Image

هل الإبر الصينية مجدية حقاً؟ ولماذا يكون التحقق من فعاليتها صعباً للغاية؟

أنصار الطب التقليدي قد يتعاملون مع إجراءات الطب البديل بشيء من التحيّز

Bread assortment لطالما ساد الجدل في الوسط العلمي حول مدى فعالية الإبر الصينية

إن الطب الحديث يُجافي العلاج بالإبر الصينية دون وجه حق! ذلك ما خلُصت إليه دراسة حديثة جرى نشرها مؤخراً في مجلة الطب البديل والتكميلي.

فعلى الرغم من عدم وجود إجماع طبي على استخدام الإبر الصينية حتى الآن، وعدم دعم معظم المنظمات الطبية المعروفة لاستخدام الإبر الصينية في علاج ألم التهاب مفصل الركبة، إلا أن مُعدّي الدراسة انتقدوا المنهج الذي تُقبل أو تُرفض من خلاله الإجراءات الطبية العلاجية.

لماذا يُنظر إلى الطب البديل على أنه شكل بسيط وقديم من الطب؟

في دراسة أعدها ستيفن بيرش وزملاء له من جامعة كوليج في النرويج، ادعى الباحثون بأن المعهد البريطاني الوطني للصحة والامتياز في الرعاية NICE، والذي يُوصي بعلاجاتٍ لأمراض محددة، قد تعامل مع الإبر الصينية وفق معايير أعلى من باقي الإجراءات العلاجية التي تنتمي للطب الحديث، وبالتالي رفض إدراجها بين الإجراءات الموصى بها لعلاج الفصال العظمي.

كتب بيرش وزملاؤه: “لو جرى إخضاع جميع العلاجات التي أوصى بها المعهد المذكور لعلاج التهاب مفصل الركبة – بما فيها تخفيف الوزن واستخدام مضادات الالتهاب غير الستيرويدية مثل الإيبوبروفين – لذات المعايير التي اشترطها لقبول العلاج بالإبر الصينية، فإن المسكنات الأفيونية ستكون هي خط العلاج الأول لالتهاب مفصل الركبة.”

يعتمد الاستخدام الموضعي للإبر الصينية على غرز إبر في مواقع الألم مباشرة، أما الاستخدام القاصي للإبر الصينية فيعتمد على غرز إبر في مواقع أخرى من الجسم.

هل الوخز بالإبر الصينية هو إجراء فعال حقاً؟

لفهم الانتقاد الذي وجهته الدراسة الجديدة للمعهد الوطني للصحة والامتياز في الرعاية، من الضروري أن نعلم أولاً بأن الإبر الصينية قد تُجدي نفعاً في بعض الأحيان. ففي وقت مبكر من هذا العام، أدرجت “الكلية الأمريكية للأطباء” الوخز بالإبر الصينية ضمن العلاجات غير الباضعة لآلام أسفل الظهر، مع الإشارة إلى أن معظم حالات ألم أسفل الظهر تتلاشى لاحقاً من تلقاء نفسها.

كما نذكر في هذا الصدد الدراسة التي نُشرت في مجلة “الدماغ” في شهر مارس الماضي، والتي خلُص مُعدّوها إلى أن الوخز بالإبر الصينية يُحسّن من مآل متلازمة النفق الرسغي عن طريق إعادة برمجة الدماغ. وقد توصل الباحثون إلى ذلك الاستنتاج بعد اختبار الإبر الصينية على عددٍ من المرضى المصابين بمتلازمة النفق الرسغي الذين جرى تقسيمهم في ثلاث مجموعات.

جرى علاج المرضى في المجموعة الأولى بإبر صينية تقليدية بحسب الطريقة المعتمدة في الطب الصيني الشعبي (غرز الإبر في نفس مواضع الألم). أما المرضى في المجموعة الثانية فقد عُولجوا بطريقة الوخز القاصي للإبر الصينية، والتي لا تُغرز الإبر فيها في موضع الألم، وإنما في مواضع أخرى من الجسم يعتقد المعالجون بأنها تتصل بمواقع الألم عبر ما يُسمى بـ “قنوات الطاقة”، مع العلم بأن مُعدي الدراسة لم يدعوا وجود هذه القنوات فعلاً، وقد لا تعدو كونها محض خرافة. وبغض النظر عن الآلية المزعومة، فينبغي تجريب تلك الطريقة للتأكد من فعاليتها أو عدم فعاليتها.

