Reading Time: 4 minutes

في مدينة ترورو في إقليم «نوفا سكوتيا» في كندا، وفي أحد أيام الجمعة أواخر شهر فبراير/ شباط (قبل فرض إجراءات الحجر الصحي)، وتحديداً في ساعة الذروة، قمت بتسجيل 80 ثانية من أصوات الضوضاء عند تقاطع أحد الشوارع. ثمّ عدت مجدداً في 3 أبريل/ نيسان إلى نفس المكان بعد تطبيق إجراءات الحجر الصحي (الإغلاق العام) لتسجيل أصوات الضوضاء. بدا المكان فارغاً وهادئاً تماماً، حيث شهدت عموم المدن والبلدات الكندية انخفاضاً كبيراً في مختلف مجالات الأنشطة الاجتماعية والترفيهية والصناعية والاقتصادية بسبب إجراءات الحجر الصحي لوقف انتشار فيروس كورونا.

وبخلاف البيانات البصرية؛ فإن البيانات الصوتية للمدن الحَضرية توفر صورة أشمل عنها، حيث يمكننا سماع صوت الضوضاء التي تصدر من مبانٍ بعيدة للغاية لا تظهر في المشهد. يعد البشر المصدر الرئيسي للضوضاء، حيث تصدر عن آلاتهم وسياراتهم، ومنهم أنفسهم.

أظهرت المقارنة بين أصوات الضوضاء التي سجلتها بين شهريّ فبراير وأبريل -قبل وبعد فرض إجراءات الحجر الصحي- انخفاضاً واضحاً في البصمة الصوتية في المناطق الحضرية، وزيادة في الأصوات الطبيعية.

طبيعة, بيئة, كوورنا, حجر صحي, صوت الطبيعة

تقرير يعود إلى عام 1900 يوضّح مصادر الضوضاء في أحياء مدينة نيويورك — مصدر الصورة: لجنة دراسة الضوضاء في مدينة نيويورك، 1929

ضوضاء المناطق الحَضرية

كانت الضوضاء مصدر قلقٍ لسكان المُدن منذ العصر الروماني. على سبيل المثال؛ مُنعت المركبات المُجنزرة في روما من السير ليلاً في الشوارع المعبّدة بالحجارة. أما اليوم، ومع تطور المدن وانتشار الصناعة فيها، أصبحت الضوضاء هي المشكلة الرئيسية التي يعاني منها السكّان، وتؤثر على «جودةِ الحياة» في مدن كبيرة مثل نيويورك.

تُقاس شدّة الصوت بالديسيبل. كلما ارتفعت قيمة الديسيبل ترتفع شدة الضوضاء نسبياً، وتضيف كل 10 ديسبيل ضجيجاً إلى البيئة الصوتية بمقدار الضعف تقريباً.

كل شيء تقريباً يصدر ضوضاء يمكن قياسها. على سبيل المثال، يبلغ ضجيج التنفس 10 ديسيبل، والمحادثة العادية 60 ديسيبل، وتبلغ شدّة الأصوات الأعلى؛ مثل المنشار 110 ديسيبل، بينما تصل شدّة ضجيج صفّارات الإنذار إلى 120 ديسيبل، ويصل ضجيج إطلاق الصاروخ حتى 180 ديسيبل. تقول منظمة الصحة العالمية أن التعرّض المنتظم لضجيج يبلغ 85 ديسيبل (السيارات والشاحنات) وأكثر من ذلك يعتبر أمراً خطراً. كما أن سماع أصوات تبلغ شدّتها 100 ديسيبل (كالأعمال الإنشائية والصناعية) لمدّة 15 دقيقة في اليوم؛ يؤدي إلى فقدان السمع بشكلٍ دائم.

ومع زيادة عدد الأصوات في بيئاتنا الحضرية؛ ترتفع معها شدّة الأصوات الأخرى ذات الأهمية الأكبر. على سبيل المثال، رُفعت شدة صوت صفّارات إنذار الشرطة بمقدار 40 ديسيبل في العديد من مدن أميركا الشمالية نتيجة زيادة حركة المرور، وزيادة نشاط الشارع حولها، وارتفاع مستوى الصوت العام في المدن عموماً. في الواقع، يجب أن يكون صوت منبّه سيارة الإسعاف أو الشرطة أو الإطفاء أعلى من بقية الأصوات كي ينبّه الآخرين حتى يفسحوا المجال أمامها. لكن هناك ضوابط صارمة في العديد من المدن الكبيرة -مثل فانكوفر وتورنتو– للتحكّم بمستوى الضجيج فيها لضمان الصحة والسلامة العامة.

وعلى النقيض من ذلك، تُعتبر الأصوات الطبيعية -مثل صوت الماء والطيور والحيوانات والبيئة المحيطة- ممتعة أكثر من تلك الموجودة في البيئات السمعية الحَضرية. وفي هذا الصدد، يسعى علم البيئة السمعي (مفهوم وضع أسسه الموسيقي والكاتب الكندي «آر. موراي شيفر» وفريقه في جامعة «سيمون فريزر»)؛ إلى إيجاد حلول للوصول إلى بيئة صوتية متوازنة تكون فيها علاقة متناغمة بين المجتمع البشري وبيئته الصوتية.

في الواقع، هناك سوق استهلاكية يمكن الحصول منها على المقاطع الصوتية الطبيعية وغيرها من الأصوات التي تخفف التوتر. فالأصوات الطبيعية لها علاقة قوية بأهمية الوعي البيئي والحفاظ عليه. في عام 1949؛ كان علماء الأحياء في كيبك أول من قاموا بتسجيل أصوات الثدييات البحرية لحث الناس والمجتمع على ضرورة الحفاظ عليها، وتوعيتهم بأهميتها البيئية. وقد يغيّر مجال الصوتيات البيئية (الصوتيات الحيوية) كيفية تقييم الباحثين لصحة النظام البيئي، وتأثير البشر فيه.

وكجزء من عمل «مختبر أداء البنية التحتية الخضراء» في جامعة دالهوزي؛ أدرس الاختلافات بين البيئة الحضرية والريفية، وأحقق في التغييرات التي تحدث بسبب التوّسع العمراني والنشاط البشري.

تقع الأصوات التي سجّلتها في 5 مجموعات ونطاقات عامة مُقاسة بالديسيبل كالتالي:

  • الطبيعة (10 – 50 ديسيبل): ضجيج منخفض ناجم عن أصوات مثل حفيف أوراق الشجر، الرياح، والأمطار.
  • البشر (60 – 85 ديسيبل): ضجيج الأجواء الاجتماعية والثقافية مثل الرياضة والأحاديث العامة، وصوت التلفزيون والراديو والهاتف وغيرها من الأدوات الصغيرة.
  • الحياة الحضرية (65 – 95 ديسيبل): صفّارات الإنذار والمشي، أصوات الدرّاجات الهوائية والسفن والطائرات ونباح الكلاب.
  • السيارات (70 – 95 ديسيبل): يمكن أن تختلف أصوات السيارات تبعاً لنمط المحركات والسيارة، وجودة تعبيد الطرق.
  • الضجيج الصناعي (75 – 100 ديسيبل): ضجيج أعمال البناء والصناعة والزراعة وغيرها من الأنشطة الاقتصادية البشرية.

كان من الشائع سماع أصوات المركبات والحياة الحَضرية (الطائرات والسيارات ونباح الكلاب وغيرها) في تسجيلي الأول في شهر فبراير، وهي الأصوات التي عادة ما تقع في نطاق 60 – 100 ديسيبل.

ولكن في أبريل/ نيسان بعد فرض إجراءات الحجر الصحي؛ استطعت سماع أصوات طبيعية جديدة في التسجيلات التي قمت بها؛ مثل أصوات حفيف أوراق الشجر، الرياح، خرير المياه، والطيور، والتي يقع نطاقها تحت مستوى 50 ديسيبل، حيث كانت محجوبة بسبب أصوات النشاط البشري المرتفع.

أصوات الطبيعة مهمة لنا

هناك إيقاع للأصوات الحَضرية في المدينة. خلصت الدراسات إلى أن ضجيج المدن الحضرية مريح بالنسبة للبعض. وبغض النظر عن ذلك، فإن الإنسان لديه آليات بيولوجية وعصبية تُحفّز ردود فعل فيزيولوجية ونفسية معيّنة؛ استجابة لتنبيه الأصوات الطبيعية. في الواقع، لدى الأصوات الطبيعية القدرة على تخفيف الضغط والتوتر، والتأثير علينا بطرقٍ مختلفة عن تأثير ضوضاء الأصوات الحَضرية. ويعتبر ذلك «بيوفيليا»، أو بعبارة أخرى، استعدادنا الوراثي وميلنا نحو الطبيعة.

كما تؤثر مستويات الضوضاء على صحتنا. حيث تشير الكثير من الأبحاث التي أجريت حول فوائد الأصوات الطبيعية إلى نظرية «استعادة الانتباه»، ونظرية «التعافي من الإجهاد» والتي تؤكّد على قدرة الجسم والدماغ على التعافي من الإجهاد، واستعادة طاقته مجدداً.

هناك فوائد كثيرة للاستماع إلى أصوات الطبيعة، مثل انخفاض معدل ضربات القلب، وانخفاض مستوى التوتر والقلق، وزيادة العواطف الإيجابية والرفاهية بشكلٍ عام، وزيادة الإنتاجية.

في الواقع، غالباً ما تُفصل أنماط الحياة الحَضرية عن البيئة الطبيعية. لذلك قد يكون سماع أصوات الطبيعة أمراً نادراً بالنسبة لسكان المدينة. ومع ذلك، فهذه الأصوات موجودة، ولكّن أصوات ضجيج النشاط البشري طغت عليها. أخرج إلى شرفة منزلك، واستمع لأصوات الطبيعة في حيّك، إنها هبة مجانية من الحياة.

تمم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن