Reading Time: 4 minutes

سيطرت أخبار جائحة كورونا الحالية على عناوين الأخبار مؤخراً، حيث غابت الأخبار المتعلقة بالقضايا البيئية. ربما يسهل علينا الافتراض بأن التغير المناخي اتخذ مساراً أشد خطورة في ظل ما نشهده من درجة حرارة عالية في الصيف، وعواصف أكثر قوة، وانهيار في التنوع الأحيائي. وفي هذا الصدد، يبرز جدل واسع بين علماء المناخ حول ما إذا كنا نسير فعلاً وفقاً لتوقعات «السيناريو الأسوأ» الممكن للتغير المناخي.

يُعرف المصطلح التقني لهذا السيناريو الأسوأ باسم «مسار التركيز التمثيلي»، ويُشار إليه اختصاراً بـ «آر سي بي 8.5». اعتمدت اللجنة الدولية للتغيرات المناخية سيناريوهاتٍ مختلفة في تقريرها الخامس لتقييم المناخ، والذي صدر عام 2014. هناك 4 سيناريوهات رئيسية مختلفة لتقييم التغير المناخي، وهي: (آر سي بي: 2.6, 4.5, 6.0, 8.5)، حيث تشير الأرقام المختلفة إلى قيمٍ مختلفة للتأثير الإشعاعي الذي يمثّل مقدار الطاقة الشمسية التي يحتجزها الغلاف الجوي. وتفترض هذه السيناريوهات المختلفة، ابتداءً من عام 2005، مساراتٍ مختلفة لتطوّر غازات الدفيئة حتّى عام 2100. ويفترض كل سيناريو تأثيراً مختلفاً للعوامل المؤثرة في توقعاته المستقبلية حول المناخ، مثل عدد السكان وحجم النشاط الاقتصادي، واستخدام الوقود الأحفوري.

تفترض جميع السيناريوهات السابقة بأن التغير المناخي ستخف حدته مع الوقت؛ باستثناء سيناريو آر سي بي 8.5. لذلك يُطلق عليه «سيناريو العمل كالمعتاد»، أو بمعنى الاستمرار وفقاً للمعدلات الحالية من الانبعاثات، حيث يفترض الاستمرار في ضخ ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وارتفاعه مع ازدياد استهلاك الفحم بنحو 500% بحلول عام 2100.

نشر «كريستوفر شوالم» وزملاؤه في مركز «وودز هول» للأبحاث مؤخراً تقريراً في دورية «بانس» العلمية يجادل بأننا نسير فعلاً وفقاً للسيناريو الأسوأ آر سي بي 8.5. لكن علماء آخرين يجادلون بأن هذا السيناريو لا يقدم صورةً دقيقة لما يحدث الآن، وهو غير مؤهلٍ بشكلٍ خاص ليكون السيناريو المستقبلي للتنبؤ بالتغيرات المناخي حتى عام 2100.

وجد شوالم أننا كنا أقرب لهذا السيناريو  منذ أن تم تطوير مختلف السيناريوهات عام 2005. فعلى مدى 15 سنة الماضية، كانت انبعاثاتنا من غازات الدفيئة متوافقةً إلى حدّ كبير مع تلك التي تنبأ بها سيناريو آر سي بي 8.5. يقول شوالم: «صُمم ذلك السيناريو لتوقّع أسوأ السيناريوهات». ولكن يبدو أن ما يحدث الآن وما هو متوقع في المستقبل القريب يجري وفقاً له. يضيف شوالم: «إنه توصيف جيد للغاية لما سيكون الحال عليه إذا تم استقراء الاتجاهات الحالية ببساطة في التوقعات المستقبلية، كما أنه يتتبع الانبعاثات التاريخية في حدود 1%».

كما نظر شوالم وفريقه في اتجاه التغير المناخي المحتمل في المستقبل القريب. فمن خلال الجمع بين الانبعاثات التاريخية المُسجلة في السابق، وتوقعات الانبعاثات الناجمة عن استهلاك الطاقة التي أصدرتها الوكالة الدولية للطاقة؛ بالاضافة إلى السياسات المتعلقة بالحد من الانبعاثات التي تلتزم بها العديد من البلدان؛ توقعوا أن يكون التغير المناخي بين عامي 2030 و 2050 في مكانٍ ما بين توقعات سيناريو آر سي بي 4.5 وسيناريو آر سي بي 8.5. ويجادل المؤلفون أنه إذا أخذنا في اعتبارنا بعض العوامل التي لا تأخذها سيناريوهات التغير المناخي المختلفة بعين الاعتبار -بما فيها تدهور التربة المتجمدة (في القطبين) التي من المحتمل في أن تتسبب بانبعاثاتٍ أكبر-؛ فمن الأفضل التخطيط وفقاً لأسوأ السيناريوهات، أي وفقاً لسيناريو آر سي بي 8.5.

يعتقد شوالم أنه بالنظر إلى مدى قرب مسارنا من مطابقة مسار آر سي بي 8.5 الآن وفي العقدين المقبلين؛ فإنه يجدر بنا استخدامه كأداة في التخطيط. فإذا كنت تبني سداً اليوم للتخفيف من احترار المناخ، فمن الحكمة الأخذ بعين الاعتبار ما يتوقعه السيناريو 8.5 بالنسبة إلى شدة العواصف حتّى عام 2050، وتأثيرها على السد الذي تبنيه في حال حدوثها. يقول شوالم: «بالنسبة لمحاولة فهم أيٍّ من السيناريوهات أكثر احتمالاً؛ يجب أن يتركز النقاش عموماً على المدى القريب أكثر من تركيزه على الآثار المحتملة في نهاية القرن. وذلك أكثر أهمية -سواء من وجهة نطر السياسة أو من حيث المنطق- من بعض النقاشات التقنية حول ما إذا كان استخدام الفحم قد يزداد أو ينقص بعد 80 عاماً من الآن».

مستقبل المناخ — حقوق الصورة: Arani Mukherjee/ Unsplash

لا يتفق جميع علماء المناخ مع شوالم. فالعالم «زيك هاوساذر»، مدير المناخ والطاقة في معهد «بريكثرو» الذي يُعنى بالدراسات البيئية، لا يتفق مع شوالم بأنّ سيناريو آر سي بي 8.5 هو سيناريو مشابه لمسارنا الحالي، لأن افتراضاته الأساسية حول استخدام الطاقة لا تتطابق مع الواقع. على سبيل المثال، يتوقع هذا السيناريو أن العالم سيستخدم الفحم بما يعادل 5 أمثال حجم استهلاكه عام 2005، بسبب تزايد عدد السكان، وضعف سوق الطاقة البديلة. يوضح هاوساذر بأن استخدام الفحم العالمي بلغ ذروته في عام 2013، ويبدو أن استهلاك الوقود الأحفوري يقل شيئاً فشيئاً. وبالرغم من أن انبعاثاتنا الحالية تشبه المسار الذي يفترضه السيناريو آر سي بي 8.5، إلا أننا بدأنا بالفعل في الابتعاد عن افتراضاته المتعلقة بالوقود الأحفوري.

يقول هاوساذر: «إن إظهار سيناريو المناخ هذا على أنه السيناريو الحالي هو أمر مضلل». ويضيف: «إن سيناريو آر سي بي 8.5 يقلل من أهمية الانبعاثات التي تنشأ عن تغير استخدامات الأراضي (مثل قطع أشجار الغابات لاستخدام مساحتها في الزراعة)، بينما يبالغ في تقدير الانبعاثات الناجمة عن استهلاك الطاقة. لذلك، بالرغم من أن إجمالي الانبعاثات حتى الآن تتطابق مع توقعات أسوأ السيناريوهات، إلا أن ذلك لا يعود إلى أننا نحرق الوقود الأحفوري بالمعدل الذي توقعه السيناريو 8.5 تقريباً؛ كما يقول هاوساذر، إنها إجابة صحيحة لسبب خاطئ.

في الواقع، طُورت هذه السيناريوهات عام 2005، وقد تغير الكثير في مجال الطاقة والسياسة العامة منذ ذلك الحين. وقد قدر الخبراء أنه -واستناداً إلى الالتزامات التي قطعتها البلدان منذ ذلك الحين-، فإننا على الأرجح على المسار الذي نتوقع فيه أن حرارة الأرض سترتفع 3 درجات مئوية في نهاية القرن. بالمقابل، يتوقع سيناريو 8.5 أن ترتفع الحرارة 5 درجاتٍ مئوية تقريباً. وذلك مهم لأن العديد من الدراسات تعتمد على هذا السيناريو للتنبؤ بآثار التغير المناخي. يعتقد هاوساذر أنه يجب على الباحثين استخدام سيناريوهات مناخية أقل تطرفًا من ذلك السيناريو للتنبؤ بمستقبل أوضح للمناخ.

يتفق كلا العالمان بأنه لا ينبغي استبعاد السيناريو الأسوأ بطبيعة الحال. يقول هاوساذر: «هناك بالتأكيد سيناريوهات يمكننا من خلالها الوصول إلى المستوى الذي يتوقعه سيناريو آر سي بي 8.5 من الاحترار بحلول عام 2100، أو على الأقل قريباً منه. ربما قد يكون من الأفضل عدم تجاهل السيناريو الأسوأ».

قد يكون من المفيد إضافة بُعدٍ آخر إلى سيناريوهات التغير المناخي. حيث طورت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ كجزءٍ من تقييمها التالي مسارات اجتماعية واقتصادية مشتركة (إس إس بي إس)؛ يمكنها أن تتفاعل مع مختلف السيناريوهات للتأثير على مسارات انبعاثاتنا المتوقعة. على سبيل المثال، وفي عالمٍ باتت تسوده «النزعات القومية» -كما يصفها أحد برامج (إس إس بي إس)- فقد تفشل البلدان في التعاون بشأن اتفاقيات المناخ، وبالتالي قد نتجه نحو مناخٍ ترتفع فيه درجة الحرارة بمقدار 4 درجات مئوية عام 2100. دراسة هذه المسارات الإضافية التي تشمل أيضاً تغير استخدام الأراضي، وإدخالها في سيناريوهات التنبؤ المناخي السابقة، ستساعد العلماء على عمل تنبؤاتٍ أكثر دقة.

بالرغم من قيام العلماء بتحسين توقعاتهم بشأن المناخ باستمرار، فإن رسالتهم الرئيسية لم تتغير كثيراً منذ عقود. يقول شوالم: «لم تتغير رسالتنا للعالم منذ 30 إلى 40 سنة الماضية، هي نفسها اليوم؛ يجب أن نتوقف عن استخدام الوقود الأحفوري، وكلما أسرعنا في القيام بذلك، كان ذلك أفضل».