Reading Time: 6 minutes

يحتفل محبو اليوغا وممارسوها باليوم العالمي لليوغا في الحادي والعشرين من شهر يونيو/حزيران كل عام. تمتد جذور هذه الممارسة القديمة والمعقدة إلى الفلسفة الهندية. بدأت اليوغا كممارسة روحانية، لكنها وجدت طريقها لتنتشر وتصبح أشبه برياضةٍ مفضلة لدى الكثيرين من أجل تحسين حالتهم النفسية والجسدية.

تتضمن اليوغا تمرينات خاصة بتنظيم التنفس، والتأمل، ووضعيات معينة لتقليل التوتر والمساعدة على الاسترخاء. وكثيراَ ما يتم الترويج إلى فوائد ممارسة اليوغا المتعددة سواءً الجسدية أو النفسية. لكن رغم إجراء كثيرٍ من الأبحاث والدراسات حول فوائد اليوغا الصحية، فما زلنا في حاجة لدراسات جديدة أخرى، حيث تفتقر العديد من الدراسات السابقة  إلى الجودة، كما تتضمن عدد قليل من المشاركين، وبالتالي لا تقدم أدلة قوية يمكننا الاستناد عليها بشكلٍ كامل في الحديث عن فوائد اليوغا صحياً.

لذلك، يمكن القول بأن اليوغا قد تكون عاملاً مساعداً فعّالاً وواعداً في استخداماتٍ طبية بعينها، إلا أنه لا يمكن الاعتماد عليها لوحدها بأية حال كطبٍ بديل، حيث تحتاج إلى مزيدٍ من الأبحاث. على كل حال، إليكم بعض فوائد اليوغا التي انتشر الحديث عنها، ورأي العلم في هذه الفوائد.

اليوغا والصحة النفسية

1. تقليل التوتر وأعراض الاكتئاب

من المرجح أن ممارسة اليوغا مع غيرها من أنشطةٍ كالتأمل تجعلنا قادرين على التحكم في التوتر. يؤدي الشعور الدائم بالتوتر إلى رفع مستويات هرمون الكورتيزول أو ما يعرف بهرمون التوتر، والحد من إفراز السيراتونين والدوبامين، الأمر الذي يرتبط عادةً بالاكتئاب.

في دراسة أجريت على 131 شخص من جنوب أستراليا يعانون من التوتر بمستويات خفيفة ومتوسطة لمدة عشرة أسابيع لبحث أثر اليوغا على المشاركين من حيث تقليل التوتر والقلق وتنظيم ضغط الدم، أظهرت نتائج الدراسة أن ممارسة اليوغا ساعدت بالفعل على تقليل معدلات التوتر والقلق، وساهمت في تحسين الحالة الصحية العامة للمشاركين في تأثيرٍ مشابه للاسترخاء.

وفي مراجعة حديثة لـ 23 دراسة شارك فيها 1272 مشاركًا من الأشخاص الذين يعانون من أعراض الاكتئاب -حتى مَن لم يتم تشخيصهم بالاكتئاب بالضرورة- كانت اليوغا مفيدة في تقليل الأعراض في 14 من هذه الدراسات.

لكن على جانب آخر، بحثت مراجعة أجريت في 2017 لسبع دراسات -تشمل 240 مشاركًا- حول آثار اليوغا على الأشخاص الذين تم تشخيصهم بالاكتئاب، ووجدت بعض الأدلة على الآثار الإيجابية لليوغا، لكن المراجعين اعتبروها أدلة غير كافية لتبرير التوصية باليوغا للأشخاص الذين يعانون من هذه الحالة. ويرجع ذلك لقلة عدد الأشخاص الذين تمت دراستهم، وعدم القدرة على المقارنة بين فوائد ممارسة اليوغا ومخاطرها بسبب عدم كفاية المعلومات المتعلقة بالسلامة.

  1. تخفيف القلق

يبدأ العديد من الأشخاص ممارسة اليوغا في محاولةٍ منهم للتكيف مع مشاعر القلق أو تقليلها. لكن حتى الآن لا توجد دراسات بحثية قليلة حول أثر اليوغا في تخفيف القلق، لأنه من غير الواضح بشكلٍ كامل كيف تعمل اليوغا على تقليل أعراض القلق لدى البعض.

ففي مراجعة أجريت عام 2013 لـ 23 دراسة (تضمنت 1722 مشاركا) لبحث أثر ممارسة اليوغا في تقليل القلق المرتبط بالمواقف الحياتية اليومية، أظهرت النتائج أن اليوغا قد تكون مفيدة في بعض الحالات دون الأخرى. وهو ما يتضح بشكلٍ أكبر في المراجعة التي أجريت عام 2018 لثماني دراسات (تضمنت 319 مشاركا يعانون من اضطرابات القلق أو مستويات عالية من القلق) لبحث الأمر ذاته، حيث أظهرت نتائج المراجعة وجود أدلة على أن اليوغا قد تساعد على المدى القصير في تخفيف حدة القلق لدى من يعانون منه بشكل عام، لكن عند بحث آثار اليوغا على هؤلاء الذين تم تشخيصهم باضطرابات القلق، لم تظهر أي آثار إيجابية ملحوظة لممارسة اليوغا.

اليوغا والصحة الجسدية

  1. تحسين عملية التنفس

تركز اليوغا على التحكم بعملية التنفس من خلال تدريبات وتمرينات معينة، وتشمل أغلب أنواع اليوغا هذه التدريبات. وتوصلت عدة دراسات إلى أن ممارسة اليوغا قد تحسن من عملية التنفس، والذي يساعدنا على زيادة قدرتنا على التحمل، وتحسين أدائنا بشكل عام، والحفاظ على صحة الرئة والقلب.

في دراسة أجريت عام 2012 على 60 شخصاً ممن يعانون من الانسداد الرئوي المزمن، والذين تم تدريبهم على تدريبات ووضعيات معينة لليوغا ليؤدوها بشكل يومي لمدة شهرين بمعدل 45 دقيقة في الصباح. أظهرت النتائج أن ممارسة اليوغا كانت مفيدة للمرضى كعلاجٍ مساعد إلى جانب العلاج التقليدي، كما أنها ساعدت على تحسين سعة الانتشار في الرئتين، والتي تستخدم كمقياس لمعرفة إلى أي مدى ينتقل الأكسجين وثاني أكسيد الكربون بين الرئتين وخلايا الدم بشكلٍ جيد، كما تستخدم سعة الانتشار في تشخيص أمراض الرئة ومراقبة سير علاجها.

وفي مراجعة أجريت عام 2016 لـ 15دراسة (تضمنت 1048 مشاركا) عن اليوغا وعلاقتها بمرض الربو، توصل المراجعون إلى أن اليوغا قد تسهم في تحسن بسيط فيما يتعلق بأعراض مرض الربو ووظيفة الرئتين، وتحسين القدرة على القيام بالأمور الحياتية العادية لدى المرضى. على جانبٍ آخر، لا ينبغي بأي شكل التعامل مع اليوغا كبديلٍ عن العلاج الطبي لمرض الربو.

  1. تخفيف شدة الصداع النصفي

يتم علاج الصداع النصفي بأدويةٍ محددة تعمل على تخفيف وطأة أعراضه وآلامه. ولكن هناك أدلة متزايدة تفيد بأن اليوغا قد تكون علاجاً تكميلياً ناجحاً لتقليل وتيرة الصداع النصفي.

في دراسة أجريت عام 2007، شارك فيها 72 شخصاً يعانون من الصداع النصفي، خضعوا للعلاج باليوغا لمدة 3 أشهر، أظهرت النتائج أن ممارسة اليوغا أدت إلى تقليل شدة الصداع، وتبعياته، وآلامه.

وفي دراسة أخرى أجريت عام 2014 شارك فيها 60 شخصاً يعانون من الصداع النصفي، واستمرت لمدة 6 أسابيع، تلقت مجموعة من المشاركين العلاج التقليدي مع ممارسة اليوغا، والمجموعة الأخرى تلقت فقط العلاج التقليدي للصداع النصفي.  في نهاية الدراسة أظهرت النتائج أن وتيرة الصداع وشدته تحسنت بشكلٍ أكبر لدى المجموعة التي تلقت العلاج التقليدي إلى جانب ممارسة اليوغا عن هؤلاء الذين تلقوا العلاج التقليدي بمفرده.

كما تعمل وضعيات مختلفة معينة لليوغا على تحفيز العصب المبهم/ الحائر، والذي يلعب دوراً مهماً في جسم الإنسان، حيث يمتد من الدماغ وصولاً للجهاز الهضمي. يؤثر العصب المبهم على نبضات القلب، ويتحكم  في حركة الأمعاء الدقيقة وجزء من الأمعاء الغليظة، ويسيطر على عملية النطق والتعرق وغيرها. ومؤخراً، أظهرت بعض الدراسات أن تحفيز العصب المبهم لمدةٍ طويلة له دور مؤثر في تخفيف الصداع النصفي.

3. المساعدة في تخفيف الآلام

تم إجراء الأبحاث حول آثار اليوغا في الحالات المختلفة المرتبطة بالشعور بالألم. أظهرت اليوغا نتائج واعدة فيما يتعلق بتخفيف آلام أسفل الظهر وآلام الرقبة. فكانت اليوغا ضمن الاختيارات التي أوصت بها الكلية الأمريكية للأطباء كعلاجاتٍ أولية غير معتمدة على تناول الدواء  لعلاج آلام أسفل الظهر المزمنة.

وفي تقريرٍ أجرته وكالة أبحاث الرعاية الصحية والجودة في عام 2018 لتقييم 8 دراسات عن أثر اليوغا على آلام أسفل الظهر (بمجموع 1466 من المشاركين)، أظهرت النتائج أن اليوغا خففت الألم على المدى القصير (من 1 إلى 6 أشهر) وعلى المدى المتوسط ( من 6 إلى 12 شهرًا).

أما فيما يتعلق بآلام الرقبة،  ففي مراجعة أجريت هذا العام لعشر دراسات (تضمنت 686 مشاركاَ)، أظهرت النتائج أن ممارسة اليوغا ساعدت على تقليل شدة آلام الرقبة وصعوبة حركتها، بل وساهمت في تحسين حركة الرقبة.

لكن على جانبٍ آخر، تم إجراء عدد قليل من الدراسات حول أثر اليوغا على تقليل الآلام المرتبطة بأمراضٍ كالإجهاد المزمن والفيبروميالجيا (أحد أمراض المناعة الذاتية المكتشف حديثاً)، والصداع العادي والتهاب المفاصل، فلا يوجد أدلة كافية تشير إلى أن اليوغا تخفف الألم في هذه الحالات.

4. نوم أفضل وعادات غذائية صحية

ممارسة اليوغا ضمن روتين الحياة اليومي قد يحسن من جودة النوم الذي نحظى به. فممارسة اليوغا لها آثار إيجابية في تخفيف وطأة التوتر والقلق، وتقليل الشعور بالإجهاد وبعض الآلام المزمنة كآلام الرقبة والظهر، وكل هذه الأمور تشترك في تسببها في مشاكل بالنوم، لذا قد تكون ممارسة اليوغا حلاً يساهم في تحسين الأمر.

في دراسة أجريت عام 2013، أشارت النتائج  إلى أن ممارسة اليوجا تساعد على المدى البعيد في الحصول على نوم أفضل، وتحسين أداء المهام اليومية في الحياة العادية لدى كبار السن.

بالإضافة إلى ذلك، فإن ممارسة اليوغا تسعى إلى تحقيق حالة من الوعي وإدراك الذات، أي أن تكون حاضراَ في اللحظة والمكان الحاليين بدون تركيز مشتت وأفكار متعلقة بما حدث بالماضي أو ما سيحدث بالمستقبل. يمتد هذا المسعى إلى عادات تناول الطعام، فاليوغا تساعد على ما يسمى بـ «الأكل اليقظ» للوصول إلى عاداتٍ غذائية صحية. يهدف الأكل اليقظ إلى مساعدتنا في السيطرة على عاداتنا الغذائية، من خلال الانتباه إلى مذاق ورائحة ما نأكله، والانتباه إلى نوعية الطعام وملمسه وما نشعر به عند تناوله. ترجح بعض الدراسات أن تعزيز العادات الغذائية الصحية من خلال الأكل اليقظ يساعد في تنظيم سكر الدم، وإنقاص الوزن لدى السيدات، ومعالجة بعض اضطرابات الطعام.

في الأخير، ممارسة اليوغا تعد ضمن الأنشطة البدنية الآمنة التي يستطيع الناس  ممارستها، طالما كان ذلك تحت توجيه ممارس مرخص، وبممارسة صحيحة للوضعيات والحركات. وبالطبع لا يخلو أي نشاط من الأنشطة البدنية من احتمالية وقوع إصابات. تعد الالتواءات والإجهاد الجسدي إثر الضغط الشديد أكثر الإصابات شيوعاً لدى ممارسة اليوغا، ونادراً ما تحدث إصابات خطيرة. وتظل معدلات الإصابات المرتبطة بممارسة اليوغا أقل خطورة وتأثيراً من الإصابات المرتبطة بالأنشطة البدنية الأخرى.

وتذكروا عند ممارستكم لليوغا أنه لا ينبغي لكم التوقف عن المتابعة مع طبيبكم وتناول الدواء الموصوف لكم في حالة إصابتكم بأحد الأمراض، فلا يمكنكم الاعتماد عليها كعلاج بديل للأمراض، فقط تمتعوا بما تحققه لكم بشعور بالراحة والاسترخاء في ظل ضغط حياتكم اليومية.