Image

في حالات الطوارئ القمرية، استخدموا الحبال والبكرات

Bread assortment رائد الفضاء جيل ليندجرين من ناسا يسحب رائد الفضاء بيدرو دوك من وكالة الفضاء الأوروبية خلال محاكاة حالة طوارئ قمرية في قاع البحر
مصدر الصورة: ناسا- إم. ريجان

يبدو أننا سنعود إلى القمر، ففي الأسبوع الماضي، أعلن نائب الرئيس مايك بينس عن أولوية جديدة لإيصال الأميركيين إلى سطح القمر للمرة الأولى منذ 1972.

إذا تمكنا فعلاً من العودة إلى القمر (لم يتضمن الإعلان أية تفاصيل عن الجدول الزمني أو الميزانية المقترحة) فمن المرجح أن يكون هذا لفترة طويلة من الزمن، أطول من بعثات أبولو القصيرة، وأن يتضمن فترات أطول من التجول على سطحه، وهذا يعني احتمالاً أكبر لوقوع مشكلة ما، وحاجة أكبر للتخطيط وتجهيز المعدات للتعامل مع الطوارئ. ومن حسن الحظ أن العلماء والمهندسين بدأوا مسبقاً بالعمل على أساليب ووسائل لمساعدة أي رائد فضاء يصاب بأذى، بدون الحاجة إلى اللجوء إلى حيل معقدة مشابهة لما فعله مايك واتني في فيلم “المريخي” The Martian.

في أكتوبر من العام الماضي، قام هيرفيه ستيفينين، مدير العمليات في منشأة محاكاة انخفاض الجاذبية تحت الماء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، بتصميم نظام يسمى بنظام الإخلاء القمري (ليسا -LESA)، والذي يمكن استخدامه في المستقبل من قبل رواد الفضاء لسحب أي رائد فضاء عاجز عن الحركة إلى مساحة آمنة. وبحلول مارس الماضي، كان ستيفينين –الذي يتضمن عمله اليومي تدريب رواد الفضاء على التنقل في الفضاء- قد عمل بالتعاون مع فريق من المختصين لإنتاج نموذج أولي صالح للاستخدام، وفي أواخر يونيو الماضي، قام رواد الفضاء المتدربون تحت الماء باختبار هذه المنظومة في قاعدة بحرية قرب ساحل فلوريدا، وذلك في ظروف تشابه ظروف سطح القمر.

ماذا يمكن أن يحدث؟

تتم مراقبة واختبار الحالة الصحية لرائد الفضاء بدقة، وذلك حتى لا ينشغل مهندسو الرحلة بالتعامل مع النوبات القلبية أو الأمراض، وينصب تركيزهم على أية أعطال قد تحدث في البدلة الفضائية، والتي يمكن أن تشل حركة شخص صحيح البنية. حيث يمكن لوحدة تبريد عاطلة أن تسبب زيادة حرارة رائد الفضاء، وقد ينخفض مستوى الأكسجين بسبب تشقق في أحد الأجزاء، أو قد تفشل منظومة تحويل ثنائي أكسيد الكربون إلى أكسجين في العمل بسرعة كافية، وغير ذلك. لا شك في أن التنقل على سطح القمر ليس بالأمر السهل إطلاقاً.

يقول ستيفينين: “يعتبر القمر بيئة ذات ظروف صعبة، حيث تبلغ الحرارة 100 درجة مئوية في الجانب المشمس، و150 درجة مئوية تحت الصفر في الجانب المظلم، إضافة إلى وجود غبار كاشط يلتصق على كل شيء. وإذا وقعت أرضاً واصطدمت بصخرة، لا يمكن أن تعرف ما قد يحدث”.

إذا وقع رائد الفضاء أرضاً ولم يتمكن من النهوض، ستبدأ المشاكل بالتراكم بسرعة. حيث أن شريكه يرتدي أيضاً بدلة فضائية ضخمة تعيق الحركة (من المتوقع أن يؤدي كل رائد فضاء عمله مع شريك، كما في التنقل الفضائي خارج محطة الفضاء الدولية)، ما يعني أنه لا يستطيع ببساطة أن ينحني ويساعد شريكه على النهوض. وعلى عكس التنفلات الفضائية خارج محطة الفضاء الدولية، لا يقتصر الأمر على تثبيت خط ربط برائد الفضاء الآخر وسحبه نحو الأمان، صحيح أن جاذبية القمر أضعف من جاذبية الأرض، ولكنها تكفي لتجعل من رفع شخص بالغ أمراً صعباً.