أما المرضى في المجموعة الثالثة فقد جرى علاجهم بإبر صينية وهمية لا تدخل في جسم المريض حقيقةً، وإنما تمنح المريض مجرد إحساسٍ بذلك. جرى تكرار العلاج لدى أفراد كل مجموعة 16 مرة على مدى 8 أسابيع. وفي نهاية الدراسة، أفاد جميع المرضى عن تحسن حالاتهم وتراجع أعراض الألم لديهم، فهل يعني ذلك بأن الوخز بالإبر الصينية هو مجرد وهم؟ ليس بالضرورة.

اختار الباحثون متلازمة النفق الرسغي خصيصاً لأنها واحدة من اضطرابات الألم المزمن القليلة التي يمكن علاجها بشكل حقيقي وقياس التحسن الحاصل فيها بشكل منهجي، وذلك خلافاً لحالات أخرى مثل ألم أسفل الظهر أو الألم الليفي العضلي. يقول المعد الرئيسي للدراسة فيتالي نابادو، اختصاصي التصوير العصبي في مستشفى ماساتشوستس العام: “عندما نتحدث عن تخفيف الألم، فإن نجاح العلاج يعتمد بشكل أساسي على إفادة المريض عما إذا شعر بتحسن أعراضه أو لا”.

ولكن الأمر يختلف في متلازمة النفق الرسغي، لأن الألم يحدث بسبب انضغاط العصب المتوسط الواقع في معصم اليد، وبالتالي يمكن للباحثين قياس معدل النقل العصبي عبر المعصم لمعرفة مدى تحسن الحالة. وجد نابادو أن جميع المرضى في المجموعات الثلاث قد أفادوا عن تحسن في الألم، ولكن التحسن الحقيقي في معدل النقل العصبي لم يلاحظ سوى عند المرضى في المجموعتين اللتين عولجتا بالإبر الصينية الحقيقية، وأن التحسن الأكبر كان لدى أفراد المجموعة الأولى التي عُولجت بالإبر الصينية التقليدية في موضع الألم مباشرةً.

من جهةٍ أخرى، فإن دراسات سابقة كانت قد أظهرت بأن متلازمة النفق الرسغي لا تؤدي إلى تغيرات في معصم اليد وحسب، وإنما في المادة الرمادية في بعض مناطق الدماغ، حيث إن الأذية العصبية في المعصم تخلق نوعاً من التشوش في الدماغ يعيق قدرته على معالجة الإشارات العصبية الواردة من اليد. وعندما قام نابادو بفحص المسارات العصبية في الدماغ بواسطة الرنين المغناطيسي، وجد تحسناً فيها، على الرغم من أن ذلك التحسن لم يكن كافياً لشفاء متلازمة النفق الرسغي. يقول نابادو: “على الرغم من أننا تمكنا من تحسين حالات المرضى ومنع تفاقمها، إلا أن العلاج لم يشفِ المرضى بشكل كامل”.

والآن، ما علاقة هذه التجربة بانتقاد بيرش وزملائه للمعهد الوطني للصحة والامتياز في الرعاية لاستثنائه الإبر الصينية من قائمة العلاجات الموصى بها لالتهاب مفصل الركبة؟

 متى يكون العلاج الوهمي غير وهمي؟

إن دراسة نابادو كانت ستكون عديمة الفائدة فيما لو لم يعتمد على التصوير بالرنين المغناطيسي واختبارات التواصل العصبي لتقييم فعالية الإجراءات العلاجية، إذ إن جميع المرضى أفادوا عن تراجع شدة الألم لديهم بدرجات متساوية، سواءً كانت الإبر الصينية المستخدمة حقيقية أو وهمية.

إن الفكرة من الدواء الوهمي هي عدم وجود تأثير حقيقي له على الجسم، مما يجعله وسيلة ممتازة لتقييم نتائج العلاج الحقيقي. ولكن هذا الأمر لا ينطبق على الإبر الصينية “الوهمية” لأنها تطبق ضغطاً خفيفاً على الجلد يشعر به المريض. كما أن بعض التجارب التي استخدمت إبراً صينية “وهمية” كانت تتضمن إدخال إبرة في جلد المريض (لم يلجأ نابادو لمثل تلك الحيلة عند إجراء تجربته). يقول نابادو: “يدور جدالٌ في الوسط العلمي حول الإبر الصينية الوهمية، لأنها تُسبب إحساساً بالوخز على جلد المريض، مثلما تفعل الإبر الحقيقية”.

والأمر لا يقتصر فقط على الإبر الصينية. فمنذ سنوات طويلة أظهرت الدراسات بأن المرضى الذين خضعوا لأنواع محددة من جراحة الركبة لعلاج الفصال العظمي، سواءً كانت لإزالة النسج المتموتة من الركبة (إنضار بالتنظير)، أو لمجرد غسلها بمحلول سالين (غسل بالتنظير)، قد أفادوا عن تراجع شدة الألم مقارنةً مع الأشخاص الذين لم يُجروا الجراحة، وذلك على الرغم من أن التأثير الفيزيولوجي للإجراء الجراحي لم يكن واضحاً، ولم يُوقف تقدم التهاب المفاصل في الركبة.

