Image

بدء العصر الذهبي لمراقبة الأرض

Bread assortment صورة لمركز القسم الشمالي من الصفيحة الجليدية لارسين، مركّبة من أربع صورٍ بالألوان الطبيعية، التقطت بالأداة العملياتية لتصوير اليابسة (OLI) على القمر الصناعي لاندسات 8 في 6 يناير، 2016.

لارسين سي، صفيحة جليدية في غرب القارة المتجمدة الجنوبية، هي عبارة عن كتلة جليدية عائمة متصلة باليابسة، وتساوي في الحجم ولاية ديلاوير، وضعف حجم لوكسمبورج، ويبلغ وزنها 20 مليون ضعف من وزن السفينة “تيتانيك”. عندما انفصلت أخيراً عن الصفيحة الأم في وقت سابق من الأسبوع الماضي، لم يؤد ذلك إلى انتشار أمواج الأنباء عبر بحر ويندل فحسب، بل أدى أيضاً إلى إطلاق الآلاف من المقارنات الحجمية. وفي حال ما زلت عاجزاً عن تخيل حجم هذه الصفيحة، فهي تساوي ضعف بحيرة إري Erie.

كان حجم الكتلة المنفصلة من لارسين سي، والتي تعتبر من أضخم الكتل الجليدية المنفصلة التي تم توثيقها، كافياً لجذب الكثير من الانتباه. وذلك لدرجة أنه لم ينتبه الكثيرون إلى أمرٍ رائعٍ، وهو أننا تمكنا من تتبع حركتها بشكلٍ آني تقريباً. انفصلت لارسين سي في ليلة 11-12 يوليو، وبحلول الصباح، كان الخبر قد انتشر على مستوى العالم، وذلك بفضل بعض التقنيات الرائعة لالتقاط الصور بالأقمار الصناعية.

يقول أدريان لوكمان، جيولوجي في جامعة سوانسي وعضو في ميداس، مشروع بحثي حول القارة القطبية الجنوبية، والذي يدرس تأثير ذوبان الجليد على استقرار الصفائح الجليدية: “نحن نعيش في عصرٍ يشهد انفجاراً من حيث توافر الأقمار الصناعية والظواهر والبيانات. ولا يقتصر الأمر على عدد هذه الأقمار الصناعية، بل يتعلق أيضاً بسياسات الوكالات الفضائية التي تتيح البيانات للجميع مجاناً، خصوصاً ناسا التي كانت السباقة في هذا الأمر”.

مع كل الصور الرائعة التي نتلقاها باستمرار من أقاصي الأرض، من السهل أن ننسى أن هذه القدرة أمرٌ جديدٌ نسبياً بالنسبة للبشرية. فمنذ قرن ونيف وحسب، غرقت سفينة “تيتانيك” لأنها لم تتمكن من تجنب الاصطدام بكتلةٍ جليدية. فقد كانت مراقبة الكتل الجليدية العملاقة تتطلب نشر مراقبين على سطح السفينة لرصدها. أما حالياً، وبفضل شبكة من الأقمار الصناعية التي تراقب الأرض، يمكن أن نرصد ولادة جبلٍ جليديٍ من أي مكانٍ في العالم، تقريباً.

مشهد يوضح تطور الصدع الذي أدى لانفصال لارسين سي مع الزمن. وقد تم تسجيله من قبل أقمار لاندسات التابعة لناسا والخدمات الجيولوجية الأميركية.

رصدت دانييلا جانسين -والتي تعمل حالياً في معهد ألفريد فيجنير في ألمانيا- صدع لارسين سي أول مرةٍ في عام 2014، عندما كانت تدرس بيانات لاندسات لمشروع ميداس. لاندسات هي مجموعة من الأقمار الصناعية المخصصة لمراقبة الأرض والتي تم تطويرها من قبل ناسا والخدمات الجيولوجية الأميركية، والمعروفة لدى معظمنا بجمع البيانات المستخدمة في جوجل إيرث.

يقول لوكمان: “إن الصدع الذي تسبب بانفصال هذا الجبل الجليدي ليس سوى واحدٍ من عدة صدوعٍ بدأت تشق طريقها في الصفيحة الجليدية من الجنوب. هناك حوالي 12 صدعاً، وعادة ما تتوقف بسبب منطقة من الجليد أكثر رقة مما يحيط بها. وهو ما منع بقية الصدوع من متابعة طريقها في الصفيحة الجليدية إلى حيث يمكن أن تتسبب بحدوث انفصال”.

حتى نفهم سبب وطبيعة اهتمام العلماء بانفصال لارسين سي، يجب أن نتعرف على طبيعة الصفائح الجليدية، وهي الحدود الخارجية للجليد الذي يمتد ببطء إلى البحر. تعوم الصفائح الجليدية على الماء، وبالتالي فإن تحولها من كتل جليدية مرتبطة باليابسة إلى جبال جليدية تعوم بحرية لا يساهم في رفع مستوى سطح البحر. ولكن وجودها يلعب دور طبقة واقية للجليد، بحيث يفصل الكتلة الجليدية التي تغطي اليابسة عن مياه البحر ذات الحرارة الأعلى.