يقول ستيفينين: “عند ارتداء البدلة الفضائية، تصبح الحركة وإمكانية مد الأطراف محدودة. وحتى في البدلات الجديدة، لا يمكنك أن تركع بوضع كلا الركبتين على الأرض، ما يعني أنه لا يمكنك أن ترفع زميلك على كتفك وتعود به إلى بر الأمان”.

لم تنجح المحاولات السابقة لاستخدام نقالة عادية، كما تبين أن المعدات التي نستخدمها هنا على الأرض ليست قادرة على تحمل الظروف على سطح القمر. يقول ستيفينين عن اختبارات النقالة: “لقد كان النقل صعباً للغاية، ولم تكن المعدات المستخدمة تناسب حركة البدلات الفضائية. يجب أن تكون لدينا القدرة على إنقاذ رائد فضاء عاجز أثناء العمل خارج المركبة الفضائية، ولكن هذا مستحيل حالياً”.

هنا تظهر أهمية منصة رفع نظام الإخلاء القمري، الشبيهة بالمسند ثلاثي القوائم.

ليندجرين يقوم بفتح نظام الإخلاء القمري أثناء البعثة 22 لعمليات ناسا في البيئات القاسية.
ناسا/وكالة الفضاء الأوروبية – هيرفيه ستيفينين

كيف تعمل حقاً؟

يبدو النموذج الحالي لنظام الإخلاء القمري أشبه بهجين رفيع من مسند رباعي القوائم وعربة ثنائية الدواليب. إذا لاحظ رائد فضاء أن زميله لا يتحرك، يمكن أن يسارع إليه، وينصب القائم المزود برافعة فوقه، ثم توصل البدلة الفضائية بالرافعة حتى يتمكن المنقذ من رفع زميله إلى وضعية الوقوف دون أن يضطر للانحناء في بدلته الضخمة.

بعد هذا، يمكن أن تثبت نقالة ذات دولابين حول المصاب، ما يمكن المنقذ من سحبه إلى بر الأمان، أي إلى قاعدة أو مركبة فضائية، حيث يمكن نزع البدلة الفضائية عن المصاب ومعالجته. أما أفضل ميزاتها، فهي أنه يمكن استخدامها بسهولة من قبل شخص واحد فقط، كما بين رائدا الفضاء بيدرو دوك من وكالة الفضاء الأوروبية وجيل ليندجرين من ناسا في عرض عملي في قاع البحر في يونيو الماضي.

رائد الفضاء جيل ليندجرين من ناسا يسارع إلى “نجدة” رائد الفضاء بيدرو دوك من وكالة الفضاء الأوروبية خلال عرض تدريبي في يونيو الماضي
ناسا/وكالة الفضاء الأوروبية – هيرفيه ستيفينين

اثنان أفضل من ثلاثة

يقول ستيفينين: “عادة، يكون هناك أكثر من منقذ في عمليات الإنقاذ، ولا توجد مشكلة في الحركة على سطح القمر إذا كان الفريق مؤلفاً من ثلاثة أشخاص، فإذا أصيب أحدهم بالعجز، يمكن أن يحمله الآخران، واحد من الأمام وواحد من الخلف، تماماً كما على يحدث على الأرض”.

قد يبدو هذا بسيطاً، أليس كذلك؟ ولكن إضافة شخص ثالث إلى فريق العمل خارج المركبة الفضائية أكثر كلفة بكثير من إرسال اثنين فقط، حيث يعني تعرض بدلة فضائية ثالثة (ومكلفة للغاية) إلى الإجهاد والاهتراء بشكل منتظم، إضافة إلى تصميم عربات قمرية أكبر لحمل الشخص الإضافي، وفرصة إضافية لضياع الهواء في المأوى القمري عند دخول وخروج هذا الشخص الإضافي. ومن وجهة نظر معينة، يمكن اعتبار كل ما سبق مشاكل صغيرة من فئة الإجهاد والاهتراء، ولكنها تتراكم بمرور الوقت.

أما الحل الأسهل، فهو وجود شيء مثل نظام الإخلاء القمري، يمكن حمله على العربة القمرية او دحرجته أثناء المهمات العلمية، بدون زيادة العبء على رائدي الفضاء المكلفين بالعمل.

