Reading Time: 4 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


كانت إحدى أكبر النتائج الصادمة لجائحة كورونا هي الانتقال المفاجئ لما يقارب نصف قوة العمل، إلى العمل من المنزل.

في العديد من الحالات، ترافق ذلك مع نقلةٍ مفاجئة إلى التعليم المنزلي.

وبعكس ما كان متوقعاً، فإن الانتقال إلى العمل من المنزل جرى بسلاسة مذهلة. واستمرت معظم أنواع العمل المكتبي وكأنَ شيئاً لم يكن.

لقد أظهرت معظم النقاشات للأزمة على فرضيّة أن العودة للحالة «الاعتيادية» قبل الأزمة سيكون حتمياً ومرغوباً.

لكن التجربة غير المخطط لها، والتي أُجبرنا على خوض غمارها، تظهر لنا بأنّنا قد نكون على أعتاب فرصة ذهبية لإجراء إصلاح في الاقتصاد الجزئي للحصول على منافع تفوق المنافع التي حصلنا عليها بصعوبة؛ نتيجة للتغيرات في نهاية القرن العشرين.

يستغرق الشخص العامل في المتوسط ساعةً في التنقل في كل يوم عمل. والمدهش في الأمر أنّ هذا الرقم بقي ثابتاً تقريباً منذ العصر الحجري الحديث، وهي نتيجة تعرف بـ«قانون مارشيتي» (تم نسب نفس الملاحظة لبيرتراند راسل). 

إذا كان العمل من المنزل يلغي ساعة من التنقلات، دون تغيير الزمن المصروف على العمل أو تخفيض الإنتاج، فستكون النتيجة مكافئة لزيادة قدرها 13% في الإنتاجية (وذلك بافتراض عمل يتطلب 38 ساعة).

إذا ما أحرزت نصف قوة العمل هذا الربح، فهذا سيكون مكافئاً لزيادة قدرها 6.5% في الإنتاجية لقوة العمل ككل. وعلى سبيل المقارنة، لنلقي نظرة على الإصلاحات الجذرية للاقتصاد الجزئي التي حدثت في التسعينيات، بما في ذلك الخصخصة، ورفع القيود، وسياسة المنافسة الوطنية.

في عام 1995 قدّرت لجنة الإنتاجية -التي كانت تدعى حينها «هيئة الصناعة» حيث كانت المروج الرئيسي لتلك الإصلاحات- بأنّ تلك الإصلاحات ستزيد الدخل القومي بمقدار 5.5%.

عندما ننظر إلى ذلك الآن، يظهر لنا بأنَّ ذلك التقدير كان مفرطاً في تفاؤله.

وعلى الرغم من ملاحظة تصاعد في نمو الإنتاجية في أواسط التسعينيات، إلّا أنّ الزيادة الكلية نسبة إلى الاتجاه بعيد المدى كانت فوق المعتاد أقل من نقطة مئوية واحدة في السنة. والنمو المنخفض منذ ذلك الحين للإنتاجيّة قام بعكس تلك الأرباح.

هذه الأرباح كبيرة إذا ما قارناها مع الأرباح التي تعبنا لأجلها

ومع ذلك كانت تلك الإصلاحات -وإلى حدٍ كبير- لا يزال يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها عامل أساسي في الازدهار الاقتصادي.

لذلك فإن تحسن بمقدار 6.5% سيكون ذا منافع هائلة. إذ سيستغرق الأمر فقط بضع سنوات لتعويض الخسائر الناجمة عن الحجر والعديد من المفاعيل السلبية للجائحة.

إلّا أنّه وكما في حالة إصلاحات الاقتصاد الجزئي، قد يكون التقدير الأولي مضللاً. وحتى لو كان هناك في المتوسط منافع حقيقية، إلّا أنّه من المهم لنا أن نسأل عمّن سيحصل عليها، ومن سيكون الخاسر.

لقد وجدت دراسة قام بها اقتصاديون من جامعتي هارفارد ونيويورك بأنّ الأشخاص الذين يعملون من المنزل يبقون متصلين بمكاتبهم لمدةٍ فائضة تقدّر بحوالي 48 دقيقة، مما يعني أنّ متوسط الربح في الوقت سيكون حوالي 12 دقيقة في اليوم فقط.

لكن على أيّة حال، يبدو أنّه من المرجح أن يتم قضاء بعض هذا الوقت على الأقل في المهام المنزلية، وخاصة أن العاملين يقع عليهم عبء العناية بالأطفال وتدريسهم منزلياً خلال فترة الحجر. وبالإضافة لتوفير وقت التنقلات، فالعاملون يوفرون أيضاً التكاليف النقدية لهذه التنقلات، إضافة إلى بعض الوقت الذي يصرف على التجهّز للعمل.

