Reading Time: 4 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


يزداد الاهتمام والحديث أكثر حول المخاطر الصحية التي يواجهها العديد من العمال في عملهم في خضم جائحة فيروس كورونا الحالية، الأمر الذي يبعث على التفاؤل حقاً. ويزداد الأمل، خصوصاً بالنسبة للنساء العاملات في جسر أمباسادور في وندسور/ أونتاريو، في أن يؤدي ازدياد الوعي العام بمخاطر الإصابة بالسرطان والمشاكل الصحية الأخرى إلى تغيير ظروف العمل لتصبح أكثر أماناً. ربما يمكن للنساء هناك أن يأملن، ومع النقاش الذي يجري حالياً على نطاقٍ أوسع حول حماية العمال المعرضين للخطر، بأن تُؤخذ مخاوفهن حول عدد الإصابات المرتفع بسرطان الثدي بينهن على محمل الجد.

البيئة والسرطان, سرطان الثدي, عوامل بيئية

يربط جسر أمباسادور بين ويندسور في كندا، ومدينة ديترويت في أميركا – الصورة: فليكر

جسر أمباسادور

عرفت جسر أمباسادور منذ طفولتي في ويندسور كملمحٍ يميّز المدينة ويعطيها رونقاً جمالياً فريداً. حيث يمتد أكثر من كيلومترين، ويربط مدينة وندسور الكندية بديترويت في الولايات المتحدة. ولقد أدركت مدى أهميته في التجارة العالمية وفي القضايا السياسية والبيئية منذ تشديد الاجراءات الأمنية، وزيادة القيود في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول.

كما يلعب جسر أمباسادور دوراً مهماً في قضايا صحية وبيئية. فعلى سبيل المثال، تواجه العاملات في إدارة هذا الجسر الحدودي معدلاتٍ عالية من سرطان الثدي. وقد قمت شخصياً بإجراء مقابلاتٍ مع نساءٍ يعملن فيه، واستمعت إلى قصصهن الشخصية أثناء حديثهن عن عوامل الخطر المعقدة التي قد تسبب سرطان الثدي. تسلط قصص هذه النساء التي لا يعرفها إلا القليل جداً الضوء على الجهود المبذولة للوقاية من عوامل بيئة العمل التي تسبب سرطان الثدي.

فرز الأدلة

يعتبر سرطان الثدي مشكلة صحية عالمية، وتشير الكثير من الرسائل والأبحاث إلى أن سبب سرطان الثدي يعود إلى عوامل نمط الحياة الفردية للمرأة غالباً. لكن ذلك يحرف الأنظار عن تأثير العوامل الاجتماعية والهيكلية المهمة على سرطان الثدي، وأقصد تحديداً أثر ظروف العمل والبيئة وعدم المساواة الصحية.

لا يزال سرطان الثدي البيئي (الذي تسببه العوامل البيئية والتعرض في العمل) مثار جدلٍ بين العلماء في نواحٍ عدة بالرغم من الأدلة المتزايدة على ارتباطه بمكان العمل والتعرضات البيئية، وما يزال يُعتبر مرضاً مرتبطاً بنمط الحياة أو بالعامل الوراثي إلى حدّ كبير للأسف.

في الواقع، إن ما يلفت الانتباه حول التاريخ الطويل للتركيز على عوامل الخطر القابلة للتغيير، مثل نمط الحياة والنظام الغذائي، هو أن الرواية الرسمية حول سرطان الثدي نادراً ما تعترف بأن هذه العوامل مسؤولة فقط عن جزء بسيط من حالات الإصابة به.

تقول الإحصائيات أن أ1 امرأة كندية تموت كل يوم بسبب سرطان الثدي، وبأن امرأة واحدة من بين كل 8 نساء سيصبن بسرطان الثدي خلال حياتهن. هناك 500 إصابة جديدة تُسجّل كل أسبوع، ويزداد معدل الإصابات بين النساء الأصغر سناً. أما على المستوى العالمي، فقد توفي ما يقرب من 630 ألف امرأة بسبب سرطان الثدي العام الماضي لوحده، و70% من الحالات قد تكون بسبب الملوثات البيئية.

قطع اللغز المفقودة

لا تحظى عوامل الخطر البيئية والمهنية بنفس الاهتمام الذي تحظى به المخاطر الفردية (نمط الحياة، النظام الغذائي..). لمنع تزايد أعداد الإصابات بسرطان الثدي يجب أن تأخذ استراتيجيات البحث وتجنّب المخاطر في اعتبارها دراسة عوامل الجنس والعنصرية، والمستوى الاجتماعي والعرق، والموقع الجغرافي والبيئة والمهنة وغيرها من الأسباب التي قد تؤدي إلى عدم المساواة في التعرض إلى المخاطر.

في الواقع، إحدى المشاكل التي تعاني منها جهود السلطات الصحية في كندا هي عدم جمع البيانات بشكلٍ منهجي حول العرق والإثنية من أجل معرفة تأثير ذلك على الإصابة بسرطان الثدي. لكي تكون سياسة الصحة العامة والوقائية الأولية فعّالة، يجب أخذ هذه العوامل بعين الإعتبار أيضاً، بالإضافة إلى نمط الحياة والعوامل الوراثية.

جرى بعض التقدم في الوعي بقضية سرطان الثدي التي تعود إلى عوامل بيئية واجتماعية. حيث بات هناك، على سبيل المثال، أبحاث حديثة تعمل على تحديد التعرّض في مكان العمل والبيئات العامة، وتتناول أثر الفوارق الاجتماعية، وتقوم منظمات اجتماعية، وحملات بالتركيز على نشر الوعي بعوامل الخطر الاجتماعية والبيئة، بالإضافة إلى الكتب والأفلام الوثائقية التي تتحدث عن القضية، وبيان سياسة الجمعية الأميركية للصحة العامة بشأن علاقة سرطان الثدي والتعرض في العمل، والشبكات العالمية التي تعمل على نشر الوعي بهدف الوقاية من سرطان الثدي البيئي. تقدم هذه الإجراءات مساهمة مهمة في تذليل العقبات الاجتماعية المعقدة، ونشر الوعي بهدف الوقاية من سرطان الثدي.

مصادر المعلومات الموثوقة

تكتسب البيانات التي أدلت بها النساء العاملات في جسر أمباسادور خلال بحثي أهمية كبيرة. في الواقع، يتأثر فهم النساء لمخاطر الإصابة بسرطان الثدي إلى حدّ كبير بالرسائل المتعلقة بسببه والوقاية منه، والتي تبثها وسائل الإعلام الرئيسية، أو تلك المنشورة عبر الإنترنت، أو الأسرة والأصدقاء، أو الأطباء أو زملاء العمل، أو من الخبرات الشخصية. وكما يُظهر البحث، فإن الكثير من الرسائل المتعلقة بسرطان الثدي تتجاهل المخاطر البيئية والاجتماعية والوقاية الأولية.

لقد وصفت لي النساء العاملات في جسر أمباسادور ما يتعرضون له خلال العمل، ويعتقدن أنه السبب وراء ارتفاع معدلات الإصابة بسرطان الثدي بينهن، مثل دخان سيارات الديزل، وتلوث الهواء وضغوط العمل، ونظام الورديات. في الحقيقة، تتعارض المعلومات التي أدلين بها خلال تجربتهن مع الفهم العام السائد حول سرطان الثدي. كما تُظهر قصصهن أيضاً شعورهن بالعجز في التقليل أو منع المخاطر البيئية التي تسبب سرطان الثدي، ويعتقدن أنه ينبغي إجراء تحقيق رسمي في عدد القضايا المتعلقة بهذا الأمر.

تحويل اللوم

هل ستمثل لحظة مواجهة المخاطر الصحية التي يتعرّض لها العمال في مكان العمل في ظل جائحة فيروس كورونا الحالية تحولاً جذرياً لأخذها على محمل الجد، بما فيها مشكلة سرطان الثدي؟ هل يمكننا بناء دعم عالمي لتحسين صحة وسلامة النساء، خصوصاً لأولئك اللواتي يعملن في جسر أمباسادور، ذلك الجسر الفولاذي الذي يبلغ من العمر مائة عام، والذي طالما اًعتبر جسراً للتواصل؟

الظروف الاجتماعية لسرطان الثدي مهمة أيضاً، فإلقاء اللوم على العوامل الفردية في إصابة النساء بسرطان الثدي مع تجاهل المخاطر في مكان العمل والبيئة هو نهج فاشل. يجب زيادة الوعي بالمخاطر البيئية والمجتمعية التي تقف وراء سرطان الثدي ومواجهتها، ويجب على سياسات الصحة العامة تبني استراتيجية فعّالة تعمل على الوقاية الأولية من عوامل التعرض والإصابة بسرطان الثدي.

اقرأ أيضاً: دليلك لفهم سرطان الثدي

وأيضاً: كيف يمكن للتقنية مساعدة مرضى سرطان الثدي؟

وكذلك: سرطان الثدي في الدول النامية: أزمة مستمرة ومشاريع للمواجهة