Reading Time: 4 minutes

في أقل من 20 عاماً، تعرض العالم بأسره إلى سلسلةٍ من فاشيات الأمراض، بدءاً من سارس، مروراً بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)، إيبولا، وزيكا، وصولاً إلى جائحة فيروس كورونا. يعود أصل جميع الأمراض المعدية الناشئة -التي تصيب البشر- تقريباً إلى الأحياء الدقيقة التي تستضيفها أشكال الحياة البرية، والتي تنتقل بشكلٍ مباشر أو غير مباشر من خلالها إلى الإنسان، مثل االأمراض التي ينقلها البعوض، والقراد وغيرها.

تُعتبر الأنشطة البشرية -مثل النمو السكاني والهجرة واستهلاك الحيوانات البرية- من العوامل التي تزيد من احتكاكنا مع الحياة البرية، وبالتالي ازدياد احتمال انتقال وتفشي الأمراض الحيوانية بين البشر. في نفس الوقت، تخلق الطفرات الوراثية لدى الفيروسات وغيرها من الميكروبات فرصاً جديدة أكبر لظهور الأمراض لدى البشر.

لكن البشر ما زالوا يجهلون الكثير عن تنوع كوكبهم الحيوي، وعن أنظمته البيئية الطبيعية. فحتّى الآن لم يتمكّن البشر من التعرف سوى على مليوني نوع فقط، أو ما يُقدر بـ 20% من جميع الأنواع التي تعيش على الأرض برأينا. لقد أدى هذا الجهل الكبير بجميع جوانب التنوع الحيوي تقريباً إلى استجابةٍ غير فعالة وسيئة التنسيق وتستند إلى الحد الأدنى من العلوم فيما يتعلّق بالجوانب الرئيسية لجائحة فيروس كورونا.

في الواقع، لدينا موارد متنوعة عن تطوّر النباتات والثدييات والأمراض المعدية الناشئة، وقد حددنا -أنا وزملاء من جميع أنحاء الولايات المتحدة وفي 6 دول أخرى- في مقالة مشتركة نُشرت حديثاً مورداً لم يُستغل جيداً للتنبؤ بالأوبئة المستقبلية، وهو مجموعات التاريخ الطبيعي الموجودة في المتاحف حول العالم.

تحفظ هذه المجموعات عينات من الحيوانات والنباتات وغيرها من الكائنات الحية التي توضح تنوع الحياة على الأرض. وتُعتبر خزانات من المعلومات والعينات التي يمكن أن تساعد العلماء على تحديد المصادر المسببة للأمراض المحتملة، ومضيفاتها ومسارات انتقالها. كما نعتقد أن الاستفادة من هذه المجموعات بهذه الطريقة يتطلب المزيد من الموارد والتعاون بين علماء التنوع البيولوجي وتفشي الأمراض.

أرشيف الحياة على الأرض

تبين البحوث أن الأمراض حيوانية المنشأ قد زادت بسبب عبث الإنسان في الموائل الحيوانية. وعلى وجه الخصوص؛ فقد أدى تدمير البشر للغابات المطيرة في جميع أنحاء العالم إلى حدوث تماسٍ مباشر بين البشر والميكروبات التي تعيش على الحيوانات البرية بشكلٍ طبيعي، والتي يمكنها أن تسبب لنا الأمراض الناشئة.

ترتبط جميع الكائنات الحية على الأرض ببعضها البعض من خلال شجرة التطور. فمثلاً، تطورت الفيروسات والبكتيريا والميكروبات الأخرى مع مضيفاتها عبر ملايين السنين. لذلك قد لا يتسبب الفيروس الذي يوجد في مضيف برّي مثل الخفافيش مرضاً مميتاً لها، بينما يمكن أن يكون ممرضاً للغاية عند انتقاله إلى البشر. وهذا هو الحال مع الأمراض حيوانية المنشأ.

لسوء الحظ، غالباً ما تستند الاستجابات الوطنية لتفشي الأمراض إلى معرفة محدودة جداً بالبيولوجيا الأساسية، أو حتى بهوية العامل الممرض ومضيفه البرّي. بصفتنا علماء، نعتقد أنه يمكن الاستفادة من قرونٍ من المعرفة والموارد البيولوجية التي تحتويها متاحف التاريخ الطبيعي؛ لعمل خريطة طريق مستنيرة لتحديد منشأ، ومسار انتقال وتفشي الأمراض.

تعود هذه المجموعات من الحيوانات والنباتات والفطريات إلى قرونٍ مضت، وتُعد من أغنى مصادر المعلومات المتاحة عن الحياة على الأرض. وهي موجودة في متاحف متنوعة مثل مجموعة المتاحف الضخمة التابعة لمؤسسة «سميثسونيان» إلى متاحف الكليات الصغيرة. يقدّر أن متاحف التاريخ الطبيعي في العالم تحتوي مجتمعة على أكثر من 3 مليارات عينة، بما فيها عينات محفوظة من المضيفين المحتملين للفيروسات التاجية سارس وميرس، وكورونا. توفر المتاحف خريطة توزيع قوية مكانية وزمانية للتنوع البيولوجي على كوكبنا.

