Reading Time: 4 minutes

بعد ظهور اعراض فيروس كورونا المستجد على معظم الناس، أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية عالمية بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد على مستوى العالم. بعد يومٍ واحد، دعا صندوق «ويلكم ترست» الخيري لتمويل الأبحاث وتحسين صحّة الإنسان والحيوان؛ الباحثين والدوريات العلمية والممولين في جميع أنحاء العالم؛ إلى تبادل بيانات البحوث والاكتشافات ذات الصلة بفيروس كورونا بسرعة وانفتاح، وذلك لتثقيف الناس والمساهمة في إنقاذ الأرواح.

وفي نفس اليوم، أطلق مشروع البنية التحتية الوطنية الصينية للمعرفة موقعاً إلكترونياً مجانياً، ودعا العلماء إلى نشر أبحاثهم حول فيروس كورونا الجديد مع إمكانية الوصول المفتوح. وبعد فترةٍ وجيزة، نشرت المجلة العلمية البارزة «نيتشر» مقالةً افتتاحية حثت فيها جميع الباحثين في فيروس كورونا على مواصلة المشاركة، وإتاحة وصول المعلومات للجميع.

إذاً بينما تُغلق المدن والحدود استجابةً لتفشي فيروس كورونا، يُصبح العلم أكثر انفتاحاً. وهذا الانفتاح يصنع بالفعل فرقاً في استجابة العلماء للفيروس ويمكن أن يغيّر العالم. لكّن الأمر ليس بهذه البساطة مثل إتاحة الاكتشافات البحثية للعموم لأي غرض. فبدون أخذ الحذر وتحمّل المسؤولية، هناك إحتمالٌ لإساءة استخدام العلوم المفتوحة، أو المساهمة بنشر معلوماتٍ مضللة.

إتاحة المعلومات

قد تتخذ العلوم المفتوحة (المتاحة) أشكال متعددة مثل: البيانات، الأبحاث العلمية، والموارد التعليمية المفتوحة.

1. البيانات المفتوحة

لتسلسل الحمض النووي (دنا) أهمية كبيرة في تطوير أدواتٍ تشخيصية مُحددة للمرض حول العالم. كان العالم «يونغ زِن زانج» وزملاؤه من جامعة فودان في شنغهاي؛ أوّل من نشر تسلسل الحمض النووي لفيروس كورونا. حيث وضعوا التسلسل الجيني للفيروس في بنك الجينات، وهو عبارة عن قاعدة بيانات مفتوحة تضم جميع تسلسلات الحمض النووي، ومتاحة للجميع. بدأ الباحثون في جميع أنحاء العالم على الفور بتحليله لتطوير عملية تشخيص الفيروس.

اعتباراً من 19 فبراير/ شباط، تمت مشاركة 81 تسلسل محتمل لجينات فيروس كورونا في بنك الجينات يمكن الوصول إليها، بالإضافة إلى 189 تسلسلاً آخر من خلال المركز الوطني الصيني للبيانات الوراثية. تتيح هذه البيانات للعلماء فكّ شفرة الفيروس الوراثية، وتسرّع بالتالي عملية البحث عن علاج أو لقاحٍ له.

كما تقوم منظمة الصحة العالمية والمنظمات الوطنية مثل المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها بنشر بيانات إحصائية مفتوحة، مثل عدد المرضى. يمكن أن يساعد ذلك الباحثين على تحديد موقع انتشار الفيروس وتقديم المعلومات العامة المُحدّثة والشفافة.

2. المنشورات العلمية المفتوحة

الوصول إلى المنشورات العلمية مكلفٌ جداً. على سبيل المثال، تبلغ تكلفة الوصول إلى المقالات العلمية في دورياتٍ علمية مثل «إلسيفير جورنال» و «تيتراهيدرون ليترز» 16382 جنيه استرليني مقابل الاشتراك السنوي للمؤسسات، و673 جنيه استرليني للاشتراك الفردي السنوي. وحتّى جامعة هارفارد، لا تستطيع تحمّل تكلفة الاشتراك في جميع الدوريات العلمية. وذلك يعني أنه لا يمكن لجميع الباحثين الوصول إلى جميع المنشورات العلمية التي تتطلب دفع الأموال مقابل ذلك.

يمكن للمؤلفين نشر مقالاتهم واتاحة الوصول إليها مجاناً، لكّن ذلك يعني أن عليهم تحمّل تكلفةٍ قدرها 2000 جنيه إسترليني للناشرين في المتوسط ​​كتلفةٍ لمعالجة المقالات. في عام 2018، كان 36.2% فقط من المنشورات العلمية مجانية.

ومنذ 18 فبراير/ شباط هذا العام، نُشرت 500 مقالة علمية حول فيروس كورونا المستجد على موقع قاعدة البيانات العلمية الشاملة «دايمنشنز»، لكّن 160 مقالة منها (أي 32%) فقط كان من الممكن الوصول إليها مجّاناً، بما فيها تلك المنشورة على موقعي «بيوريكسف» و«أراكسف»، واللذان يتيحان نشر المقالات العلمية والوصول إليها بالمجّان، قبل أن تخضع لتقييم الخبراء العلميين.