ساحة اختبار تحت سطح الماء

تم اختبار نظام الإخلاء القمري ضمن إطار البعثة 22 لعمليات ناسا في البيئات القاسية (NEEMO-22)، والتي أجريت في قاعدة الأبحاث البحرية في جزر فلوريدا الرملية الصغيرة.

يقوم بيل تود بإدارة برنامج NEEMO-22 في ناسا، وذلك بالإشراف على مهمات لعشرة أيام في المقر الذي يبعد 8 كيلومترات عن ساحل جزر فلوريدا الرملية الصغيرة، ويقع على عمق 18.8 متر تحت سطح الماء. وبفضل هذا الموقع البعيد، يمكن للباحثين ورواد الفضاء (الذين يطلق عليهم اسم رواد الماء Aquanauts خلال عملهم تحت الماء) اختبار المعدات، وإجراء التجارب الجيولوجية والعلمية، واختبار حدود قدرات الجسم البشري، بدون مغادرة الكوكب.

يقول تود: “يعيش ويعمل الرواد في بيئة معزولة وصعبة الظروف، حيث المغادرة مستحيلة، ويجب البقاء في المقر من أجل المرور بعملية التخفيف التدريجي للضغط، والتي تستغرق من الوقت تقريباً ما يتطلبه تنفيذ خروج طارئ من المدار”.

أمضى العاملون في هذا البرنامج نصف فترة البعثة مع تأخير في الاتصالات يحاكي التأخير في بعثة إلى المريخ، والنصف الآخر مع تأخير يحاكي التأخير في بعثة إلى القمر. يعني التأخير وجود درجة من الإرشاد من السطح للفريق في قاع البحر، ولكنهم كانوا مضطرين للاعتماد على أنفسهم فيما يتعلق بالمسائل التي تتطلب قرارات سريعة، كما يحدث في بعثة خارج الكوكب.

إضافة إلى هذا، فإن البيئة تحت الماء سمحت لهم باختبار أداء معداتهم، مثل نظام الإخلاء القمري، في جاذبية مشابهة لجاذبية القمر أو المريخ، ما يجعلها مكاناً رائعاً للتجارب، وأكثر صعوبة وأقرب للواقع من الأحواض المائية المخصصة لمحاكاة الجاذبية المنخفضة على البر، حيث يتم اختبار هذه المعدات عادة.

مستقبل مائي

عندما تحدثت مع ستيفينين في أغسطس الماضي، كان يأمل باختبار النموذج الجديد من نظام الإخلاء القمري في بعثة NEEMO-22 في الربيع، بحيث يستفيد من المعلومات التي حصل عليها من الاختبارات أثناء الصيف الفائت، لكن سيتطلب هذا أن يكون مقر البرنامج تحت الماء جاهزاً للعمل، ومن سوء الحظ، تضرر هذا المقر بشكل كبير في الشهر الماضي عندما تعرضت فلوريدا للإعصار إيرما.

تم تخصيص موقع إلكتروني لجمع التبرعات من أجل الإصلاحات، وورد في أحدث الأخبار الواردة من المختبر:

“يتطلب القسم الخارجي العديد من الإصلاحات لنظم دعم الحياة، بما في ذلك نظام خزان الهواء، وأنظمة التحكم بقاع البحر وفي غرفة الغطس. بدون هذه الأنظمة، لا يمكن للمقر أن يؤدي مهامه أو يستخدم للبعثات. كما أن عوامة دعم الحياة انفصلت عن خطوط الإرساء الستة المثبتة في قاع البحر، وجرفتها العاصفة لأكثر من 24 كيلومتراً نحو الجنوب الغربي. إضافة إلى هذا، تدمرت جميع خطوط الإرساء والعوامات وحلقات الربط. ما زال هيكل المقر طافياً، ولم تصب المولدات والضواغط بأي أذى، ولكن البرج انكسر من منتصفه عندما اصطدم بأحد الجسور”.

تمت استعادة عوامة دعم الحياة وسحبها إلى حوض سفن قريب، ولكن إصلاح العوامة نفسها ونظم دعم الحياة عليها قد يستغرق بعض الوقت. خلال هذا الوقت، سيستمر رواد الفضاء ورواد الماء بالتدريب وتطوير تقنيات جديدة على كوكب الأرض من أجل الاستعداد للصعود الآمن نحو النجوم.

error: Content is protected !!