Reading Time: 2 minutes

هشام سلام، مدير مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية

كما رويت لمريم السايح

منذ عام ٢٠١١ وأنا أترقب الكوادر حولي لاختيار من يستطيع تحمل ظروف التخييم والحياة بالصحراء في مصر، وعلى مدار عامين، شكلت فريقاً بحثياً مغامراً يخيم معي في الصحراء حيث نكتشف حفريات الكائنات التي عاشت في تلك المنطقة منذ ملايين السنين. للبحث عن الحفريات، نقوم باستخدام خرائط جيولوجية دقيقة، تسمح لنا بالسفر عبر الزمن من خلال أماكن طبقات الأرض.

 حددنا الواحات الداخلة التي تتميز بكونها منخفضة عن غيرها تماماً. المنخفضات هي طبقة عميقة أصبحت مكشوفة بفضل كسر في القشرة الأرضية وعوامل التعرية والتجوية على مدار قرون. الأمر يشبه أن تصنع قالب من الحلوى بطبقاتٍ من الفانيليا والكاكاو. إذا كان الكاكاو هو الطبقة الوسطى من الأرض مثلاً، فإن المنخفضات تمثل طبقة الكاكاو ولكن دون عناء الحفر. وتساعدنا المنخفضات في اكتشاف الحقبة التاريخية التي عاشت بها الديناصورات وأنواع أخرى من الكائنات. وبالفعل في ديسمبر عام ٢٠١٣، توجهت مع الفريق لاستكشاف الواحات الداخلة، في رحلة تخييم في ظروفٍ صحراوية قاسية.

حالفنا الحظ ووجدنا بقايا عظام ضخمة، ولكنها في حالة تلاحم مع الصخور. نتحدث هنا عن عظام عمرها يقارب ٧٠ مليون عام، ولكن للأسف لم نستطع انتشالها لضعف الإمكانيات. أتذكر يومها مشاعر قلقي بسبب اقتراب جرافة (بلدوزر) من محجرٍ مجاور لمنطقة التخييم، وكنت أخشى أن يتم العبث بمكان الاكتشاف، ولكن سرعان ما ابتعدت الجرافة وتركت الموقع. جمعنا حقائبنا والخيام وتركنا المكان، وبدأنا رحلة جمع الأموال بجهودنا الذاتية على مدار ثلاث أشهر للعودة مرة أخرى إلى الموقع وانتشال الحفرية.

 جمعنا المبلغ المطلوب للأدوات اللازمة، وعدنا مرة أخري في رحلة تخييم استمرت ٢١ يوماً كاملين في صحراء الواحات الداخلة دون وجود رفاهيات من أية نوع، حتى أن مياه الشرب لم تكن تصلنا بانتظام في هذا المكان. الأمر لم يكن سهلاً، فقد تعرضنا لعواصف من الأتربة، إلا أننا تجاوزنا كافة هذه الأمور. لذا دائماً ما أبحث عن فريق يمتلك الشغف، فهو وحده القادر على رفع الهمم في مثل تلك الأوقات العصيبة.

لاستخراج الحفرية، قمنا بحفر خندقٍ كبير حولها، وكنا نكشف كل سنتيمتر على حدى بهدوء حتى لا تتضرر العظام، واستخدمنا نوعاً من الصمغ مخلوط بالكحول لدهان الحفرية، حيث يتطاير الكحول ويظل الصمغ من أجل تماسك العظام. أيضاً كنا نترك بعض بقايا الصخور الملتحمة مع الهيكل حتى لا يتضرر أو يأخذ وقتاً أطول. وبالفعل انتشلنا أكثر من ٦٠٪ من عظام ديناصور يقارب وزن هيكله الكامل خمسة طن ونصف. قمنا بجمع الحفرية، وصنعنا لها جبيرة “كقميص من الجبس” للحفاظ عليها، واتجهنا للمعمل لبدء دراسة العظام.

 من الوهلة الأولي التي رأيت بها فك الديناصور علمت أنه ديناصور نباتي، فقد كان ذلك واضحاً من صفاته التشريحية. أطلقنا عليه اسم “منصوراصورس” نسبةً إلى جامعة المنصورة، ويعتبر منصوراصورس أول دليل علمي يرصد آخر ٣٠ مليون عام من العصر الطباشيري، كما أنه الأول من نوعه في أفريقيا، وسادس ديناصور يتم اكتشافه في مصر.

معظم أعضاء فريقي من الفتيات، وشغفهم تجاه الحفريات هو ما يدفعهم إلى استكشاف الصحراء بحثاً عن أدلة تكشف لنا أسرار الماضي، وما نقوم به في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية أصبح الآن يساهم في فتح آفاق جديدة لدعم الحفريات في مصر، واكتشاف المزيد من الحفريات التي عاشت خلال العصور السحيقة.

تم نشر هذا المقال في العدد الثالث عشر من مجلة بوبيولار ساينس – العلوم للعموم عن علوم القوى الخارقة. يمكنكم الحصول على العدد من هنا.