Reading Time: 3 minutes

مقال من «سايكولوجي توداي»


أكتب هذه المقالة أثناء جائحة فيروس كورون. لقد أمضيت حتى الآن 6 أشهر أعمل من المنزل، حيث كنت أقضي معظم وقتي في العمل كل يوم في غرفةٍ صغيرة فيه. أشعر بالاشتياق إلى الأيام التي كنت أتجول فيها في حرم جامعة تكساس عدة مراتٍ في اليوم ذاهباً إلى الفصل أو اجتماعٍ ما.

تلك المشاعر هي الحنين إلى الماضي.

ما هو تأثير الحنين إلى الماضي على رفاهنا؟

حاول كل من الباحثين «ديفيد نيومان» و«ماثيو ساكس» و«آرثر ستون» و«نوربرت شوارتز» استكشاف إجابة لهذا السؤال من خلال سلسلةٍ من الدراسات قاموا بنشرها في ورقةٍ بحثيةٍ واحدة في عدد فبراير/ شباط من هذا العام، في دورية «بيرسوناليتي أند سوشال سايكولوجي».

أشار الباحثون في البداية إلى أن العديد من الدراسات التي تناولت أثر الحنين إلى الماضي في السابق كانت تطلب من المشاركين تذكر حدثٍ سابق من الماضي، يشعرون بالحنين تجاهه. تشير نتائج هذه الدراسات إلى أن تذكر الماضي يميل إلى جعل الناس يشعرون بمشاعر إيجابية وبالرضا.

ولكن هذه الدراسات لا تخبرنا الكثير عمّ يحدث عندما يشعر الناس بالحنين خلال من حياتهم اليومية. لاستكشاف هذا الأمر، أجرى المؤلفون نوعين من الدراسات. عملوا في النوع الأول على تطوير مقياسٍ مختصر يقيس الاختلافات بين الأشخاص في تجاربهم التي يشعرون فيها بالحنين إلى الماضي. يستخدم هذا المقياس أسئلةً مثل: ما هو مقدار شعورك بالحنين إلى الماضي؟ وإلى أي مدى يجعلك الماضي تشعر بالعاطفة الجياشة؟

طلبوا من المشاركين تقييم درجة مشاعرهم الإيجابية والسلبية على حد سواء، بالإضافة إلى أي مدى شعروا فيه بالإلهام وبمعنى الحياة. كما طلبوا منهم ملء استمارة تقييم الحنين، بالإضافة لمقاييس عناصر الشخصية الخمسة (المعروفة في علم النفس، والتي يُعتقد أنّها الأبعاد التي تكوّن شخصيّة الإنسان على المستوى البَديهي)، وإلى أي مدى ركز المشاركون على الأهداف لتحقيق نتائج إيجابية، أو تجنب النتائج السلبية؟

كان الميل إلى الشعور بالحنين إلى الماضي مرتبطاً بالتركيز على التجنب، وكذلك بالشخصية المتسمة بالعصابية. بشكل عام، فإن الميل إلى الشعور بالحنين إلى الماضي يتعلق بتجربة المشاعر السلبية والاكتئاب والندم. وترتبط المستويات الأعلى من الحنين أيضاً بالبحث عن معنى للحياة.

وتقترح الدراسة إلى أن الأشخاص الذين يصنفون أنفسهم على أنهم أكثر حنيناً للماضي؛ يميلون إلى الإحساس بمشاعر وعواطف سلبية أكثر من أولئك الذين يصنفون أنفسهم على أنهم أقل شعوراً بالحنين إلى الماضي. 

تناولت المجموعة الثانية من الدراسات التجربة اليومية للحنين إلى الماضي لدى المشاركين. حمل المشاركون مدونة يومية تحتوي على مقاييس الرفاهية لملئها كل يومٍ على مدار أسبوعين، كما قاموا أيضاً بتقييم مدى حنينهم إلى الماضي في نهاية الأسبوعين. تشير الدراسة إلى أن الأيام التي شعر فيها المشاركون بالحنين إلى الماضي كانت تلك التي شعروا فيها بمشاعر محبطة وسيئة عموماً.

ونظراً لأن الدراسة كانت مبنية على أساسٍ يومي، كان من الممكن التحقق من أثر كل يومٍ على اليوم الذي يليه. حيث تبين أن المشاركين يشعرون بالحنين إلى الماضي في اليوم الذي يلي شعورهم فيه بالوحدة غالباً. كما أظهرت الدراسة أن المشاركين يميلون للتفكير في الأشياء السلبية، وتجربة المشاعر السلبية في الأيام التي تلي شعورهم بالحنين إلى الماضي. تشير هذه النتائج إلى أن الحنين إلى الماضي ينشأ عن الشعور بالعزلة، ويؤدي إلى مشاعر سلبية في المستقبل.

فلماذا اقترحت العديد من الدراسات عن الحنين إلى الماضي أنه يخلق مشاعر إيجابية إذاً؟ يبدو أن الإجابة هي السبب يعود إلى الفارق بين أن تطلب من الناس تذكّر الأشياء التي تثير لديهم الحنين إلى الماضي، وبين الحنين إلى الماضي الذي يحدث بشكلٍ طبيعي وعفوي أثناء الأحداث اليومية.

طلب الباحثون في الدراسة الأخيرة من المشاركين التفكير في حدثٍ جعلهم يشعرون بالحنين إلى الماضي (وهو ما فعلوه في بداية الدراسة ونهايتها). قام المشاركون بتوصيف هذا الحدث ثم أعطوا تقييماً لرفاههم الكلي. بالإضافة إلى ذلك، أكمل هؤلاء المشاركون ملء يومياتهم لمدة أسبوع أعطوا فيها تقييمات للرفاهية، وسُئلوا عن حدث جعلهم يشعرون بالحنين إلى الماضي في نهاية هذه المدة. كما وصفوا حدث الحنين إلى الماضي.

قارن الباحثون مستوى المشاعر الإيجابية والسلبية التي مر بها الناس في اليوم الذي طُلب منهم فيه صراحة التفكير في تجربة حنين إلى الماضي، وقارنوا تلك الأيام التي شعر فيها الناس بالحنين بشكلٍ خاص في دراسة التجربة اليومية. خلص الباحثون إلى أن الطلب من المشاركين تجربة الحنين إلى الماضي؛ جعلهم يشعرون إيجابية أكثر وأقل سلبية مما كانوا يشعرون به في الأيام التي شعروا فيها بالحنين إلى الماضي بشكلٍ عفوي.

ما هو مصدر هذا الاختلاف؟ نظر المقيّمون في وصف الأحداث التي يتذكرها الناس. عندما طُلب من الناس التفكير في حدث يجعلهم يشعرون بالحنين إلى الماضي، كان يتذكرون الأحداث الأكثر إيجابية خلال حياتهم من الأحداث التي يتذكرونها الناس عندما تثيرها مواقف الحياة اليومية.

تشير هذه الدراسات إلى أن الحنين إلى الماضي سيف ذو حدين؛ فإذا حاولنا أن ننظر إلى الماضي بحثاً عن الأحداث التي تجعلنا نشعر بالحنين، فغالباً ما نفكر في الأشياء الإيجابية من ماضينا التي يمكن أن تؤدي إلى الشعور بالرضا والسعادة. لكن عندما تثير الأحداث اليومية الحنين إلى الماضي، فإننا غالباً ما نفكر في أشياء سلبية يمكن أن يكون لها تأثير سلبي على إحساسنا بالرفاهية، وقد يستمر هذا الإحساس لبضعة أيام.