 

العوامل الممرضة المحفوظة

كيف يمكن للباحثين الاستفادة من هذه المجموعات في المتاحف للتنبؤ بالأمراض الناشئة؟ يُعطى لكل عينة -سواء كانت نباتاً أو حيواناً- أسماء علمية، وتصنّف حسب تاريخ ومكان الجمع، بالإضافة إلى معلوماتٍ أخرى ذات صلة. تدعم هذه السجلات فهم العلماء لأماكن العثور على الأنواع المضيفة، ومسببات الأمراض المرتبطة بها، والوقت الذي عاشت فيه هناك.

يمكن أن يساعد ربط موقع تفشي المرض بمضيفي الأمراض المحتملين الذين يعيشون في تلك المنطقة في تحديد المضيفين المحتملين، ومصادر مسببات الأمراض، ومسارات انتقال العدوى من المضيفين إلى البشر، ومن إنسان إلى آخر. ترتبط مجموعات التاريخ الطبيعي هذه في جميع أنحاء العالم من خلال قواعد بياناتٍ ضخمة عبر الإنترنت، ويمكن لأي باحث في أي مكان في العالم العثور على معلومات حول المضيفين المحتملين في مناطق بعيدة.

لكن ذلك أقل ما يمكن الاستفادة منه. فعالينات المحفوظة من القوارض أو الخفافيش، أو أي حيوانٍ مضيفٍ آخر تحمل العوامل الممرضة المحفوظة أيضاً، مثل الفيروسات التاجية مثلاً. هذا يعني أنه يمكن للباحثين التحري عن الميكروبات بسرعة باستخدام عينات جُمعت منذ عقودٍ أو أكثر لأهداف مختلفة كلياً. على سبيل المثال، يمكنهم استخدام هذه المعلومات لتحديد مسببات الأمراض بسرعة، وربطها بمضيفات برّية معينة، ثم إعادة بناء توزعها وتطورها في مضيفاتها جغرافياً.

تحتوي العديد من المجموعات على عينات مجمدة من الحيوانات المحفوظة في مجمداتٍ خاصة منخفضة الحرارة. ويمكن مسح هذه العينات بسرعة بحثاً عن الميكروبات ومسببات الأمراض البشرية المحتملة باستخدام التحليل الجيني. بالتالي يمكن للعلماء مقارنة تسلسلات الحمض النووي لمسببات الأمراض الموجودة في عينات الحيوانات مع العامل المسبب للمرض لتحديد، وتتبع مسارات الانتقال.

متاحف التاريخ الطبيعي, أوبئة, أمراض, دراسات

متحف سميثسونيان الوطني للتاريخ الطبيعي. تظهر مجمدات النتروجين التي تُحفظ فيها العينات — مصدر الصورة: دونالد إي. هيرلبرت / سميثسونيان

على سبيل المثال، لعبت عينات فأر «الأيل» الموجودة في متحف جامعة نيومكسيكو دوراً مهماً للغاية في التعرف السريع على الأنواع المكتشفة حديثاً من فيروس هانتا، والذي تسببت في 13 حالة وفاة في جنوب غرب الولايات المتحدة في عام 1993. وقد كشفت الدراسات اللاحقة التي أجريت على العينات المحفوظة؛ عن وجود العديد من الأنواع والضروب الجديدة من فيروسات هانتا في القوارض الأخرى مثل «الزبابات» والخلد، ومؤخراً في الخفافيش في جميع أنحاء العالم.

تمكين العلماء من الاستفادة من المتاحف الطبيعية

يمكن أن تحدث مجموعات التاريخ الطبيعي ثورة في دراسات الأوبئة والجوائح، ولكنها تحتاج إلى المزيد من الدعم للقيام بذلك.

فبالرغم من أنها تلعب دوراً أساسياً في علم الأحياء، إلا أن مجموعات متاحف التاريخ الطبيعي تعاني بشكلٍ عام من نقص التمويل، وقلة الموظفين. يفتقر العديد منها إلى العينات الحديثة أو الأنسجة المجمدة المرتبطة بها اللازمة للتحليلات الجينية. تؤخذ العديد من العينات بشكلٍ سيء، خصوصاً تلك العينات المهمة التي تأتي من أكثر البلدان تنوعاً حيوياً، والتي تقع بالقرب من المناطق الاستوائية.

للاستفادة من علوم التنوع البيولوجي في مجال البحوث الطبية والصحة العامة، تحتاج المتاحف -خاصة في بلدان التنوع البيولوجي العالي- إلى جمع المزيد من العينات الميدانية وتجهيزاتٍ جديدة لحفظها، بالإضافة إلى قواعد بياناتٍ موسعة لتوثيق العينات، وتحاليل الحمض النووي وطرق الانتقال. يتطلب ذلك زيادة التمويل والابتكارات في العلوم الطبية الحيوية وعلوم التنوع البيولوجي.

ويتمثّل التحدي الآخر في أن القائمين على التاريخ الطبيعي وعلماء الأمراض يعملون في بيئاتٍ ومجتمعاتٍ منفصلة، وبالتالي لا يدركون إلا القليل عن الفائدة الكامنة في موارد الآخر. نعتقد أن الوقت قد حان للتفكير في كيفية الاستفادة من الموارد المتنوعة وبناء علاقات أقوى بين متاحف التاريخ الطبيعي وعلماء الأحياء المرضية، ومؤسسات الصحة العامة. سيكون التعاون مفتاح قدرتنا على التنبؤ، وربما إيقاف الأوبئة المستقبلية.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن