Image

الكلاب تهز ذيلها، والفئران تقهقه، والخيول تنخر

Bread assortment السعادة في آذان الناظر.
حقوق الصورة: بيكساباي

دائماً ما تحملق سلحفاتي في وجهي. وسواء أكنت أطعمها الجزر، أو أداعب قوقعتها، أو أراقبها من بعيد دون تركيز، فكل ما سأحصل عليه منها هو  نظرتها الأبدية.

لقد حاولت بذل قصارى جهدي لإرضاء سلحفاتي لينوس منذ أن لمحتها في سلسلة متاجر للحيوانات الأليفة. كانت تجلس في صندوق زجاجي مقفول، تحت الأضواء المشعة، وتختبئ في قوقعتها عندما كان الزبائن ينظرون إلى الزجاج أو ينقرون عليه. كان طبق طعامها فارغاً تقريباً، فيه بضع حبيبات من طعام السلاحف التجاري. أخبرتني الفتاة العاملة هناك أن هذه المكملات غير الشهية تعطي السلاحف كل ما تحتاجه من غذاء (للأمانة، هذا غير صحيح). ثم قررتُ، وعادت لينوس معي إلي البيت.

لقد بنيت لها مأرضة خشبية مفتوحة (مربى صغير للأحياء البرية) مليئة بنقاط الاختباء، وصخور التعرض للشمس، والأطباق التي تفيض بالأوراق الخضراء. وبطبيعة الحال، فإن حياة الأسر ليست مثالية لأي سلحفاة، لكن واحتي الاصطناعية يجب أن تكون أفضل من سجن زجاجي في متجر صاخب.
أريد أن أصدق أن لينوس سعيدة معي، ولكن مع هذا الوجه المتغضن جامد القسمات، من المستحيل معرفة ذلك. لذا استشرت جوجل: “كيف أعرف أن سلحفاتي سعيدة؟”. كان هناك الكثير من الأجوبة. وقال أحد المستخدمين إن السلاحف تحب الأحضان. كنت متشككة، ولكنني وضعت لينوس في حضني على أمل أن نتمتع بقراءة كتاب جيد معاً. ولكنها تبرزت فوقي على الفور. ونصح مستخدم آخر بالسماح لها بالتجول بحرية في جميع أنحاء المنزل. وانتهت هذه التجربة أيضاً بالتبرز.

لم أستطع العثور على تفسير مُرضٍ. كان هناك الكثير من النصائح حول كيفية الحفاظ على صحة السلحفاة، ولكن الصحة لا تعني السعادة. إذاً، كيف لنا أن نعرف ما إذا كانت حيواناتنا الأليفة – ولا سيما الحيوانات التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ – تعيش في راحة بال؟

إنه سؤال بحثه العلماء على مدى قرون من الزمن. في عام 1872، نشر تشارلز داروين كتاباً كاملاً حول هذا الموضوع، مؤكداً أن البشر والعديد من الحيوانات يعبرون عن العواطف بطرق مشابهة. وإذا صحّ ذلك، فإن العواطف تطورت فعلاً قبل أن يتطور النوع البشري. ويرى الفيلسوف توماس نيجل أنه سواء كان هذا صحيحاً أم لا، فإننا لن نعرف أبداً. وفي مقالته “ما معنى أن تكون خفاشاً؟” كتب نيجل أنه حتى لو قضينا أيامنا “معلقين من أقدامنا رأساً على عقب في العلّية”، فمن المستحيل معرفة شعور الخفاش، ولا حتى الرجل الخفاش لديه القدرة على الوصول إلى هذا الشعور الداخلي.

ولكن لمجرد أننا لا نعرف كيف يشعر الحيوان، فإن هذا لا يعني أنه لا يشعر بشيء. فلدى الدلافين والأبقار والشمبانزي والكلاب وحتى السناجب مراكز معالجة عاطفية في الدماغ مماثلة لتلك الموجودة عند البشر. ولذلك على الأقل، ستواجه الحيوانات العواطف الأساسية مثل الخوف والغضب والحزن والفرح. كانت مجموعة من العلماء على يقين من ذلك، وقد قاموا بالتوقيع على إعلان كامبريدج بشأن الوعي في عام 2012، وأقروا بأن جميع الثدييات والطيور (وبعض اللافقاريات، مثل الأخطبوط) هي مخلوقات واعية. لقد شهدنا جميعاً نماذج مؤثرة تمس شغاف القلوب لعواطف الحيوانات، مثلما حدث عندما توفي الفيل داميني من الحزن بعد وفاة شريكه فيل الشثني في حديقة الحيوان. أو عندما احتضن الأسد كريستيان بفرح الرجال الذين رعوه بعد أن انفصلوا عنه تسعة أشهر.