وعلى الرغم من أن أنواع الجراحة تلك لم تكن تستند إلى دليل علمي، إلا أن الأطباء استمروا بإجرائها لأن المرضى أفادوا عن تحسن الألم لديهم بعدها. والمفارقة هي أن العكس تماماً هو ما يحصل مع الإبر الصينية، إذ أن الكثير من الأطباء يرفضون استخدامها على الرغم من كونها إجراء غير باضع ويأتي بنتائج إيجابية.

وفي دراسة نشرتها مجلة نيو إنجلاند للجراحة في العام 2002 قام الباحثون بدراسة ثلاث مجموعات من مرضى الفصال العظمي: خضع أفراد المجموعة الأولى لجراحة إزالة النسج المتموتة في مفصل الركبة، وخضع أفراد المجموعة الثانية لجراحة غسل مفصل الركبة بمحلول السالين، في حين خضع أفراد المجموعة الثالثة لجراحة وهمية (حيث قام الأطباء بإجراء شق جراحي ومن ثم خياطته فقط). وكما هو الحال في تجربة نابادو، فقد أفاد جميع المرضى عن تحسن في مستوى الألم لديهم، وخلُص الباحثون في حينها إلى أن الدراسة توفر دليلاً قوياً على أن جراحة مفصل الركبة بالتنظير (سواءً اشتمل على إزالة النسج المتموتة أم لا) يماثل في تأثيره المُسكن للألم تأثير العلاج الوهمي. فضلاً عن ذلك، فإن العواقب السلبية للجراحة الحقيقية كانت أكثر سوءاً من عواقب الجراحة الوهمية.

بعبارة أخرى، لم يكن الإجراء بحد ذاته مفيداً، وإنما تصوُّرُ المريض بأن شخصاً ما قدم له المساعدة هو ما عاد عليه بالفائدة. والمشكلة، كما توضحها دراسة نابادو، هي أن مقياس شدة الألم في تلك التجارب كان سؤال المريض: “هل تشعر بتحسن؟”، وبالتالي فإن تأثير العلاج الوهمي قد يكون مساوياً لتأثير العلاج الحقيقي.

ومع ذلك، فقد أدرج المعهد الوطني للصحة والامتياز في الرعاية كلا نوعي الجراحة في قائمة الإجراءات المنصوح بها لعلاج الفصال العظمي. وهو ما حدا بالباحثين للاعتراض على عدم إدراج الوخز بالإبر الصينية في ذات القائمة، واتهموا المعهد بالتحيز ضد الوخز بالإبر الصينية، وأنه جرى التعامل معه وفق معايير أعلى من تلك التي قُبلت الإجراءات الأخرى بناءً عليها. وخاصةً الكيفية التي استخدم المعهد الوطني فيها جُزئية “حجم التأثير” للامتناع عن التوصية باستخدام الإبر الصينية. ففي الدراسات العلمية يوجد عامل يطلق عليه اسم “القيمة P” يمكن من خلاله معرفة ما إذا كانت العلاقة بين مُتغيرات الدراسة مُعتبرة من الناحية الإحصائية أو لا (مثل أن استخدام الأسبرين يرتبط مع تراجع خطر أمراض القلب، أو أن استهلاك الجبنة يرتبط مع الشعور بالسعادة).

وقد ادعى المعهد الوطني للصحة والامتياز في الرعاية بأن الفارق بين استخدام الإبر الصينية الحقيقية والإبر الصينية الوهمية كان ضئيلاً للغاية، ولا يكفي لاعتباره ذا قيمة إحصائية، وبناءً على ذلك لم يوصِ المعهد باستخدام الإبر الصينية. إلا أنه وبحسب بيرش وزملائه فإن قلة قليلة من الإجراءات الشائعة في علاج الفصال العظمي تحقق هذا الشرط الخاص بالفوارق التي يمكن ملاحظتها سريرياً.

وفي الختام طرح الباحثون تساؤلاً بسيطاً: إذا كانت معظم الإجراءات العلاجية التي ينصح بها المعهد الوطني للصحة والامتياز في الرعاية تفشل في استيفاء هذا المعيار، فلماذا جرى قبولها، في حين لم يُقبل الوخز بالإبر الصينية على الرغم من أنه إجراء غير باضع مثل باقي الإجراءات؟ أما من وجهة نظر المرضى، فإن السؤال يأخذ شكلاً مختلفاً، وهو لماذا توصي مثل تلك المؤسسات المعتمدة بإجراءات طبية غير مفيدة أصلاً؟

error: Content is protected !!