Reading Time: 4 minutes

مقال من «سايكولوجي توداي»


أنخرُط عاطفياً مع أشخاص لا أعرفهم، ولم ألتقِ بهم أبداً، وأشخاص آخرين ماتوا قبل كتابة هذا المقال بفترة لا بأس بها. لست متأكداً إذا كان هذا أمر صحي أم لا، يحدث الأمر كالتالي: أنا أؤلّف الكتب، وعلى الرغم من أنني أحاول تجنُّب الكتابة عن نفس الأشياء، إلا أنّ آخر كتابين ألّفتهما ركّزا على حطام السفن.

الكتاب الأخير هو عمل غير خيالي، لكنّه أيضاً قصة غموض بشكل ما، تمحوَرت حول محاولتي لاكتشاف ما الذي حدث لسفينة «أس أس إل فارو»؛ وهي سفينة شحن أميركية كبيرة طولها يساوي ارتفاع ناطحة سحاب بثمانين طابق، اختفت في إعصار «خواكين» قرابة جزر البهاما في أكتوبر/ تشرين الأول 2015. اختفى طاقم السفينة هذه الذي يبلغ 33 شخصاً بالكامل معها.

الكتاب السابق للكتاب الأخير كان حول المِلاحة، لكن بمفهومها العام، أي كيف نجد طريقنا في العالم، من الخلايا حتى مركبات الفضاء، لكنّ هذا الكتاب ركّز على جَد جَدّي، وهو قبطان بحري نرويجي اسمه «هالفور ميكلسن»؛ والذي غرق مع مركبه الشراعي في عاصفة شتوية قرابة سواحل النرويج في 1847.

أنجزت الكثير من البحث لتأليف كلا الكتابين، بحث عن السفن وظروف رحلاتها وعن الأشخاص أيضاً. قرأت رسائل هالفور، وتحدّثت مع أفراد العائلة من الذين لا زالوا يتذكّرون بعض القصص عنه، وأجريت مقابلات مع عائلات وأصدقاء المسؤولين من طاقم سفينة إل فارو، وقرأت سجلّات الصندوق الأسود خاصتها؛ والتي وثّقت حوارات في حجرة القيادة لـ 26 ساعة قبل الغرق. بسبب كل هذا -وتحديداً سجلّات الصندوق الأسود- بدأت أحس بمشاعر تجاه هؤلاء الأشخاص، إذ أنني أصبحت أحبّهم أكثر فأكثر، وكلّما أحببتهم أكثر، زاد حزني عليهم، وذلك لأنهم كلهم ماتوا صغاراً في مقتبل أعمارهم وبظروف رهيبة، تاركين ورائهم شبكة واسعة من المحبّين.

هل هناك تفسير علمي للارتباط العاطفي بأشخاص غرباء؟

لا يبدو أنّ هناك تفسير علمي أو حتى نقاشات علمية حول ظاهرة الارتباط العاطفي بأشخاص لم تلتقِ بهم أبداً. إذ أنّ معظم الحالات عنها وصلتنا من عملية المواعدة على الإنترنت. يناقش منشور لـ «مارك دي. وايت، بي أتش دي»، تمّت مشاركته على صفحته الخاصة في موقع سايكولوجي توداي؛ حيث تناول موضوع الأشخاص الذين يقعون في حب الآخرين الذين لم يلتقوهم من قبل، والذين يعرفونهم فقط من خلال التواصل عبر الإنترنت.

يصل المنشور إلى استنتاج يفيد بأنه على الرغم من أنّ المعلومات المهمّة عن الأشخاص يمكن الحصول عليها فقط من خلال الالتقاء المباشر معهم، إلا أنه الممكن، وحتى من المحبّذ تحت ظروف معيّنة، أن تبدأ عملية التعارف بتحصيل المعلومات التي يمكن استنتاجها من المحادثات والرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني، وأنّ هذا الأمر يتضمّن إظهار العاطفة وبدايات الحب حتى.

بيّنت رواية بعنوان «84 تشارينج كروس رود» عن صداقة رسائليّة بحتة (أي مبنية على الرسائل فقط)، أنّ نفس الظاهرة حدثت قبل انتشار منصات التواصل الاجتماعي.

بالتأكيد، المخيّلة البشرية خصبة بما يكفي لتجعلنا نحسّ بالعاطفة تجاه أشخاص نُركّب شخصياتهم بشكلٍ حصري من المعلومات الموجودة في أدمغتنا. الروايات مبنية على هذا المبدأ في النهاية. مَن منا لم يقرأ كتاباً فيه شخصية تشدّ لدرجة أننا نشعر أننا نعرفها ونحبّها؟ لا زلت أشعر بالحزن على موت شخصية «روبرت جوردان» في إحدى محاولات التخريب في الحرب الأهلية الإسبانية في نهاية رواية «لمن تُقرع الأجراس» لـ «إرنست هيمينغواي». أتذكّر أني كنت أحب رواية «الهوبيت» لـ تولكين، وأرفض أن أقراً رواية «سيّد الخواتم» (وهي بمثابة جزء ثاني لرواية الهوبيت) خوفاً من أن يموت «بيلبو باغنز» (بطل رواية الهوبيت) فيها. لهذه الدرجة كنت أحب بيلبو.

الأفلام والفيديوهات تتضمن بالطبع نفس آلية التأثير؛ والتي تُعزَّز في هذه الحالة عن طريق المعلومات البصرية التي لا تكون متوفرة لقرّاء الرسائل. جريمة قتل «زوي بارنز»؛ وهي صحفية في النسخة الأمريكية من مسلسل «بيت الأوراق» (والتي طوّرتُ تجاهها مشاعر إعجاب جديّة) جعلَتني حزيناً لدرجة أني توقّفت عن متابعة المسلسل لثلاثة شهور.

   اقرأ أيضاً: يجوز الحداد أيضاً على موت أبطال حكايات الخيال

الحداد على الأشخاص الذين نعرفهم بشكل شخصي مبني على هذه العملية، إذ أنّ جزءاً من صدمة الحزن تكمن في قناعتنا بأنّ الشخص الذي مات للتو ليس ميّتاً على الإطلاق، لكنّه حيّ في أفكارنا ومشاعرنا في كل ساعة من حياتنا اليومية. أحياناً، القناعة يمكن أن تكون راسخة لدرجة أننا نظن أننا رأينا الفقيد، أو سمعنا صوته في حوارات الأشخاص الآخرين، أو نشعر بتأكُّد، ولو للحظة، أنه موجود في الغرفة المجاورة. تميل المشاعر في هذه الحالة لأن تكون أقوى بكثير لأننا نعرف الشخص بشكل حميمي ومباشر وملموس، ونتشارك معه عدداً هائلاً من الذكريات التي تُبنى معظمها على الأحاسيس والتي نستخدمها لنتذكّره.

لكن في كل الحالات، نحن نعيش ضمن واقع كالتالي: حتى عندما نرى شخصاً ما بشكلٍ اعتيادي، أو عندما نعيش معه، فنحن نقضي من الوقت برفقة أفكارنا التي نخلقها في مخيلتنا ما يساوي على الأقل الوقت الذي نقضيه معه بشكلٍ مباشر. مثلاً، إذا كنت متزوجاً، فأنت تقضي عادة ثلث أسبوعك في النوم، وثلثاً آخر في العمل بعيداً عن المنزل، لذلك يصبح شريكك، من وجهة نظر إحصائية، هو شخص تتخيّله أكثر مما تتعامل معه بشكل مباشر. هذا يصح أكثر في حالة الأشخاص الذين لا تعيش معهم؛ إذ أنه في هذه الحالة، الغالبية العظمى من حياتنا كأصدقاء وأفراد في العائلة تتألف من علاقات مع أشخاص موجودين بشكل حصري في مخيّلاتنا.

الفرق الوحيد في حالة وفاة شخص نعرفه هو أننا نصبح غير قادرين على تحديث المعلومات الموجودة في مخازن الذاكرة المتخيَّلة خاصتنا، أي غير قادرين على إضافة معلومات جديدة، والفرق الوحيد في حالة عدم التقائنا بالشخص المعني؛ هي أنّ كميّات المعلومات المستقاة (الكبيرة حسب اعتراف الجميع) من انطباعاتنا الحسيّة حول شخص معيّن تكون مفقودة، وتُستبدَل بالمعلومات التي نسمعها عنه من الآخرين.

ماذا عن تناقض مشاعرنا؟

Smiley, Emoticon, Anger, Angry, Anxiety, Emotions

التناقض بين مشاعرنا تّجاه شخص نعرف منطقياً أننا لن نراه مجدداً، وإدراكنا التام بأن الشخص الميّت لا يزال حياً وموجوداً في أدمغتنا هو أمر يجب على الفرد المتوازن نفسياً التكيّف معه مع الوقت، والتصالح معه في النهاية كإحدى المسلّمات التي تفرضها الحياة والمخيّلة البشرية.

بالتأكيد، يمكن أن يكون هناك جانب سلبي لعلاقة مع شخص ميّت، أو شخص لم يوجد في الأصل، إذا استمرّت بقوّة لفترة طويلة، وبالأخص إذا أصبحت تعيق العلاقات مع الأحياء الملموسين، إذ أنها، مثل كل استحواذ (كالاهتمام الهوسيّ بحبيب سابق مثلاً) يمكن أن تكون عَرضاً لعدم التوازن في سياقات أخرى، مثل انعدام الصلات الإجتماعية أو اضطرابات الشخصية الهوسيّة الإدمانية؛ والتي أفضل طريقة للتعامل معها هي الحصول على الرعاية الصحية.

لكن بغض النظر عن الاستحواذ، هناك منحى مريح بشكلٍ مثير للفضول حول إدراك أنّ شخصاً ما متوفياً يبقى بمعنى حقيقي تماماً موجوداً، بالأخص بالنسبة لهؤلاء الذين يستبعدون الدّين وما يرتبط به من حديث عن الجنّة والأشباح والملائكة، وذلك لأنّ هذا الإدراك يمنح معنى جديداً مقنعاً علمياً لفكرة الحياة ما بعد الموت. ومن منّا لا يريد أن يعيش بعد الموت؟