بالنسبة لقراءة المقالات المتبقية (340 مقالة)، ستحتاج إلى دفعِ رسومٍ لقراءتها. ومع ذلك، أتاحت الشركات المئة التي وقّعت على بيان صندوق ويلكوم ترست الخيري المتعلّق بمشاركة الأبحاث حول فيروس كورونا، أتاحت الوصول إليها بالمجّان.

وقد أنشأ كلّ من الناشرين الرئيسيين مثل إلسيفير، سبرينغر نيتشر، ويلي اونلاين ليبراري، إميرالد، أوكسفورد يونيفرسيتي برس، وانفانج؛ صفحةً مفتوحة البيانات تُعنى بنشر المقالات والأبحاث المتعلّقة بفيروس كورونا المستجد. كما عرضت قاعدة البيانات الصينية «سي كيو في آي بي» الوصول المجاني إلى جميع الدوريات العلمية التي يبلغ عددها 14 ألفاً؛ خلال فترة تفشّي فيروس كورونا.

ونظراً لأن نشر المقالات العلمية يستغرق 160 يوماً في المتوسط بعد أن تخضع لتقييم الخبراء، يمكن أن يوفّر نشر مسوّدة المقالات غير المُدققة الوقت وإنقاذ الأرواح. حيث يفيد الوصول المجّاني إلى المقالات العلمية المتعلقة بفيروس كورونا بتسريع الأبحاث العالمية حوله.

3. الموارد التعليمية المفتوحة

بسبب تفشّي فيروس كورونا، علّقت الجامعات في الصين الفصول الدراسية الجديدة، وانتقلت إلى أسلوب التعليم على الإنترنت. توفّر الجامعات في الصين، بما فيها أفضل الجامعات (مثل جامعة بكّين وتسينغهوا وشيان جياوتونغ)، دوراتٍ تثقيفية للعامّة مجانية حول فيروس كورونا، إلى جانب 24 ألف دورة مجّانية حول مواضيعٍ أخرى على الإنترنت. يمكن أن تقدّم هذه الدورات للعامّة معلوماتٍ موثوقة تستند إلى البحوث الأكاديمية، وتساعدهم على فهم وحماية أنفسهم بشكلٍ أفضل ضد الفيروس.

مسؤولية العلوم المفتوحة

بالرغم من أن كل هذه التطورات إيجابية، من المهم أن نتذكر أن العلم المفتوح لا يعني العلم بلا حدود. يجب أن يستخدمه الباحثون والعامة بشكلٍ مسؤول.

في البداية، يحتاج الباحثون إلى الاحترام المتبادل فيما يتعلق بسلامة أبحاثهم. على سبيل المثال، أشارت تقارير إلى حدوث خلافاتٍ حول ما إذا كان العلماء بحاجة إلى طلب الموافقة لإعادة استخدام بيانات المنشورات الأولية؛ غير الخاضعة للتقييم المتعلّقة بالتسلسل الجيني لفيروس كورونا.

على افتراض أن الباحثين يتصرفون بحسن نية، وليس فقط لتحسين حياتهم المهنية، لا يزال من المهم بالنسبة لهم توضيح الشروط التي ينشرون فيها أبحاثهم مجاناً، ومراجعة هذه الشروط ومتابعتها بعناية عند استخدام بيانات الباحثين الآخرين. يعتبر الاستخدام المسؤول لبيانات المنشورات غير الخاضعة للتقييم أمراً مهماً لتعزيز ثقافة علمية تشجع التعاون الشفاف والصريح.

هناك أيضاً مشكلات في جعل البحث متاحاً دون مراجعة الخبراء -كما يحدث مع المواقع التي تقدم نشر المقالات غير الخاضعة للتقييم-، حيث يمكن أن يحدث سوءٌ في تفسيرها وأخطاءٌ بسهولة. على سبيل المثال، زعم أحد الأبحاث المنشورة على موقع «بيوريكسف» في الثاني من فبراير/ شباط 2020 أنها اكتشفت أن تعديلاً تمّ على الحمض النووي لفيروس كورونا الذي أظهر تشابهاً غريباً مع الحمض النووي لفيروس الإيدز.

بعد الانتقاد الشديد الذي وُجّه إلى ما ورد في مقالتهم، سحب مؤلفوها البحث من الموقع قائلين أنهم لم يقصدوا «تعزيز نظرية المؤامرة» بمضمون بحثهم؛ الذي يقترح أنّ فيروس كورونا قد صُمّم عن عمد لأهدافٍ شريرة. وقد أدان 27 عالماً من 8 دولٍ في بيانٍ مفتوح لدورية لانسيت الطبية الرائدة مثل هذه النظريات التي تفترض مؤامرةً في تفشّي فيروس كورونا.

وحتّى 19 فبراير/ شباط، كانت المقالة المسحوبة أكثر المقالات العلمية تدوالاً ونقاشاً في الأخبار العالمية، وعلى وسائل التواصل العالمي وفقاً لموقع ألتيمتريك للتصنيف الأكاديمي. ربما سُحبت المقالة، لكنّها لن تُنسى.

العلم المفتوح بالغ الأهمية لمواجهة التحديات الكبرى في العالم. ولكن عندما يكون هناك احتمالٌ لإساءة استخدام المعلومات، أو تحريفها، أو إساءة تفسيرها على مستوىً عالمي بهذه السرعة، نحتاج أيضاً إلى ينتبه العلماء والعامّة إلى تناول هذه العلوم المفتوحة بحذرٍ ومسؤولية كبيرين.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن