Reading Time: 3 minutes

مقال من «سايكولوجي توداي»


ارتفعت نسبة من يعانون من الشعور بالوحدة بين الناس في السنوات القليلة الماضية. فوفقاً لدراسة حديثة أجرتها مؤسسة الخدمات الصحية الأميركية (سيجنا) فإن 3 أميركيون من أصل 5 يعانون من الوحدة. قد تتسائل عن السبب في ذلك؛ هل هي هواتفنا وأجهزتنا الذكية؟ أم يعود السبب إلى تطوراتٍ مجتمعية أخرى مثل زيادة الانقسام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي؟

إنها ليست هواتفنا فقط

من الصعب عملياً تحديد سببٍ واحد لشعورنا بالوحدة. في الواقع، واعتماداً على الدراسات التي أجراها مركز بيو للأبحاث وغيره، لا يمكننا القول أن نمط حياتنا الذي أصبح يعتمد إلى حدّ كبير على الحلول الرقمية؛ هو السبب المباشر والوحيد في شعورنا بالوحدة، ولكنّه يجعلنا نشعر بالمزيد من الوحدة بشكلٍ غير مباشر من خلال تعزيز هذا الاتجاه. دعونا نلقي نظرة متفحصة أكثر في مسألة ما إذا كان هواتفنا الذكية أحد المتهمين في زيادة عزلتنا بالفعل.

في إحدى الدراسات العشوائية المضبوطة، طُلب من المشاركين قضاء وقتٍ أطول أو أقل أمام هواتفهم، بينما قامت تجربة أخرى بتتبع استخدام الهواتف بمرور الوقت في مجموعة عشوائية أخرى من الأفراد. أظهرت كلتا الدراستين أن قضاء المزيد من الوقت أمام الشاشات يؤدي إلى زيادة الشعور بالوحدة والاكتئاب والقلق، وانخفاض الروابط العاطفية مع الآخرين.

لقد أمضيت السنوات العشر الماضية في البحث وتعليم الناس كيفية التعامل مع المشاعر المعقدة؛ مثل الشعور بالوحدة والصدمة. وبعد إجراء مقابلات مع مئات الأشخاص المختلفين، والاستماع إلى قصصهم حول السبب الذي يعتقدون أنه يقف وراء معاناتهم من الوحدة في حياتهم، أصبحت مقتنعاً بأن الزيادات الأخيرة في استخدام الهواتف والشعور بالوحدة مرتبطان ارتباطاً وثيقاً.

تأثير الإزاحة

ليس هناك مبالغة في افتراض هذه الصلة إذا أخذنا بعين الاعتبار تأثير الإزاحة، فقضاء المزيد من الوقت أمام الشاشة على الإنترنت يقلل من وقت تواصلنا المباشر (وجهاً لوجه) مع الأصدقاء وأفراد العائلة.

كان أول من لاحظ هذا التأثير عالم النفس الاجتماعي «روبرت كراوت» وفريقه البحثي في ​​جامعة «كارنيجي ميلون» في أواخر التسعينيات؛ عندما قاموا بتجربةٍ قدموا خلالها أجهزة كمبيوتر مجانية ووصولاً مفتوحاً إلى الإنترنت، وخط هاتف لـ 93 أسرة في بيتسبرغ. ثم قاموا بتتبع الأنشطة والحالات العاطفية لكل فرد من أفراد الأسرة يزيد عمره عن 10 سنوات وكان مهتماً بالانضمام إلى الدراسة (بلغ عددهم 169 شخصاً في المجمل). دامت الدراسة لمدة عامين.

وجد الباحثون أنه كلما زاد الوقت الذي يقضيه هؤلاء الأفراد على الإنترنت، قل الوقت الذي يقضونه مع أفراد الأسرة والأصدقاء، وأصبحوا أكثر وحدة واكتئاباً. ونظراً لأن كروت وفريقه قاموا باستطلاع آراء أفراد الأسرة في الدراسة قبل أن يُمنحوا الكمبيوتر المجاني وحرية الوصول إلى الإنترنت، فقد تمكن فريق البحث من تحديد الاتصال الإلكتروني كسببٍ مباشر للعزلة الاجتماعية والاكتئاب والوحدة.

