إلى أن البستانيين الذين سيفعلون مثلها سرعان ما سيرون النتائج، ويجتذبون الحياة البرية للحدائق المنزلية، من الحشرات الزاحفة إلى العصافير الطائرة.

ومن ناحية أخرى، تقول الدكتورة نارانغو إن النسبة 70% من المزروعات التي تنجح مع عصافير القرقف الكارولينية ما هي إلا الحد الأدنى فقط، وتقول: “إن جميع الطيور المغردة تقريباً تحتاج إلى التغذي على الحشرات لتربية صغارها”، فكلما ازداد اقتيات الطيور على الحشرات، ارتفعت نسبة النباتات الطبيعية التي يجب زراعتها لاحتضان تلك الأنواع من الحشرات. ويذكر أن الحدائق المنزلية في منطقة العاصمة واشنطن -التي رصدتها الباحثة- تعد جزءاً من مشروع لعلم المواطنين يدعى “مراقبو الأعشاش المحليون (Neighborhood Nestwatch)”.

وبهذا الصدد، يقول البرفسور تالامي إن القيام بالعمل الميداني في هذا المجال لا يعد عملية سهلة وبسيطة، لا سيما في المناطق الحضرية. وهو يتكلم هنا عن تجربة طويلة؛ إذ يتمتع البرفسور تالامي بخبرة تفوق العقد من الزمن في العمل في مجال الحدائق المنزلية، وتعتبر بورغهاردت زميلته في تأليف بعض الأوراق البحثية التي أثبتت للوسط العلمي وجود العلاقة بين النباتات الطبيعية والحشرات. ويتابع البرفسور تالامي بقوله إن مراقبة مئات الحدائق المنزلية والطيور “ليست مهمة سهلة ألبتة”.

وللقيام بذلك، يتلقى كل أصحاب الحدائق المنزلية المشاركين في المشروع علبةً بشكل عش، ويطلب من أصحاب المنازل مراقبة العلبة من الأسبوع الأول لشهر أبريل حتى شهر يونيو، لرؤية ما إن دخلت عصافير القرقف الكارولينية موسم التزاوج أم لا. كما قامت الدكتورة نارانغو وطاقمها من الفنيين العاملين في الميدان بزيارة الحدائق المنزلية للبيوت لرؤية ما إن كانت عصافير القرقف -التي هي محل الدراسة والتي تتغذى في الحدائق المنزلية- تعشِّش قريباً منها لكن ليس داخل الحديقة المنزلية نفسها.

ويشير البرفسور تالامي إلى أن النتائج أسفرت عن حقائق لم تكن معروفة من قبل، متمثلةً في دراسة شاملة ووافية عن تأثير الأنواع النباتية غير البرية على الأنواع الحيوانية الواقعة في أعلى السلسلة الغذائية. وقد فتحت هذه الدراسة الأفق الفسيح لما كان يبحث عنه من قبل، والانتقال “إلى المستوى الغذائي التالي” على حد تعبيره، وذلك من خلال دراسة الطيور التي تتغذى على الحشرات، وهي التي تمثِّل النوع الحيواني الأعلى في هذه السلسلة الغذائية.

وتقول نارانغو: “إن ما يراه الناس على أنه مجرد اختيار بسيط لما يزرعونه في حدائقهم المنزلية له عواقب كبيرة على الطيور التي تعيش في هذه الحدائق”؛ حيث إن آثار هذه الاختيارات تتجاوز الطيور المعششة لتطال حتى الطيور المهاجرة التي تمرُّ بهذه الحدائق في رحلتها الطويلة من المناطق المدارية إلى غابات كندا الشمالية كل عام، حيث تتوقف هذه الطيور أثناء رحلتها في الحدائق المنزلية لمدة أسبوع، إلا أنها في حاجة إلى غذاء غنيٍّ بالبروتينات وعالي السعرات الحرارية لتغذيتها في رحلتها الطويلة القادمة، تماماً مثلما هو حال الطيور المعشِّشة التي تحتاج إلى نفس نوعية الغذاء لتربية صغارها. فإن لم تجد هذه الطيور الغذاء الذي تبحث عنه في محطتها هذه، فإن هذا الأسبوع “قد يكون الأسبوع الأكثر حَرَجاً في حياتها كلها”.

وتقول بورغهاردت إن الدراسة الجديدة قامت بعمل “شديد التدقيق” فيما يخص تحديد الحشرات المناسبة والكافية لهذه الطيور، لكن من المهم ألا ننسى أن هذه الحشرات ليست مجرد طعام. وتضيف “لأني أعتقد أن لهذه الحشرات قيمة ذاتية في نفسها كونها عنصراً من منظومة بيئية أشمل”؛ حيث تمثل هذه الحشرات جزءاً من شبكة الحياة التي تطورت قبل فترة طويلة من الزمن، قبل حتى أن نشرع -نحن البشر- في زراعة النباتات البرية في حدائقنا المنزلية. وإلى جانب قيمتها الغذائية للعنصر الأعلى منها في السلسلة الغذائية، فإن الحشرات تمتلك قدرة على إغناء الحدائق، وذلك كما تقول نانسي فيهرس (مديرة جمعية فرجينيا للنباتات الطبيعية)، وتضيف: “وهذا لأن الحديقة المنزلية ليست مجرد مساحة خضراء تضم النباتات فقط”.

والآن، كيف لي أن أجعل حديقتي المنزلية مناسبة للطيور المغردة؟

تجيب السيدة فيهرس بأن جعل حديقتك حاضنة للأنواع الحيوانية البرية أمر متاح ومتوافر تماماً. وفيما يلي بعض أهم النصائح التي قدمتها، من ضمنها توصيات مقدمة من جمعية كاليفورنيا للنباتات الطبيعية.

ابحث في الأمر:

لست متأكداً من النباتات التي تود زراعتها؟ لا مشكلة، إذ إن جمعيات النباتات الطبيعية تنتشر  في العديد من الأماكن، وهي تُصدر اقتراحاتها وتوصياتها بشكل دوري، كما أن مصلحة الغابات التابعة للوزارة الأميركية مثلاً تمتلك دليلاً مفصلاً سيساعدك في اختيار النبتة الطبيعية المناسبة لك، وغيرها من المصادر المفيدة.

ازرع الأشجار:

تقول فيهرس إن زراعة الأنواع البرية من الأشجار في حديقتك المنزلية هي أفضل ما يمكنك القيام به لدعم التنوع الحيوي فيها، كما يذكر البرفسور تالامي عدة أنواع منها، وهي: البلوط وأشجار الكرز والصفصاف.

أو دعك من هذا:

ليس عليك أن تكون خبيراً في البستنة لكي تساهم في الجهود الداعمة للحياة البرية المحلية، فإن كنت لا تبالي بما تضمه حديقتك المنزلية من تنوع حيوي، فإن البروفسور تالامي يقول إنه يكفيك أن تزرع النباتات البرية ثم تتركها وشأنها. كما أن جمعية كاليفورنيا للنباتات الطبيعية مثلاً توصي بتوظيف خبراء في البستنة متخصصين في النباتات الطبيعية، وتفويضهم لأداء هذه المهمة.

لا تشغل بالك:

تطمئننا فيهرس بقولها: “لا يوجد داعٍ للقلق؛ فهناك نباتات طبيعية لكل نوع من الحدائق التي تريدها لمنزلك”. هل تريد نبتة تحب الشمس أو نبتة تكره التربة الرطبة؟ إذن فلا تقلق فلدينا أخبار طيبة لك، هناك نباتات تناسب ما طلبته تماماً.

وتشير فيهرس إلى أن الكثير من الناس جربوا الزراعة المنزلية ويعتقدون أن رعاية النباتات الطبيعية أسهل من رعاية النباتات غير الطبيعية (غير البرية). وينص تقرير جمعية كاليفورنيا للنباتات الطبيعية على أنه “بمجرد أن ترعاها لمدة عام واحد بعد زراعتها، يمكن للنباتات الطبيعية أن تنمو وتزدهر وحدها فقط بالاعتماد على الأمطار الموسمية”.