إذا لم تبك وأنت تشاهد هذا المقطع، فأنت بلا مشاعر.

لكن البعض يرفض تماماً مفهوم العواطف عند الحيوانات، مثل عالم السلوكيات بي إف سكينر. وهو يجادل في أن المشاعر البشرية هي مجرد تمثيلية، وأن العواطف في أي نوع هي “أسباب خيالية ننسب إليها السلوك عادة”. وادعى جون واتسون، وهو عالم سلوكيات آخر معروف، أن هذه الحالات العقلية التفاعلية هي ببساطة استجابات جسدية للمحفزات.

وقد أثار الرافضون غضب مارك بيكوف، الأستاذ الفخري لعلم البيئة وعلم الأحياء التطوري في جامعة كولورادو، والذي يقول إن الحيوانات مخلوقات عاطفية عميقة بشكل لا يمكن إنكاره، تماماً مثل البشر.

وهو يقول: “السؤال الحقيقي هو لماذا تطورت هذه المشاعر، وليس إذا كانت قد تطورت أم لا. هناك شيء واحد نستطيع الوصول إليه مباشرة عند كل من البشر وغير البشر، وهو السلوك. ويمكننا استخدامه كمعيار جيد لما تشعر به الحيوانات”
لا يوجد حيوانان متماثلان تماماً، مما يجعل من الصعب للغاية قياس السلوك. وبالنسبة للحيوانات الأليفة، نعتقد أننا نعرف جيداً أنه من السهل استخلاص النتائج. فالكلب الذي يهز ذيله هو كلب سعيد. والقطة التي تصدر صوت الأزيز تشعر بالرضا. لكن ليس هذا هو الحال دائماً. فالكلاب قد تعض الناس وهي تهز ذيلها. ويمكن للقطط أن تصدر صوت الأزيز عندما تصاب بجروح. ووجدت الدراسات السابقة أن أصواتها تهتز بتردد يظهر أنه لتعزيز الشفاء في العظام والعضلات،وهو نفس التردد في ما يسمى العلاج بالاهتزاز، والذي استخدم لأول مرة على رواد الفضاء في برنامج الفضاء السوفييتي، للمساعدة في بناء كثافة العظام ومنع ضمور العضلات. ويمكن لهذا التكيف أن يفسر كون القطط تعاني أقل من غيرها من توابع الإصابات مثل هشاشة العظام، فيبدو للناس أنها بتسع أرواح.

على الرغم من عدم وجود مقياس للسلوك، فعلى الأرجح أن الصلة بين الحركة والعاطفة لا تقتصر على البشر. ففي دراسة نشرت في وقت سابق من هذا العام ، اختبر العلماء كيف تفاعلت الكلاب عندما أعطى أصحابها الطعام لكلب مزيف قريب من الحقيقي. وأظهرت عمليات مسح الدماغ عند الكلاب الأكثر عدوانية وجود اللوزة الدماغية النشطة، وهي نفس المنطقة من الدماغ التي تنشط عندما يشعر البشر بالغيرة.

ودرس بحث آخر الصوت كمؤشر على المشاعر الإيجابية عند الحيوانات. فقد وجدت ماتيلدا ستومب الطالبة في مرحلة الدكتوراه في جامعة رين، أن نخير الخيل يمكن أن يؤدي غرضاً أسمى من مجرد تنظيف المنخرين. وفي دراسة نشرت في يوليو 2018 في مجلة بلوس وان، قاست ستومب 500 نخرة خيل في ظروف معيشية مختلفة. تقول ستومب إن الخيول التي تعيش في بيئة طبيعية أكثر تنخر أكثر من خيول تعليم الركوب المحبوسة في الحجرات الفردية.

وتقول ستومب: “لاحظنا بشكل متكرر أن النخير كان يتكرر جداً في الأماكن التي كانت فيها الخيول في ظروف رعاية جيدة، ولكن أيضاً عند الانتقال إلى ظروف ممتعة جديدة، مثل الذهاب إلى مرعى غني جديد. ولا يمكن أن يكون هذا بسبب جودة الهواء فقط، حيث كان يتجدد القليل من الهواء في بعض الاسطبلات المغبرة”.

وترى ستومب أن هذه الأصوات غير الناطقة هي انعكاسات للرضا، كما هو الحال عندما يتنهد البشر عند الشعور بإنجاز عمل ما.

وليست الخيول وحدها من تنفث هواء الأنف الساخن عندما تكون في حالة معنوية عالية. فقد شاهدت ستومب حيوانات وحيد القرن والتابير تفعل ذلك أيضاً.

تقول ستومب: “في كلتا الحالتين، كان إصدار النخير في هذه الأنواع مرتبطاً بحالات إيجابية: أثناء البحث عن الطعام عند وحيد القرن، وخلال الاتصال الاجتماعي الوثيق بين الأم وصغارها عند حيوان التابير”.

لا يمكننا القول إن النخير هو بالتأكيد علامة للرضا، فهو قد يكون عند الخيول إشارة للخطر أيضاً. ويمكن لكثير من هذه السلوكيات أن تؤدي أغراضاً مزدوجة عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن العواطف. ولكن هناك بعض السلوكيات التي يقول عالم الأحياء بيكوف إنها لا يمكن تفسيرها إلا بأنها مبهجة، مثل مراسم التحية التي شاهدها أثناء دراسة طيور البطريق آديلي في القارة القطبية الجنوبية.

يقول بيكوف: “هذه البطاريق ليس لديها وجوه معبرة على الإطلاق، ولكن عندما تبدأ في  إصدار الأصوات وتقبيل بعضها، يمكنك أن تشعر بالبهجة. فليس هناك أي استنتاج آخر غير أنها سعيدة لرؤية بعضها”.

ربما يتعلق الأمر بعواطفنا الشريرة، ولكن يبدو أننا نقرن الحيوانات المحبوبة تقليدياً – مثل البطاريق التي تتمايل في مشيها في أقصى الجنوب من العالم – بأنها أكثر عاطفية من المخلوقات التي تخيفنا. خذ مثلاً هذا العدو الأول لمدينة نيويورك: الفأر. فعلى عكس لم شمل جرو المُسترد الذهبي أو البطريق، لا تسمع غالباً عبارة: “انظروا كم تبدو تلك الفئران سعيدة!”

لكن العلماء أظهروا أن الفئران تنضح “بالسعادة”، مثل الثدييات الأخرى، إن لم يكن أكثر منها. وقد قام عالم الأعصاب جاك بانكسيب في تسعينات القرن الماضي باكتشاف مفاجئ: فالفئران تحب أن يدغدغها. عندما تلعب الفئران، فإنها تصدر صوت سقسقة عالي التردد لا تدركه الأذن البشرية. وباستخدام معدات خاصة لعزل الأصوات، اكتشف بانكسيب أنه عندما كان يدغدغ الفئران، كانت أصوات سقسقتها المحمومة قريبة من القهقهة.

من يدري إذا كانت الفئران تضحك فعلاً، لكن بانكسيب يقول إن الأمر لا يمكن أن يكون ضجيجاً سببه الاستياء أو الخوف. فهذه أصوات أقل تردداً وقد تكون سمعتها بنفسك إذا شاهدت مذبحة الفئران وهي تتصارع على عظم دجاجة. وعندما وضع بانكسيب يده في القفص، كانت الفئران تسير بشكل مستقيم نحوها، متلهفة للدغدغة. وعندما سحب يده، كانت الفئران تقف على أقدامها الخلفية سعياً إلى دغدغة هذا العالِم.

ربما لا يستطيع الكلب أو القطة أو الفأر إخبارنا بأنهم سعداء، ولكن في السياق الصحيح، تشير سلوكيات مثل هز الذيل أو الدغدغة إلى أنها سعيدة على الأرجح. ولكن ماذا عن الأنواع الأخرى التي لا يبدو أنها تعبِّر عن أي عاطفة على الإطلاق، مثل سلحفاتي الكسولة الرزينة؟

ويرى مات إيفانز، عالم الأحياء في حديقة حيوان سميثسونيان الوطنية، أنه حتى مع وجود عين مدربة، لا تزال العواطف في المخلوقات ذات الدم البارد لغزاً. لكن الدم البارد لا يعني بالضرورة وجود قلب بارد.

ويقول إيفانز: “من الصعب جداً تحديد كمية العواطف أو المشاعر، أو حتى محاولة قياس المرض عندما يتعلق الأمر بالزواحف. وليست المشكلة في أنها لا تملك هذه العواطف، ولكنها فقط تظهرها بشكل مختلف عن الثدييات”.

لقد شاهد إيفانز التماسيح، وحتى تنين كومودو الرهيب وهو يعرض ما يمكن تفسيره على أنه سلوك مرح (هذا الفيديو الخاص بتنين كومودو وهو يلعب لعبة شد الحبل يستحق المشاهدة تماماً). ويبدو أن الزواحف الأخرى – مثل السلحفاة ألدابرا العملاقة التي تزن 250 كيلوجراماً – تستمتع بمشاعر اللمس مثل حك عنقها أو قوقعتها.

يقول إيفانز: “ستدفع عنقها إلى الخارج عند حكه، وتمده مثلما يفعل الكلب تقريباً. ويبدو أنها تمد عنقها أيضاً عندما تمشي إلى الغرفة. وسوف تقف لتلتفت وتنظر إليك”.

حتى أقدم الحيوانات في العالم تستمتع عندما نحك عنقها.

لقد لاحظتُ ذلك مع لينوس، فهي تمد عنقها وتقوس رأسها نحوي عندما أتحدث معها. في بعض الأحيان تسير نحوي إذا كنت بالقرب من حظيرتها. أود أن أفكر في الموضوع على أنها تحبني أيضاً، ولكن أعتقد أن الأمر يعود ببساطة لأنني القيّمة على إطعامها. وهذا هو الجزء المخادع من العواطف عند الحيوانات. فمن السهل جداً تجسيم الأشياء، وهو المصطلح الذي نطلقه عندما ننسب العواطف أو السمات البشرية للحيوانات الأخرى.

ومن الأمثلة على ذلك، الكلب المذنب دنفر (على الرغم من أن ذلك الكلب البائس يبدو نادماً جداً)، وببغاء كوكاتو الذي يحب أنثى الببغاء إلفيس. نعم، من المغري أن نفترض أن الكلب يأخذ ملامح وجه الطفل العابس لأنه يعلم أنهم فعل شيئاً سيئاً وأنه يشعر بالأسف تجاهه. ومن المغري أن نفكر بأن الحيوان الذي يهز ذيله يشعر بالفرح الغامر من أداء مالكه لأغنية مشهورة. لكن بعض العلماء يجادلون بأن الحيوانات لا يمكنها أن تواجه مشاعر ثانوية مثل الشعور بالذنب، وأنها تتفاعل فقط مع لغة جسد مالكها وصوته. وربما كان ببغاء كوكاتو يكره الأنثى إلفيس، ولكنه قد يتمايل مع مالكه الذي يعزف بارتجال على الجيتار. لكن كيف نعرف حقاً؟

ولا تزال السعادة أمراً محيراً، ولكن الفحوص المخبرية يمكن أن تثبت العكس. ومثل كل أصناف العلوم المفيدة، فإن الأمر يتعلق بفحوص البراز. وتقوم جانين براون، رئيسة مختبر الغدد الصماء في معهد سميثسونيان لعلم الأحياء، باختبار مستويات هرمون الكورتيزول “هرمون الكرب” في عينات البراز لمعرفة ما إذا كانت الحيوانات مريضة أو قلقة.

تقول براون إن الأمر مفيد بشكل خاص بالنسبة لحيواناتنا الأليفة التي يصعب الحصول عليها مثل السلحفاة لينوس، أو الأنواع التي لا يلائمها إظهار الضعف في الحياة البرية. ويمكن أن تشير هذه الاختبارات أيضاً إلى كون حظيرة الحيوان ليست بالمستوى المطلوب. فقد حلّلت براون براز أكثر من نصف النمور الملطخة الأسيرة في أميركا الشمالية، ووجدت أن مستويات الكرب كانت أعلى بكثير في الحظائر التي تفتقر إلى أماكن للاختباء والأشجار العالية. وقد غيرت حدائق الحيوان هذه الحظائر لتناسب المواطن الطبيعية للنمور على نحو أفضل، فانخفضت مستويات الكرب عندها.

تقول براون: “لقد عزز هذا الأمر أهمية بناء الحظائر التي تلبي احتياجات الحيوان على أساس التاريخ الطبيعي. لقد تمكنا من إجراء تغيير جذري في الطريقة التي كنا نشرف بها على النمور الملطخة استناداً إلى دراسة بسيطة جداً للبراز”.

ومثلما فعل العلماء قبل 100 عام، تحاول براون أيضاً فك شفرة السعادة من خلال دراسة هرمونات الحيوانات مثل الأوكسيتوسين والبرولاكتين. وترى براون أن أفضل طريقة في الوقت الحالي لتعلم العواطف عند الحيوانات هي من خلال السلوك. وقد لا نعرف أبداً ما هي العواطف التي تكمن وراء حوافر الحيوانات الأخرى ومخالبها، لكن ربما لم يكن من المفترض أبداً أن نعرف ذلك.

error: Content is protected !!