Reading Time: 3 minutes

في المرة القادمة التي تقيس فيها درجة حرارتك، لا تقلق إذا لم تتوافق بما حدده الطبيب لك، فقد بات رقم 98.6 درجة فهرنهايت (37 درجة مئوية) مجرّد رقمٍ عادي لحرارة الجسم. وتلك خلاصة مجموعةٍ من الأبحاث الجديدة، والتي تكشف أنّ درجة حرارة الإنسان مرنة وفريدة، ويمكن أن تكون غير متوسط درجة حرارة الجسم العادية بشكلٍ طبيعي.

فقد خلصت دراسةٌ جديدة أجراها باحثون من جامعة ستانفورد؛ إلى أنّ درجة حرارة أجسامنا أبرد في المتوسّط من درجة حرارة أجسام أسلافنا. في الحقيقة، الفرق الذي اكتشفوه ليس كبيراً، فقد كان الفرق أقلّ بمقدار 1.06 فهرنهايت (17- درجة مئوية) في المتوسط بالنسبة للذكور المولودين هذه الأيام، مقارنةً بالمولودين في أوائل القرن التاسع عشر، وأقل بمقدار 0.58 درجة فهرنهايت بالنسبة للمواليد الإناث اليوم مقارنةً بالمواليد حوالي العام 1890، لكن هذا الفرق يضيف دليلاً جديداً إلى مجموعةٍ متزايدة من الأدلة على أن حرارة الجسم أكثر مرونةً بكثير مما كان يُعتقد في السابق.

لقد حدّد الطبيب الألماني «كارل رينولد أوغست ووندرليش» عام 1851 درجة حرارة الجسم المثالية في الأحوال العادية، والتي تبلغ 98.6 فهرنهايت (37 درجة مئوية). إلا أنّ العلماء باتوا يدركون، خلال العقدين الأخيرين على الأقل، أن متوسّط درجة حرارة الجسم قد بات أقلّ في الواقع من ذلك؛ حسب ما أفادت به مؤّلفة الدراسة الجديدة «جوني بارسونيت»، أستاذة الطب في جامعة ستانفورد. في الحقيقة، ليس معروفاً حتّى الآن فيما إذا كانت الأدوات التي استخدمها «ووندرليش» في تحديد درجة الحرارة المثالية غير دقيقةٍ، أو أعطته قراءةً أعلى من الواقع، أو ما إذا كان متوسط درجة حرارة الإنسان قد انخفض فعلاً خلال قرنٍ ونصف من الزمن.

استخدمت بارسونيت وزملاؤها في الدراسة 3 مجموعات من بيانات درجة الحرارة؛ الأولى تعود لسجلّاتٍ تحوي درجات حرارة قدامى المحاربين خلال حقبة الحرب الأهلية في الولايات المتحدة، وتمتد لثمانين عاماً. وضمّت سجلّات المجموعة الثانية عينةً تمثيلية للسكّان تعود إلى الفترة بين عامي 1971 – 1975، أما الثالثة فتعود إلى سجلّات درجة حرارة مجموعةٍ من البالغين بين عامي 2007-2017.

تختلف مجموعات البيانات هذه عن بعضها البعض بطرق عديدة، مثل موضوع الدراسة التي جُمعت من أجلها درجات الحرارة، التركيبة السكّانية بالإضافة إلى مدة جمع هذه المعلومات. ولكّن الشيء المشترك بينها أنها تضم سجلّات درجة الحرارة لفترةٍ طويلة من الزمن نسبياً.

وقد استخدم الفريق هذه المعلومات بطريقتين. أولاً، قاموا بتصميم نموذجٍ باستخدام جميع مجموعات البيانات التي أظهرت بوضوح انخفاض درجة الحرارة مع مرور الوقت. وثانياً، تحققوا من بيانات كل مجموعةٍ على حدى للتبين فيما إذا كان الانخفاض كان مُمثلاً في المعلومات هناك.  كانت مجموعة البيانات التي تعود إلى حقبة الحرب الأهلية الأمريكية ذات أهميةٍ خاصّة، لأنها تضمّ معلوماتٍ لفترةٍ أطول بكثير من المجموعتين الباقيتين عموماً. في الواقع، لم يكن لدى الباحثين أي وسيةٍ أخرى للتأكّد من ما إذا كان هناك دورٌ لتغيّر تكنولوجيا قياس درجة الحرارة في انخفاضها دون القيام بالخطوة الثانية في الدراسة، لكّن الأمرَ كان واضحاً حتّى ضمن كلّ مجموعةٍ من البيانات كما تقول بارسونيت.

