Reading Time: 3 minutes

ماذا لو كان بالإمكان التخلّص من البلاستيك الموجود في المحيطات من خلال البلاستيك نفسه؟

قد لا تكون هذه الفكرة بعيدةً عن الحقيقة. فقد أظهرت دراسةٌ جديدة نُشرت مؤخراً في دورية «Hazardous Materials» أنه وبعد جمع 4 أنواعٍ مختلفة من المخلفات البلاستيكية المجهرية الحجم (نصف قطرها أصغر من 5 ملليمتر عادةً)، من مياه شمال المحيط الهادئ وتعريضها للإشعاع الشمسي من مصدرٍ (جهاز) يحاكي الإشعاع الشمسي الحقيقي؛ تحللت إلى كربونٍ عضوي.

يقدّر العلماء حالياً أن هناك نحو 5 تريليونات قطعة بلاستيكية تطوف في محيطات العالم كافّةً، وهي في معظمها قطعٌ صغيرةٌ جداً، وتزن أكثر من 250 ألف طن. ومع ذلك، يقدّر الباحثون أن البلاستيك الذي يطفو على سطح المحيطات لا يشكّل سوى 1% من كمية البلاستيك الموجود في أعماق المحيطات.

لكن المواد البلاستيكية الطافية على السطح تتميز عن تلك الموجودة في الأعماق بأنها تتعرض لأشعة الشمس. يقول «ارون ستوبينز»، مؤلف الدراسة وأستاذ العلوم والهندسة البحرية في جامعة نورث إيسترن: «بما أنّ البلاستيك مكوّنٌ من بوليميرات الكربون، فإنّ ضوء الشمس يعمل على تحليله لمكوناته العضوية الكربونية الأولية من خلال تكسير روابط سلاسل البوليمرات الطويلة بمرور الوقت، ثم تقوم البكتريا البحرية بهضم القسم الأكبر من الكربون العضوي المتحلل وتحويله غالباً إلى غاز ثاني أكسيد الكربون. أي ببساطة، تعتبره البكتريا كمصدر آخر للغذاء».

بالنسبة لستوبينز، فإن الضرر الأكبر يكمن في القطع البلاستيكية الكبيرة عموماً، حيث يمكن أن تنتهي في معدة العديد من الكائنات البحرية مثل طيور النورس أو الحيتان قبل أن تتمكن الشمس من تحليلها إلى كربون بوقت طويل.

يقول ستوبينز في هذا الصدد: «لا تتعلّق المشكلة كثيراً بكمية البلاستيك التي تطلقها في نظام المحيطات البيئي، بل بوجودها المادي بحد ذاته في الماء. فهي مصدر إزعاجٍ سواءً بمنظرها القبيح بالنسبة لنا والذي يذكرّنا بالضرر الذي نتسبب به لكوكبنا، أو بالأذى الذي تلحقه بالكائنات الأخرى التي يمكن أن تأكلها عن طريق الخطأ. إنها ملوثاتٌ مادية أكثر من كونها ملوثاتٌ كيميائية بهذا المعنى».

يقول كولين وارد، عالم الكيمياء في معهد «وودز هول» لعلوم المحيطات وغير المشارك في الدراسة: «تضيف هذه الدراسة إلى ما نعرفه سابقاً عن البلاستيك؛ بأنه قد لا يكون ثابتاً أو دائم الوجود في البيئة إلى الأبد كما كنّا نعتقد سابقاً، فنحن الآن نفترض أنّ النفايات البلاستيكية تبقى موجودةً إلى الأبد، لكن ربما تظهر هذه الدراسة تظهر عكس ذلك».

ويضيف وارد: «قد يكون من الصعب بعض الشيء البدء بالتفكير الآن في كيفية تأثير استثمار هذه الاكتشافات الجديدة في تنظيف المحيطات في المستقبل، لكّن متابعة البحث في هذا المجال ربما تقودنا إلى اكتشاف إلى أي مدىً يمكن أن تكون هذه الاكتشافات الجديدة مفيدةً. ربما يمكننا في النهاية مثلاً دمج هذا النوع من الاكتشافات عملياً في النماذج والطرّق التي من شأنها تحسين عملية تنظيف المحيطات منها».

بالرغم من أنّ التجارب بيّنت أن معظم المواد البلاستيكية المجهرية المتحللة يمكن أن تشكّل غذاءً للميكروبات، إلا أن واحداً من بين هذه الأنواع البلاستيكية الأربعة المُختبرة في الدراسة قد سبّب أذيةً للبكتريا وأعاق نموها فعلاً. يقول ستوبينز: «لست متأكداً فيما لو أن نواتج تحلل هذا النوع من البلاستيك قد قتل البكتريا أو أعاق نموها. مع ذلك، من المؤكد أن سلوكها هذا مغاير مقارنة بسلوك نفس البكتيريا في مياه البحر العادية».

هناك العديد من الطرق لصنع البلاستيك، لذلك قد يكون هناك احتمالٌ أن تتسبب بعض أنواع البلاستيك في شكلها المتحلل بالأذى للبكتيريا. يقول ستوبينس: «سيستغرق الأمر منا إجراء المزيد من التجارب لمعرفة مدى وجود هذه الظاهرة غير المرغوبة».

يقول وارد: «من ناحيةٍ، فإن فكرة عدم استمرارية بعض المواد كالبلاستيك في البيئة إلى الأبد مفيدةً جداً، لكن بالمقابل، علينا الحذر بشأن الآثار الجانبية لنواتج تحلل هذه المواد البلاستيكية على البيئة».

ويضيف ستوبينز: «حتّى لو كان استهلاك معظم البكتيريا تُجاه مكونات الكربون العضوي الناتج عن تحلّل البلاستيك في التجربة على ما يُرام، فإننا لا نعرف بالفعل كيف يؤثّر الكربون المتحلل على صحّة الكائنات الحية الأخرى، ناهيك عن أننا لم نذكر حتى الآن وجود كمياتٍ كبيرة من البلاستيك في كلّ مكان، مثل المخلفات البلاستيكية التي تنتهي في الأنهار، والتي توجد بتراكيز أعلى نسبياً مما هي عليه في المحيطات. في الواقع، المحيط واسعٌ جداً، لذلك عندما تقوم أشعة الشمس بتحليل البلاستيك لمركبّاته الأولية، فإن أثرها سيكون مخففاً هناك مما لو كانت في تجمعات مائية أصغر، كالأنهار والجداول».

يقول ستوبينز: «قد تكون هناك بواعث للقلق أكثرَ في تلك الأماكن إذا ما تحررت هذه الملّوثات فيها، فكلّما زادت نسبة المواد البلاستيكية هناك، زاد تركيز الملوثات فيها، وبالتالي فإن التركيز الأكبر سيسبب أذى أكبر بالتأكيد على المستوى المحلّي».

سيقوم ستوبينز بالدراسة معمّقاً أكثر في تجاربه التالية حول الزمن اللازم لتحلل المواد البلاستيكية وماهية المحفّزات التي يمكن أن تشجع تلك العملية، وحول دور حجمها وتركيبها الكيميائي وتأثيره في الزمن اللازم لتحللها أيضاً.