والآن، بعد أكثر من عقدين من الزمن، لم يتغير شيء في الواقع. لنأخذ مثلاً تجربة «هانا»، نائبة رئيس شركة تكنولوجيا في سان فرانسيسكو، والتي أجريت معها مقابلة العام الماضي ونشرتها في كتابي «محاصر في شاشة: فن العيش الحر في العصر الرقمي»، حيث تشرح كيف أثر شعورها بالوحدة والوقت الذي كانت تقضيه بين الأجهزة الرقمية على حياتها بعد أن انفصلت عن شريكها مؤخراً، فتقول:

«بعد انتهاء علاقةٍ استمرت 6 سنوات عام 2016، انتقلت إلى علاقة أخرى في عام 2017. لقد أدركت مدى اعتمادي على الآخرين للشعور بالسعادة بعد الانفصال الأخير. كنت أعتمد في السنوات الثماني الأخيرة من حياتي على أشخاصٍ آخرين للشعور بالسعادة، كنت أهتم كثيراً بمشاركة علاقتي ونزهاتي عبر مواقع التواصل الاجتماعي ليراها الآخرون؛ أردت أن يروا مدى سعادتي. وأصبح تصفّح حسابي على انستاجرام عادة تؤرقني لأني كنت أميل كثيراً إلى مقارنة حياتي بحياة الآخرين. لم يعرف الناس مطلقاً مشاعر الوحدة والعزلة التي عانيت منها عندما كنت أواجه صعوباتٍ عاطفية أو اجتماعية أو مالية، لأني اخترت عدم نشر هذا الجزء من حياتي. لقد عززت هذه العادة حقيقة أنني أستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كدواءٍ لعلاج عزلتي الاجتماعية مؤقتاً».

لقد أقنعتني هذه المقابلات بأن السبب في عدم قدرتنا على التعامل مع الطبيعة الشاذة في حياتنا، هو أن المعايير الاجتماعية الجديدة التي تفرضها التكنولوجيا ونلتزم بها دون وعي؛ هي شاذة أصلاً. لقد قادنا استخدامنا للهواتف الذكية بشكلٍ مفرط إلى مسار غير قابل للتحقيق. فقد وعدتنا التكنولوجيا الحديثة بتعزيز التواصل بين البشر. لكنها بدلاً من ذلك، قادتنا إلى المزيد من الوحدة والبؤس.

هل هي صورة قاتمة؟ نعم هي كذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الوحدة تضر بصحتنا أكثر من التدخين، وتزيد من خطر الوفاة لدى كبار السن مرتين أكثر مما تسببه السمنة. ومع ذلك، فإن مثل هذا السيناريو بات صورة دقيقة للأسف لما أصبحت عليه حياتنا.

لعكس هذه السيناريو، ابدأ في استخدام هاتفك ليعمل على تعزيز تواصلك مع الآخرين بالفعل. اتصل بالأشخاص الذين تهتم لأمرهم وشاركهم بما تشعر به في الأوقات الصعبة. قم بإيقاف كاميرا الفيديو بين الحين والآخر أثناء إجراء مكالمات زووم، وشجّع الآخرين على القيام بالأمر نفسه لإعادة تشكيل معايير جديدة لمؤتمرات الفيديو، ولتقليل إجهاد مقابلات زووم وزيادة إبداعك. اعمل على تطوير إستراتيجيات مختلفة تتناسب مع إيقاع حياتك اليومي، بحيث تقضي وقتاً أقل في النظر إلى الشاشة، وفي المقابل تتواصل مع من يهمّك أمرمهم، وتقضي مزيداً من الوقت في النظر في وجوههم.


*نشر بواسطة «أنتوني سيلارد»، أستاذ مشارك بجامعة ولاية كاليفورنيا، معلم وخبير في مجال القيادة، كتب العديد من المقالات العلمية حول العاطفة وإدارة المشاعر. صدر كتابه الأخير بعنوان «Screened In: The Art of Living Free in the Digital Age» في مارس/ آذار 2020.