Reading Time: 5 minutes

لا يزال السؤال حول إمكانية وجود حياة أخرى خارج كوكب الأرض يشغل بال الكثيرين، وما زال الأمر موضع دراسة وبحوث تستغرق وقتاً طويلاً، وتتطلب تقنياتٍ عالية لم نتوصل إليها بعد. فكم نحتاج من الوقت لاكتشاف كواكب تشبه كوكبنا؟

عثر علماء الفلك حتى الآن على أكثر من 4000 كوكب يدور حول النجوم البعيدة، ولكن لا أحد منها يشبه أرضنا. هناك كوكب «Teengarden b»، وهو بحجم كوكبنا، إلا أنه يدور بسرعةٍ حول شمسه القزمة الخافتة في 5 أيامٍ (أرضية)، بينما يستغرق الكوكب الآخر «كيبلر-452 بي» نحو 385 يوماً عادياً ليكمل دورته حول شمسه الخاصة التي تشبه شمسنا؛ نجمنا الأعظم. لكن طبيعة الكوكب «كيبلر-452 بي» تبدو صخريةً أكثر بكثير من كوكب الأرض. لذلك، ما زلنا نجهل الكثير عن الكوكبين المكتشفين المشابهين للأرض، ولايزال وجود كواكب أخرى مشابهة للأرض (إن وجدت)؛ إحدى الألغاز التي تحير علماء الفلك.

وعلى الرغم من افتقار التلسكوبات الفضائية للأدوات المناسبة لاستكشاف الكواكب البعيدة، والبحث عن كوكب يشبه كوكب الأرض ليكون بمثابة الأرض الثانية؛ فقد بدأ علماء الفلك يدركون إمكانية وجود عوالم مشابهة لأرضنا في الكون، وكم يوجد منها. ومن خلال الجمع بين بيانات تلسكوب «كيبلر» الفضائي التي جمعتها وكالة الفضاء الأميركية ناسا حول الكواكب خارج مجموعتنا الشمسية مع غيرها من الدراسات الإستقصائية، قام فريق من العلماء باستخلاص أفضل الاحتمالات حول ذلك حتى الآن. حيث قاموا باستطلاع ما بين 3 إلى 30 نظاماً شمسياً آخر، وباتوا متأكدين أن هناك على الأقل كوكباً يشبه كوكبنا في مكانٍ ما في هذه الأنظمة. يأمل هؤلاء العلماء بأن تساعد نتائجهم في الخروج بتصاميم أفضل للتلسكوبات الفضائية المستقبلية، والتي ستقوم باستكشاف تلك الكواكب، واكتشاف فرص وقابلية الحياة -كما نعرفها- عليها.

يتسائل «داني تسو»، طالب الدراسات العليا في جامعة بنسلفانيا والمشارك في البحث حيث يقول: «هل هناك احتمال لحياةٍ أخرى في الكون؟ إن محاولة تقدير أعداد الكواكب التي تشبه كوكبنا وتدور حول نجومٍ تشبه شمسنا؛ هي الطريقة الوحيدة التي نستطيع من خلالها الإجابة على هذا السؤال».

البحث عن كوكب يشبه الأرض ليس سهلاً

تلسكوب, الفضاء, ناسا, كواكب خارج الأرض

تلسكوب TESS — حقوق الصورة: ناسا

يعتبر تلسكوب «TESS» هو عين ناسا حالياً في الفضاء. صمم التلسكوب لاستكشاف الكواكب خارج الأرض، حيث يكتشف الانخفاض الطفيف في سطوع النجوم، والذي يشير إلى مرور كوكب أمامها (من الممكن أن تخفي النجوم الأكثر لمعاناً في المجرة «توائم» للأرض). تقوم كاميراته بمسح معظم أرجاء الفضاء مع التركيز على الأنظمة الشمسية القريبة بما يكفي لتلسكوب «هابل» الفضائي وتلسكوب «جيمس ويب» القادم لإلقاء نظرةٍ أقرب.

اكتشف تلسكوب «TESS» أكثر من 1000 كوكب محتمل (مرشح) حتى الآن يشبه الأرض، وتتوقع ناسا أن يكتشف نحو 20 ألف كوكباً. قد يكون من بين تلك الكواكب المُكتشفة نحو 500 كوكب بحجم كوكب الأرض، ولكن غالبيتها لن يشبه الأرض. ينبغي على الفلكيين اكتشاف 3 خفوتات متتالية في سطوع النجم (الذي من المفترض أن تمر الكواكب المحتملة أمامه)، للتأكد من أن ما ينظرون إليه هو كوكب في مداره (فمن الممكن أن تكون مجرد سحابة غبار كوني). لذلك يسمح المسح المتكرر الذي يقوم به تلسكوب «TESS» باكتشاف الكواكب الدوّارة فقط دون غيرها خلال أيام أو أسابيع – وليس سنوات.

يستهدف التلسكوب أيضاً النجوم القزمة الباردة والحمراء. وهي تفوق عدد النجوم الأكثر لمعاناً من النجوم التي تنتمي للنمط «G-type» مثل شمسنا، مما يجعلها مركز اهتمام كبير بالنسبة للكواكب البعيدة، لكن الظروف المناسبة للحياة قد لا تتوفر فيها، حيث يجب أن يمتلك الكوكب توازناً طاقياً يمنع الماء من التجمد أو الغليان لكي يكون صالحاً للحياة. لذلك ينبغي أن يتواجد الكوكب في المدار والبعد المناسبين عن شمسه.

ومع ذلك، فإن الادعاء بأن هذه الكواكب القزمة التي توجد في نطاق «غولديلوكز – Goldilocks» يجعلها قابلة للحياة؛ هو نوع من التفاؤل. (نطاق «غولديلوكز» يعرف أيضاً باسم المنطقة الصالحة للحياة أو منطقة الحياة، وهي المساحة التي تقع فيها الكواكب على بُعد مسافة معتدلة من نجمها الأصلي؛ بحيث لا يكون سطح الكوكب ساخناً أو بارداً جداً). قد تكون درجات حرارة الكواكب في هذا النطاق منخفضةً جداً، لكن ستغمرها نجومها القريبة (شمسها الخاصة) بالأشعة فوق البنفسجية المميتة، وستكون هذه الكواكب معرّضةً للرياح الشمسية بشكلٍ كبير، مما يمنع أشكال الحياة هناك. قد تجد الكائنات الحية طرقاً للحياة، لكن ينبغي عليها أن تكون مبتكرةً تماماً.

كان تلسكوب ناسا السابق كيبلر مُعداً للبحث عن النجوم أكثر لمعاناً تشبه الشمس، حيث بقي لسنواتٍ يبحث في نطاقٍ ضيق من السماء باحثاً عن الخفوتات الخفيفة التي تؤشر على وجود الكواكب. لكننا فقدنا كيبلر بعد 4 سنوات من عمليات الرصد الطويلة، عندما بدأ تلسكوب كيبلر بتحديد المرور الثالث أو الرابع للكواكب.

يقول تسو: «لقد فقدنا نافذتنا في السماء لسوء الحظ، لقد تقاعد كيبلر في الوقت الذي بدأنا فيه باكتشاف المزيد من الكواكب المرشحة لتكون مشابهة لأرضنا».

لقد خلّف كيبلر وراءه مجموعةً من الكواكب المختلفة التي اكتشفها، ولكن لا أحد منها لا يشبه كوكب الأرض. وفي غياب أدلة رصد دامغة، لجأ علماء الفلك إلى أدوات إحصائية لحساب عدد لا يحصى من الكواكب.

كريس بيرك، وهو عالم فلك في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا كان يعمل سابقاً في مهمة كيبلر، ويشارك الآن في مشروع TESS، يشبّه هذه المهمة بنوعٍ من الإحصاء العددي. أنت تقوم بإحصاء الكواكب التي تستطيع الوصول إليه، وتلك التي لا يمكننا الوصول إليها، ولماذا. يقول: «تبقى إحصائياتك ناقصةً دائماً، علينا أن نفهم المكان الذي تبحث عنه».

بالنسبة لتسو وزملائه كان ذلك يعني فهماً جيداً لقدرات تلسكوب كيبلر الفضائي. إن البحث عن نجم يخفت ويلمع أمرٌ بسيط نظرياً، لكن من الناحية العملية، ستظهر مشاكل تتعلق بالبكسلات الميتة، والصور الخاطئة والنجوم الثنائية التي تبدو كالكواكب، ومدى الدقة في معرفة حجم كل نجم، ومجموعة أخرى من التعقيدات. يقول بيرك: «كل هذه الأمور الصغيرة سيكون لها دور في تلك الاكتشافات، عليك أن تتعلم أي من الكواكب ينبغي استبعادها أثناء عملية الاستكشاف، والتي يصعب رؤيتها بالفعل».

وقد نشر مؤخراً فريق جامعة بنسلفانيا النتائج التي توصل إليها في دورية «ذا أسترونوميكال جورنال»، معتمداً على مجموعةٍ من البيانات الجديدة تجعل من إحصائياتهم وتقديراتهم الأفضل حتى الآن. وبعكس الدراسات السابقة، كان لديهم قائمة بالكواكب النهائية التي اكتشفها كيبلر، وسِجل كامل للاختبارات التي قام بها فريق مهمة كيبلر لاستبعاد الكواكب المزيفة في البيانات، والتي تُظهر مدى نجاح عملية الرصد. كما ضمت بياناتهم أحدث أحجام النجوم، والتي رصدتها مهمة «جايا» الأوروبية، بالإضافة لأحدث التقنيات الإحصائية. توصل الفريق في النهاية إلى أنه يوجد كوكب واحد على الأقل يشبه كوكب الأرض في كل 2.5 نظام شمسي يماثل نظامنا الشمسي. وفي أسوأ الأحوال، في كل 33 نظام شمسي. ويشير تسو إلى أن الاحتمالات الأخرى خارج هذا المدى أقل من 10%.

يصف بيرك -الذي لم يشارك في هذا البحث ولكنه نشر أعمالاً مماثلة في الماضي- هذه التقديرات بأنها «علامة مرجعية»، لكنه أضاف أنه يمكن للمجموعات البحثية الأخرى الاستمرار في تحسين هذه الأرقام، والحصول على أرقام أكثر دقة في المستقبل. يقول: «إنها ليست الجواب النهائي، لكنها بالتأكيد خطوة كان يجب القيام بها».

تلسكوب, WFIRST, ناسا, فضاء, توأم الأرض

تلسكوب «WFIRST» — حقوق الصورة: ناسا

بالنسبة للسؤال الذي يدور في أذهان الكثيرين، متى سنكتشف أحد توائم الأرض هذه؟ فلا يتوقع تسو ولا بيرك أن ذلك سيكون وشيكاً. يقول تسو أن هذا التقدير يصف تواتر الكوكب الشبيهة بالأرض فعلياً، وأن عدد الكواكب التي ستمرّ أمام نجومها (أو شموسها) بالزاوية المناسبة التي تتيح لنا اكتشافها؛ سيكون أقل، ويأمل تسو أن يتوصل الباحثون إلى صنع جيل جديد من التلسكوبات تراعي هذه الحقائق. يقول: «نريد أن نكوّن فكرةً جيدة حول عدد الكواكب التي نتوقع العثور عليها، لذلك ينبغي توجيه صناعة الجيل القادم من التلسكوبات التي تكلف مليارات الدولارات لتلبي احتياجاتنا بالفعل، وليس هدر تلك الأموال في صنع شيء عديم النفع».

سيحلّ تلسكوب «WFIRST» محل التلسكوب «TESS» خلال العقد القادم كأحدث تلسكوبٍ يرصد الكواكب في الفضاء. سيبحث التلسكوب عن بصمات الكواكب التي تدور في مدارات حول نجومها في نطاق جاذبيتها. ويتوقع الباحثون أن تكشف هذه التقنية عن الكواكب الضخمة الشبيهة بكوكب نيبتون الذي يدور في مدارٍ بعيدٍ عن الشمس.

لكن بالنسبة لخليفة تلسكوب كيبلر القادر على اكتشاف توأم حقيقي للأرض، علينا الانتظار حتى عام 2030 على الأقل، حيث ستُطلق تلسكوبات حديثة مثل المسّاح متعدد الأطياف «LUVOIR» وتلسكوب «HabEx». ستحاول هذه التلسكوبات العملاقة التقاط صور الكواكب الخارجية مباشرة، عن طريق إزالة أثر الضوء الذي يحجب النجم المضيف. وبعد الانتهاء من مرحلة التخطيط، سيكون التلسكوبين – أو أي تلسكوبات مشابهة- أفضل ما نراهن عليه لاكتشاف كواكب شبيهةٍ بكوكب الأرض.

يقول بورك: «نحن نعرف أن هناك كواكب شبيهة بالأرض، إنها مجرد مسألة وقت لتسخير التقنيات لمعرفة المزيد عنها».