Reading Time: 3 minutes

مقال من «سايكولوجي توداي»


إحدى الخرافات المنتشرة في العصر الرقمي هي أننا نقضي أوقاتاً على هواتفنا الذكية لأننا نستمتع بهذا الوقت. الحقيقة هي أننا نقضي هذه الأوقات لأننا نشعر أننا بحاجة لذلك.

ملاحظة: هنا تجد موضوعات أخرى عن الدوبامين

تلمس هاتفك الذكي بمعدل أكثر من 2500 مرة في اليوم في المتوسط، فكيف تتخلص من السلوك الإدماني على الدوبامين الذي يدفعك لفعل ذلك؟ أول خطوة للتحكم في أجهزتك هي إيقاف جميع إشعارات التطبيقات. تبدو حياتي الآن أكثر هدوءاً لأنني لا أعاني من الحوادث المُحفزة لإفراز للدوبامين التي تسببها هذه الإشعارات الدائمة. يقول «ديفيد جرينفيلد»، مدير «مركز إدمان الإنترنت والتكنولوجيا»: «هذه الإشعارات تخبرنا أن هناك نوعاً ما من المكافأة ينتظرنا».

طلبت من جرينفيلد أن يشرح بالتفصيل هذه العملية، فقال:

«إن ما تفعله الإشعارات هي إعلامك بأن هناك شيء ما ضروري يجب أن تعرف ما هو، وذلك عن طريق تحفيزها للإفراز الاستباقي (التوقعي) للدوبامين. إن توقع المتعة من رؤية ما ينتظرنا يرفع بالفعل نسب الدوبامين أكثر من المتعة بحد ذاتها…والزيادة هذه تدفعك لتفقد هاتفك…هذا جزء من الأسباب التي تجعلك تتفقّد هاتفك بشكلٍ متكرر لأنك لن تكتفي… الإشعارات هي واحدة من أخطر ميزات الهواتف الذكية لأنها تجعلك مدمناً عليها. معظم حالات الإدمان تتمحور حول ملاحقة ذلك الشعور الجيد الذي شعرت به في لحظة معينة، والآن أنت تلاحقه باستمرار».

ليس الموضوع متعلق فقط بالأصوات التي يصدرها الهاتف، بل يجب أن توقف كل الإشعارات لاسترداد أي مظهر من السلام في حياتك.

يشرح «مارك ويليامز» -وهو طبيب نفسي ومدير «مركز أكسفورد لليقظة»- كيف أن حياتنا المليئة بالمشاغل تبقينا في حالة دائمة من الاستثارة والتوتر، فيقول:

«إن ما نعلمه … من تفحص الصور الدماغية للأشخاص المشغولين دائماً، هو أن الجزء العاطفي من الدماغ الذي يحفز الناس، هو في حالة دائمة من التنبّه … بيولوجياً، فإن هؤلاء الأشخاص يكونون نشيطين وكأنهم يهربون من مفترس ما».

التشتت

لا تسبب الهواتف حالة دائمة من التنبّه والقلق فحسب، بل إذا كنت تتفقد هاتفك كثيراً، أو تسمع أو ترى التنبيهات والرنّات والرسائل التي تظهر كل الوقت بسبب الإشعارات، فسينتهي بك المطاف في حالة من التشتت تمنعك من التركيز في أي شيء لفترة طويلة من الزمن.

وعلى عكس ما قد تعتقد، فإن أداء عدة مهام بنفس الوقت لا يعمل ببساطة. كشفت الأبحاث أن محاولة إنجاز مهمتين في نفس الوقت يستغرق وقتاً أكثر من إنجازها واحدة تلو الأخرى، ويستهلك طاقة ذهنية أكثر. ولذلك، فهذا يجهد الدماغ، مما يؤدي بدوره إلى المزيد من التوتر والأخطاء. وكما يشير عالم النفس المعرفي «دانييل ويلينجهام»: «إن إحدى أكثر [ميّزات] الدماغ رسوخاً هي أنه عندما تحاول إنجاز مهمتين في الوقت نفسه، فإنك لن تنجز أي منها بنفس جودة إنجاز كل واحدة وحدها». ولهذا السبب يعتبر إنجاز المهام المتعددة استغلالاً سيئاً للوقت.

وربما لهذا السبب، وجدت دراسة أجراها أستاذ الاتصالات الراحل في جامعة ستانفورد «كليفورد ناس» وزملائه؛ أن البالغين الذين يعملون في مهام متعددة ضمن عملهم في وسائل الإعلام، حيث يتلقّون كماً كبيراً من المعلومات الإلكترونية، لا يتذكرون بشكلٍ جيد المعلومات الضرورية لحل المشاكل. لماذا؟ لأنهم يصبحون غير قادرين على منع المعلومات غير الضرورية من أن تخطر على بالهم. بكلمات أخرى، يصبح هؤلاء مشتتين لدرجة تمنعهم من التركيز بشكلٍ فعّال على الأمور الأكثر أهمية، مما يؤدي –وفقاً لناس وزملائه– «إلى النتيجة المفاجئة التي تقول أنه في اختبار القدرة على تبديل المهام، كان أداء المهام المتعددة للوسائط هو الأسوأ».

الخيار لك

ماذا يعني كل هذا؟ يعني أنه ينبغي عليك الاختيار. الخيار الأول هو أن تسمح للإشعارات الدائمة أن تخفض قدرتك على التركيز، وعلى أن تكون حاضراً تماماً مع الناس الذين تهتم لأمرهم، وعلى إحداث تغيير ملحوظ في مشاريعك المهنية المهمة. أما الخيار الثاني هو ببساطة أن توقف هذه الإشعارات.

من دون التنبيهات التي تذكرك بأن توقف العمل على شيء ضروري، وتلتفت لمعالجة المعلومات الذهنية والاجتماعية التي يعتقد آلاف مطورو التطبيقات أنها ضرورية بالنسبة لك؛ فستصبح قادراً على أخذ خطوة لا يستهان بها باتجاه الحصول على حريتك.

عندما تتوقف الإشعارات، ستُجبَر على اتخاذ قرار حول عدد المرات التي ستتفقّد فيها هاتفك. وستُجبَر على أن تسأل نفسك أسئلة صعبة بشأن الطريقة التي ستوجه فيها مبادئك في استخدام التكنولوجيا.

إن مشاعر التحكم بالذات والكفاءة الذاتية التي ستنتج عن توجيه عملية استخدامك للهاتف، بدلاً من أن تسمح له بأن يوجّهك، ستمتد لتشمل مناحٍ عديدة من حياتك، وذلك يتضمن علاقاتك الشخصية الأكثر أهمية. إن فترة الحجر الصحي هي الوقت المناسب لإحداث هذه التغييرات، إذ أنها توفر لك وقتاً كافياً للتمعن في حياتك، وفي ما يعطيها معنى حقيقي.

عن طريق تطوير عادات أكثر صحيّة في استخدامك للتكنولوجيا، فستصبح حراً وحاضراً قلبياً وذهنياً لتنمية العلاقات الشخصية التي ستفيدك، وستفيد الأشخاص حولك في المضي إلى مستقبلٍ مشرق، وذو معنى.


*نشر بواسطة «أنتوني سيلارد»، أستاذ مشارك بجامعة ولاية كاليفورنيا، معلم وخبير في مجال القيادة، كتب العديد من المقالات العلمية حول العاطفة وإدارة المشاعر. صدر كتابه الأخير بعنوان «Screened In: The Art of Living Free in the Digital Age» في مارس/ آذار 2020.