يقول روبرت هاولي، بروفسور مساعد في علوم الأرض في جامعة دارتماوث: “تظهر الصفائح الجليدية عادة في أماكن تلعب فيها دور عزل أو دعم. تتحرك الأنهار الجليدية من اليابسة باتجاه الصفائح الجليدية، ولكن الصفائح الجليدية تبقيها في مكانها، وتمارس عليها نوعاً من الحراسة.”

تتحول الصفيحة الجليدية إلى جبل جليدي عندما تنفصل عن اليابسة وتعوم في البحر بشكل حر، وهو ما يحدث بشكل متكرر في القارة القطبية الجنوبية. ولكن لارسين سي اجتذبت كل هذا الاهتمام لأنها كانت إحدى أضخم حالات انفصال الجبال الجليدية التي تم توثيقها على الإطلاق. وقد تمت عملية الانفصال بسرعة كبيرة، وتمكنّا من مشاهدتها في مختلف مراحلها.

يقول لوكمان: “لا يقتصر جهد هذه المؤسسات على إتاحة بيانات أقمارها الصناعية للجميع قدر الإمكان فحسب، بل إنها تبذل كل جهدها لجعل المعلومات متاحة في الزمن الحقيقي تقريباً، خلال ساعاتٍ من التقاطها. وهو في حد ذاته تحسّنٌ لافتٌ في قدرتنا على مراقبة العالم”.

الصدع في الصفيحة الجليدية لارسين سي

في أواخر العام الماضي، أوردت ناسا أن الصدع وصل إلى طولٍ يُقدر بحوالي 112 كيلومتر، وبعرضٍ أكثر من 91 متر، وعمقٍ أكثر من 530 متر، وعندها دخلت لارسين سي حيز الاهتمام. اكتشفت ناسا الصدع المتفاقم خلال عملية المسح السنوية آيس بريدج للمنطقة القطبية الجنوبية. وتقوم عمليات المسح الجوية هذه بتعويض البيانات الناقصة للقمر الصناعي المخصص لمراقبة الغيوم والجليد وارتفاع اليابسة، آيس سات، والذي توقف عن تسجيل المعلومات في 2009 (سيتم إطلاق قمر آيس سات جديد في 2018 ليحل محله). تشتهر عمليات آيس بريدج بالتقاط صورٍ خلابةٍ للغاية، ولكن هدفها الحقيقي هو قياس سماكة الجليد القطبي بدقة.

تنبع الأهمية الحقيقية لبيانات الجليد القطبي من كونها تقدم لنا معلومات هامة حول الأرض. وعلى سبيل المثال، تلعب المياه حول القارة القطبية الجنوبية دوراً حساساً في التيارات المحيطية، ولكنه دورٌ غامضٌ بعض الشيء. كما أن سرعة ذوبان الصفائح الجليدية في القطبين تقدم لنا معلومات حول التغير المناخي وارتفاع مستوى سطح البحر.

تم تزويد آيس بريدج برادار للارتفاع (وسيتم تزويد آيس سات 2 به أيضاً)، وهو يمثل أيضاً طريقة عمل كرايوسات 2، القمر الصناعي المكافئ لآيس سات من وكالة الفضاء الأوروبية. ويقيس هذا الرادار الارتفاع بإرسال أمواج راديوية ومن ثم قياس الزمن اللازم لعودتها. قد لا تكشف الصور ذوبان الصفيحة الجليدية إلا بعد فوات الأوان، ولكن لا يمكن خداع رادار الارتفاع بهذه السهولة.

يقول هاولي: “يصغي هوائيان إلى الصدى مثل الأذنين. يمكن تحديد مصدر الصوت بقياس فرق زمن وصوله إلى كلٍ من الأذنين، وبنفس الطريقة، يمكن تحديد مصدر الصدى بقياس زمن وصوله إلى كل من الهوائيين.”

على عكس الأشكال الأخرى من أساليب القياس التي تعتمدها الأقمار الصناعية، لا تعتمد رادارات الارتفاع على الضوء، ولا تتسبب الغيوم بإعاقتها. ما يسمح لها بالحصول على بيانات دقيقة للغاية يمكن استخدامها للحصول على معلومات ارتفاع تفصيلية، وبناء صورة تقريبية للمشهد. إليكم صورة أنتجتها وكالة الفضاء الأوروبية باستخدام بيانات من كرايوسات 2، توضح حجم وأبعاد لارسين 2 قبل أن تنفصل.

قامت الأقمار الصناعية موديس لناسا، وكوبرنيكوس سينتينيل 1 لوكالة الفضاء الأوروبية، بالتقاط صورة الانفصال النهائي. يعمل القمر سينتينيل 1 في طيف الأمواج الميكروية، ويطلق الأمواج الميكروية إلى السطح ويلتقط الأشعة المنعكسة لتوليد صور عالية الدقة، حتى في حالة الطقس السيء، أو وقوع المنطقة القطبية في الظلام الدامس بسبب الشتاء.