وتضيف بارسونيت: «لقد كانت سنة ميلاد الشخص مؤشراً قوياً خصوصاً في مجموعة البيانات التي تعود لحقبة الحرب الأهلية، فقد كانت تشير إلى أن متوسّط درجات الحرارة لمن ولدوا عام 1845 مثلاً؛ كانت أقلّ لدى مواليد عام 1820 على سبيل المثال. وقد تطابقت النتائج في المجموعات اللاحقة الأخرى أيضاً. لكّن الأمر الذي فاجأني بالفعل أنني لم أكن أعتقد أنّ متوسط درجات الحرارة سينخفض من سبعينيات القرن العشرين مقارنةً بوقتنا الحاضر».

وتعتقد بارسونيت وزملاؤها أنه يمكن تفسير هذا التغيّر في درجات حرارة بتغير فيزيولوجيا البشر. وتقول: «في النهاية، تختلف حياة الأميركيين في عام 2020 تماماً عن الحياة التي عاشها قدامى المحاربين، منذ أكثر من قرنٍ من الزمن. من المحتمل أن يكون ميكروبيوم أجسامنا مختلفاً عما كان عليه سابقاً، وذلك بفضل ما نأكله وما نتعرض له، بالإضافة لاختلاف الجهد اليومي عن ذاك الزمن، وهذان عاملان فقط من بين العديد من العوامل الأخرى التي قد تؤثّر على الأيض الذي له صلةٌ مباشرة بحرارة الجسم».

يشير «وليد جافيد»، أستاذ الطب في «مدرسة طب ماونت سيناي» والذي لم يشارك في الدراسة، أنّ هذا الانخفاض في درجة حرارة الجسم مثيرٌ للاهتمام، لكّنه عبّر عن عدم اقتناعه بدقّة تمثيل البيانات بالمجمل لحجم التغيّر الحاصل في درجة الحرارة. ويقول: «من الصعب حقاً التأكد من أن نموذج الباحثين يصحّح جميع الاختلافات بين مجموعات البيانات الثلاث، ومع ذلك، وفي ظلّ ما هو متاح عندما يتعلق الأمر بتتبع سجلات درجة حرارة الجسم الزمنية، أعتقد أنّ لا يمكن التوصّل إلى نتائجٍ أفضل من ذلك».

بالرغم من أن البحث الحديث ليس مثالياً في نتائجه، إلا أن درجة حرارة الإنسان تبدو أنها تتناقص بمرور الوقت. وبلا شكّ، فإن الأمر ليس واضحاً كما افترض أطباء القرن التاسع عشر؛ فقد نشر «جافيد» بحثاً العام الماضي يتضمّن تقييماً لـ 36 دراسةً بحثية سابقة حول درجة حرارة الجسم المُقاسة، وقد وجد الكثير من التباين بينها. بكلامٍ آخر، فإن درجة حرارة 98.6 فهرنهايت هي «طبيعية» بالنسبة للبعض، وفي ظلّ شروطٍ معينة فقط.

تقول بارسونيت: «نحن ما زلنا في بداية ادراكنا أن هذا الأمر يحدث، وسواءَ كان لذلك مدلولٌ ما أم لا، فأعتقد أنه شيءٌ يجب اكتشافه في المستقبل».

تتمثل إحدى الخطوات الحاسمة في إجراء دراسة مستقبلية (مُسبقة)، حيث يجمع العلماء في هذا النوع من الدراسات مجموعةً من الموضوعات بهدف متابعتها لسنوات أو عقود؛ لتتبع التغيرات التي تطرأ عليها. يجب أن تُصمّم هذه الدراسة خصيصاً للنظر في درجة الحرارة، وتعويض النقص الحاصل في جميع العوامل في الدراسات السابقة، والتي من الممكن أن تؤثّر عليها، مثل الوقت من اليوم، ونوعية الطعام التي تناولوها، وما هي الأنشطة التي شاركوا فيها… إلخ. بذلك ستعكس نتائجها صورةً أكثر شموليةً لكيفية تقلّب حرارة الجسم بالفعل على مستوى السكّان، وتلك الصورة بدورها، يمكن أن تكسب الباحثين مزيداً من فهم صحّة الإنسان واحتياجاته، بما فيها الغذائية والميكروبية.