Image

تعرّف على الاضطرابات الجوية المتعلقة بالحرارة والرياح والمياه.

Bread assortment العديد من المطارات مبنية في المناطق الساحلية المنخفضة. مصدر الصورة: Flickr user Ronnie Robertson

إن السفر جواً أحد المتاعب المعاصرة. فقبل أن تسافر هناك الكثير من الإجراءات الروتينية -طوابير أمن المطار، المقاعد الضيقة على متن الطائرة، وتأخر الطائرة عند الوصول إلى وجهتك- فضلاً عن التأخيرات والإلغاءات التي لا يمكنك توقعها مسبقاً.

وفي السنوات المقبلة، من الممكن أن يصبح السفر الجوي أمراً محبطاً أكثر بسبب تغير المناخ. إن التيار النفاث أقوى شدةً في الأجواء المرتفعة ما يعني أنك عندما تكون على متن الطائرة من المرجح تماماً أن تصادف اضطراباً جوياً. وإذا كنت تسافر جواً من أوروبا إلى الولايات المتحدة -بمعنى آخر أنك تسافر ضد التيار النفاث- فقد تستغرق رحلتك وقتاً أطول من المعتاد.

وليس هذا كل شيء، هناك المزيد. سيتعين على قطاع الطيران أيضاً أن يتصدى لارتفاع مستويات البحار والعواصف الشديدة والموجات الحرارية. كما أن الاضطرابات الجوية التي تؤجل أو تعطل الطائرات وتسبب الأضرار للمطارات ستصبح أكثر شيوعاً.

“إن أحداث الطقس تصبح أكثر حدة وقوة عموماً، والأحوال الجوية من الحرارة أو العواصف أو الفيضانات التي تسبب الاضطرابات الجوية جميعها ستؤثر سلباً على قطاع الطيران” يقول إيثان كوفل، طالب متخرج في علم المناخ من جامعة كولومبيا ويدرس الطقس المتطرف. ويضيف “ستتأثر العديد من جوانب السفر الجوي بهذا، مع أننا لم نبدأ إلا الآن في دراسة ماهية هذه التأثيرات وكيفية التكيف معها”.

وفي هذا المقال سنستكشف ما الذي قد يسببه الاضطراب لرحلتك الجوية في مختلف جوانبها.

عدد مقاعد أقل في الطائرة أثناء درجات الحرارة الشديدة

تسببت موجة حرّ في فينيكس الصيف الماضي في إلغاء أكثر من 40 رحلة جوية لأن درجة الحرارة وصلت إلى مستوى حارق قدر بـ 119 فهرنهايت (حوالي 49 درجة مئوية) وقد كانت طائرات بومبارديه الإقليمية هي الأكثر تضرراً من ذلك، لأنه لا يسمح لها بالطيران في درجات حرارة تفوق 118 درجة فهرنهايت. أما طائرات البوينغ والآيرباص الأكبر حجماً فقد تمكنت من الإقلاع بشكل طبيعي.

ومع ذلك فحتى درجات حرارة شديدة أقل من تلك قد تتسبب في عدة مشاكل للطائرات. لأنه عندما ترتفع درجات الحرارة يصبح الهواء أقل كثافة مما يصعّب المهمة على الأجنحة لتوليد ما يكفي من قوة الرفع أثناء الإقلاع. وبالتالي يسهّل التخلص من بعض الأوزان -بعبارة أخرى حمل عدد أقل من المسافرين أو عدداً أقل من البضائع- على الطائرة أن ترتفع في الجو.

ومن المرجح مستقبلاً أنه سيكون على 10 إلى 30 بالمئة من الرحلات الجوية التي تقلع أثناء أسخن فترة من اليوم أن تتقيد بأوزان محددة، كما كتب كوفل وزملائه العام الماضي في بحثه لمجلة التغير المناخي. قام فريق البحث بدراسة 19 مطاراً كبيراً في جميع أنحاء العالم وتحققوا من التوقعات المناخية لهذه المناطق للفترة ما بين 2060 إلى 2080. ووجدوا أن درجات الحرارة التي تسبب المشاكل للرحلات الجوية تعتمد على نوع الطائرة وعلى ارتفاع المطار عن مستوى سطح البحر وعلى طول المدرج. إن وجود المطار على ارتفاع عالي يعني هواءً أقل كثافة، ويعني قصر طول المدرجات مسافة أقل أمام الطائرة لخلق السرعة الإضافية التي تحتاجها للإقلاع في الأيام شديدة الحر. وستكون رحلات الطيران الطويلة على الأخص معرضةً للمشاكل بما أن طائراتها مضطرة لملء خزانات وقودها بشكل كامل مما يجعلها أثقل وزناً. ويقول كوفل أنه وفي بعض الحالات، ستكون درجات الحرارة كـ 33 درجة مئوية أو 38 درجة مئوية كافية لمنع طائرة من الإقلاع إن كانت في وزنها الأقصى.

وهذا يعني أن بعض المطارات ستعاني أكثر من غيرها. فمطار لاغوارديا نيويورك مثلاً لا يملك إلا مساحة تكفي مدرجات قصيرة. وفي هذا الوضع يقول كوفل “لا يتطلب الأمر وجود درجات حرارة مرتفعة جداً لتضطر لوضع حد أقصى لوزن الطائرة”. ومع أن المطارات في فينيكس ودبي لديها مدرجات أطول إلا أنها تعاني من الحرارة الشديدة. كما يعاني مطار فينيكس الدولي سكاي هاربر من مشكل آخر يتمثل في ارتفاعه 1000 قدماً عن سطح البحر.

من ناحية أخرى، لن تتأثر كثيراً تلك المطارات المبنية في مناطق ذات طقس معتدل وتتمتع بمدارج طويلة نسبياً (مثل مطار جون كينيدي الدولي بنيويورك، أو مطار هيثرو بلندن أو مطار شارل ديغول في باريس). ويقول كوفل “لن تعاني المطارات في غرب أوروبا من هذه المشكلة لأن الطقس هناك لا يصل غالباً إلى درجات حرارة شديدة”.

أما بالنسبة للطائرات التي تحتاج إلى تخفيف الوزن، فالحد الأقصى للوزن يتراوح ما بين 0.5 إلى 4 بالمئة من وزن الوقود والحمولة. وإذا أخذنا طائرة بوينغ 737 مثلاً، فإن تخفيف وزنها بنسبة 0.5 بالمئة يعني التخلي عن 327 كيلوغرام، أو حوالي ثلاثة مسافرين وأمتعتهم. ويقول كوفل “وإذا قمت بهذا التخفيض في عدة رحلات جوية سيكلفك ذلك مبلغاً كبيراً من المال” إن طائرات الرحلات الجوية التي تعمل في المناطق شديدة الحرارة مثل دبي تقدم بالفعل عدد مقاعد أقل إذا كانت ستقلع أثناء الفترة الأسخن من اليوم، لكن هذا سيصبح أكثر شيوعاً في السنوات القادمة، كما يقول كوفل.

ولحسن الحظ أن المسافرين على الأرجح لن يتأثروا بوضع حدود أخرى لوزن أمتعتهم أو تكليفهم سعراً أكبر؛ بل المتوقع أن تضطر شركات الخطوط الجوية لعرض مقاعد أقل في بعض الرحلات الجوية، يقول كوفل. ومع ذلك وفي حالات نادرة وعندما ترتفع درجات الحرارة إلى حد غير متوقع قد يخسر بعض المسافرين مقاعدهم التي حجزوها لرحلتهم الجوية.

تستطيع شركات الخطوط الجوية أن تقلص أضرار درجات الحرارة المرتفعة ببناء مدرجات أطول. لكن تمديد المدرجات مكلّف مالياً وغالباً ما لا يوجد هناك مساحة أخرى كافية إن كان المطار مشيداً في منطقة حضرية. يتمثل الحل الآخر في إعادة جدولة المزيد من الرحلات الجوية الطويلة وجعلها تقلع في فترات اليوم الأبرد.

المطارات ستعاني من الأضرار

إن قطاع الطيران معرض بشكل خاص لتأثيرات تغير المناخ لأن أي اضطراب جوي كاف يتسبب في التأخيرات وإعادة توجيه الرحلات الجوية. يقول كوفل “إن الطائرات تعمل ضمن جدول عمل ضيق، والتخلف عن المواعيد يتسبب في فوضى تشمل شبكة الخطوط بأكملها”.

وليس ببعيد عنا تسببُ إعصار ماريا وإعصار إيرما خريف هذا العام في فوضى كبيرة في مجال السفر الجوي في الجنوب الشرقي من البلاد ومنطقة البحر الكاريبي. “من المتوقع أن يجعل تغير المناخ هذه الأحداث تعود بشكل أكثر وتيرة وأقوى شدة” تقول راشيل بربيدج، مسؤولة سياسات البيئة وتغير المناخ في يوروكونترول  (Eurocontrol) وهي منظمة متخصصة في تحسين إدارة الحركة الجوية في جميع أنحاء أوروبا. إن العواصف الشديدة والرياح العاتية يمكن أن تضر أبراج التحكم وتجهيزات المطار الأخرى، في حين أن مياه الفيضانات تستطيع غمر ساحات المطار ومحطاته والمنشآت الكهربائية تحت الأرض مما يتسبب في انقطاع التيار الكهربائي.

أما المناطق المنخفضة الارتفاع فقد تصبح مغمورة بالمياه بشكل دائم. وفي السنوات الماضية، بُنيت العديد من المطارات بتخطيط مسبق في المناطق الساحلية. “إننا نجنّب مجتمعاتنا ومدننا الضجة الصوتية التي تتسبب بها المطارات ونجعلها بعيداً عنهم” تقول بربيدج وتضيف “لكن الوضع تغير الآن لأننا نواجه مخاطر ارتفاع مستوى مياه البحر”.

من جانب آخر تواجه المطارات مشكلاً حقيقياً عندما تبدأ درجات الحرارة بالارتفاع بشدة لدرجة أنها تذيب -فعلياً- المدرج الاسمنتي. ففي عام 2012 علقت طائرة أثناء محاولتها الإقلاع من مطار رونالد ريغان الوطني بواشنطن العاصمة، حيث غاصت الطائرة 11 سنتمتراً داخل المدرج. هناك أيضاً خطر أن المباني التي صُممت في الأصل لتحمل مناخ أقل حدة لن تستطيع الصمود أثناء موجات الحرارة المرتفعة التي تضر الموظفين وتتلف المعدات والتجهيزات الداخلية.

لقد شرعت المطارات بالفعل في التحضير والتجهز لهذه المخاطر. فبعد أن غمر إعصار ساندي مطار لاغوارديا بمئة مليون غالون من مياه الفيضان سنة 2012، بدأت هيئة ميناء نيويورك ونيوجيرسي في البحث عن طرق تصريف مياه أفضل وإجراءات وقاية أكثر فعالية لحماية معدات المطار الكهربائية. وفي ذات الوقت سيتم تصميم المحطة الجديدة التابعة لمطار نيوآرك ليبرتي الدولي بنيو جيرسي مع النظر بعين الاعتبار لإجراءات الوقاية من ارتفاع مستوى مياه البحر مستقبلاً. أما مطار جون كينيدي الذي غُمر بالمياه المالحة التي أتت من خليج جامايكا وحوض برغن أثناء إعصار ساندي، فهو يشيد الآن بوابات مد وجزر لحمايته مناطقه المنخفضة.

وفي مناطق أخرى من العالم، سيتم حماية المدرج الثالث المقرر بنائه في مطار هونج كونج الدولي بجدار بحري بطول 21 قدماً ونظام صرف مياه مصمم لاحتواء الفيضانات المستقبلية. وفي النرويج تقع الكثير من المطارات التي تديرها شركة أفينور (Avinor) المملوكة من قبل الحكومة على السواحل؛ والآن قررت أفينور بناء مدرجات مستقبلية لا يقل ارتفاعها عن 23 قدماً فوق مستوى سطح البحر.

الرحلات الجوية مستقبلاً

سواء أكان هناك تغير مناخ أو لا فإن السفر الجوي لن يبطء وتيرة ازدياده. يتوقع الاتحاد الدولي للنقل الجوي بأن عدد الركاب الذين يسافرون جواً كل عام سيتضاعف ليصبح 7.8 مليار شخص بحلول عام 2036.

ولكي تكون الأمور على يرام وتعمل الحركة الجوية بسلاسة لا بد على شركات الطيران الشروع في التخطيط للوقاية من الفيضانات وموجات الحرارة وغيرها من الاضطرابات الجوية التي نشهدها اليوم. “إن التحدي الرئيسي الذي يواجه التكيف مع تغير المناخ يتمثل في إيجاد التمويل الكافي لدعم مشاريع التكيف وتنفيذها” يقول نيل دكسون مدير قسم المعايير البيئية في منظمة الطيران المدني الدولي في أحد رسائله الإلكترونية لنا.

ومن المرجح أن تصبح الرحلات الجوية أكثر إزعاجاً في معظم الأوقات وأكثر عرضة للاضطرابات الجوية في ظل التأثيرات المستمرة لتغير المناخ. “وبطبيعة الحال في حالة إعصار إيرما أو ماريا ليست هناك الكثير مما يمكنك فعله” تقول بربيدج وتضيف “لن نعود أبداً إلى ما كنا عليه من قبل”.

ومع ذلك تأمل راشيل بربيدج وغيرها من الباحثين أن يصمد قطاع الطيران أمام آثار تغير المناخ. تقول بربيدج “إن قطاع الطيران يقاوم الطقس المضطرب منذ اختراعنا للطائرة وحتى الآن”. وتضيف “لذلك لا أعتقد أن تحدي تغير المناخ عقبة لا تقهر”.

لا زال لدينا الوقت لتخفيف هذه الاضطرابات بتقليص انبعاثات الاحتباس الحراري (ويعتبر التخلي عن الرحلات الجوية غير الضرورية خطوة أولية ممتازة لفعل ذلك). ومع ذلك فلن نستطيع تجنب كل تأثيرات تغير المناخ.

“سنتمكن من التكيف مع هذه التغيرات، لكننا سندفع الثمن” يقول كوفل. ويضيف “إن صيانة ما لدينا اليوم والمحافظة على أدائه تكلفنا المال، لذلك حتى وإن قمنا بالتكيف ونجحنا في ذلك فنحن أساساً ندفع ثمن تغير المناخ”.

error: Content is protected !!