بالمحصلة، يبدو أن العمل من المنزل -في المتوسط- له منافع عديدة.

على أيّة حال، بالنسبة للعمال الّذين يعلّقون أهمية التواصل الاجتماعي ضمن العمل؛ فسيخسرون تلك المنفعة، بينما العمال الذين يفضلون الخصوصية والفصل بين العمل والحياة الاجتماعية، سيشكل ذلك منفعة بالنسبة لهم.

سيكون الأمر أصعب على المدراء

بشكل مشابه فإنّ أولئك الذين يعتمدون على المحادثات مع زملائهم لتطوير الأفكار؛ سيخسرون شيئا مقارنةً بأولئك الذين يفضلون مقاربات أكثر آليّة للحصول على المعلومات، ويعتمدون على التواصل الإلكتروني.

مجموعة أخرى من العمال الذين قد تقع عليهم الخسارة نتيجة العمل عن بعد؛ هم المدراء ذوي الرتب المتوسطة.

ومقدار المشكلة الناتجة عن العمل عن بُعد سيتوقف على مدى حاجة الإدارة أن تراقب العمال بشكل عياني. فالتفقد التطفليّ لنشاطات الحواسيب غالباً سيتم رفضه وتجنّبه. مما يعني أنه على المدراء تعلّم الإدارة من خلال التقييم الموضوعي للنتائج، بدلاً من مراقبة ما يفعله الأشخاص، وأن يحصلوا على الدليل المقبول لدى من هم أعلى منهم في التراتبية.

معقول بالنسبة لرؤساء العمل

بالنسبة لرؤساء العمل، كانت الآثار المباشرة للانتقال إلى العمل من المنزل صغيرة للغاية. فرواتب العمال لم تتغير، وكذلك كان الأمر أيضاً بالنسبة لمصاريف المكتب على الأقل على المدى القصير.

أما على المدى الطويل فالعمل عن بعد يُمثل إمكانيّة لمرونة أكبر بكثير في التوظيف. فبعض رؤساء العمل -مثل مارك زوكربيرج صاحب الأسهم في فيسبوك- قد روّج بالفعل لفكرة خفض رواتب العمال لأنّه أصبح بإمكانهم الآن العيش في أماكن أرخص، مهيئاً بذلك المسرح لصراع مستقبلي.

لكن بالمجمل، فإنّ النزاعات على تشاطر منافع العمل المكتبي عن بعد سيتم تجزئتها بين رؤساء العمل، والعمال والنقابات وفق الآليات المعتادة في سوق العمل.

لكن ماذا على النصف الآخر من قوة العمل؟ (أولئك الذين لا يملكون خيار العمل من المنزل)، وبالتحديد ماذا عن عمال الخدمات الذين تكون أجورهم متدنية ويعتمدون على قدوم الناس إلى المكاتب؟

إذا ما تم توزيع الربح في الإنتاجية الناتج عن العمل عن بُعد على كامل المجتمع، فسنحتاج إلى تدخل حكومي كبير لضمان حصول ذلك.

بشكل واضح للغاية، فإنّ المعدلات الأعلى من المخصصات للباحثين عن عمل قد ساعدتنا على تخطي الجائحة دون حصول تصاعد في معدلات الانتحار وما شابهها من كروب اجتماعية، تنبّأ بها الكثيرون. والعودة إلى البطالة ومستوى الفقر القديمين ستمثّل كارثة.

علينا تغيير الطريقة التي ندعم العمال بها

لقد بيّنت الجائحة كيف أنّ قطاعات كاملة من الاقتصاد، كرعاية المسنين، تعتمد على عمال يعملون في عدّة وظائف، وليس لديهم وصول لبعض الامتيازات كالإجازة المرضية. وبالتحديد فإنّ العمال الأصغر سنّاً يعانون من شح الوظائف، ومن صعوبات الانتقال إلى أعمال دائمة بدوام كامل.

ما سنحتاجه هو توسيع للتوظيف المموّل من القطاع العام في مجال واسع من الخدمات، بما في ذلك رعاية المسنين، إلى أن نعكس الاتجاه الرائج في التوظيف العرضي، والقائم على عقود.

على الرغم من كارثيّة جائحة كورونا، إلا أنها علمنا الكثير عن أنفسنا، وعن الطرق التي يعمل بها اقتصادنا ومجتمعنا. فإذا ما تعلمنا هذه الدروس، فقد يكون بإمكاننا ليس تحصيل المنافع فقط، بل سيكون بإمكاننا أيضاً -على الأقل- تخفيف الأذى الذي خلفتّه الكارثة.