يقول لوكمان: “يمكن لهذا القمر أن يعمل ليل نهار بغض النظر عن الغيوم، لأن الأمواج الميكروية قادرة على اختراقها. كما يمكنه العمل أثناء الليالي القطبية، وهو أمر هام لتحقيق مراقبة دقيقة بهذا الشكل.”

سمح سينتينيل 1 للباحثين بمراقبة لارسين سي، ولكنه كان يعاني من عيب واحد. حيث أنه قمر فعال، ما يعني أنه يرسل الإشارة إلى منطقة ما ويتنظر انعكاسها، ولكن لا يمكنه أن يفعل هذا في كل مكان في نفس الوقت.

يقول لوكمان: “تمت برمجة سينتينيل 1 فقط لالتقاط الصور كل بضعة أيام من هذه المنطقة، وهذا بالطبع يعود للحاجة إلى تخصيص ميزانية لوكالة الفضاء، وتحديد مقدار البيانات التي يمكن جمعها من أي منطقة. حيث كانوا يركزون أغلب جهودهم على شبه الجزيرة القطبية”.

أدرك الباحثون أن الانفصال سيحدث لا محالة، ولذلك بدأوا بالبحث عن قمر صناعي بديل. واختاروا موديس كأفضل بديل ممكن. أما الاسم موديس، MODIS، فهو اختصار لعبارة المقياس الطيفي الراديوي ذي الدقة المتوسطة، وهو مقياس حراري وضع في الواقع على متن قمرين صناعيين، آكوا وتيرا، يعملان معاً بتناغم. يمكن أن نشبّه موديس بكاميرا بدون مغلاق. أي أن التقاط الصور يتم بشكلٍ مستمر مع دوران القمرين الصناعيين حول الأرض.

نظراً لأن موديس يعتمد على التحسس الحراري، أي قياس الانبعاثات من السطح، يمكنه أن يعمل في ظلام الشتاء القطبي. كما يلتقط موديس صورة كاملة للكوكب كل يوم أو يومين، ما يعني أرجحية تسجيل ناحية ما من الانفصال. ولكن موديس ليس خالياً من العيوب أيضاً. حيث أن دقته ليست مرتفعة مثل سينتينيل، كما أن الغيوم تعيق عمله.

من حسن حظنا أن الطقس كان صافياً يوم الأربعاء 12 يوليو. كما صدف أن سينتينيل كان يبث الأمواج الميكروية فوق المنطقة القطبية في ذلك الوقت، غير أن موديس التقط الصورة الأولى.

انفصال لارسين سي كما التقطه موديس

انفصال لارسين سي كما التقطته وكالة الفضاء الأوروبية

في السنوات الأخيرة، ازداد عدد الانهيارات في الصفائح الجليدية في القطبين الشمالي والجنوبي. ويعتقد الجيولوجيون أن التزايد الحديث في معدل الانهيارات يمكن ربطه بالتغير المناخي، فعلى الرغم من أن الانهيارات أمر معتاد، إلا أن الجليد يتكون من جديد بعدها في الحالة الطبيعية، ويصبح أكبر. غير أن هذا لم يعد يحدث، حيث أن الجزء الغربي من القارة القطبية الجنوبية آخذ بالتقلص. ولكن في الوقت الحالي، لا يمكن تأكيد طبيعة انفصال لارسين سي، وما إذا كان مؤشراً خطيراً على تغير المناخ، أو نتيجة عمليةٍ طبيعيةٍ، أو مزيجاً معقداً من كلا العاملين.

يعتقد هاولي، وبقلق، أننا لا ننظر إلى الوضع من المنظور الأكبر، وأننا يجب أن نراقب ما يحدث بعد انفصال لارسين سي.

يقول هاولي: “عندما انفصلت الصفيحة الجليدية لارسين سي، تسارعت الأنهار الجليدية التي كانت تصب فيها، وحافظت على هذه السرعة العالية. وعلى الرغم من أن الصفيحة الجليدية نفسها لا تساهم في ارتفاع مستوى سطح البحر، فإن فقدانها وانعدام دورها الداعم يساهم بشكلٍ غير مباشر في ارتفاع مستوى سطح البحر بسبب تسارع الأنهار الجليدية.”

أطلق على لارسين سي اسم الجبل الجليدي A68، وسيتم تتبعها لبعض الوقت. وسيشكل حجمها الضخم مشكلة في حال اقتربت من مسارات السفن. كما أنها انكسرت إلى قطعتين كبيرتين.

بوجود هذه الأقمار الصناعية التي ساعدتنا على اكتشاف انفصال A68، سنتمكن أيضاً من متابعة المراقبة بدقة.

يقول لوكمان: “أتتنا معظم معلوماتنا حول القارتين القطبيتين الشمالية والجنوبية من الأقمار الصناعية.”

error: Content is protected !!