Reading Time: 4 minutes

فتنت المرايا الناس لآلاف السنين، فكثيراً ما صُوّر المصريون القدماء وهم يحملون مرايا يدوية، وفي روما القديمة كانت النساء على استعداد لدفع مبالغ باهظة من أجل الحصول على مرآة، وقد ظلت المرايا نادرة ومكلفة حتى حلول القرن السادس عشر على مدينة البندقية في إيطاليا، إذ تم استخدام طريقة جديدة لدعم الزجاج بصفائح رقيقة من المعدن؛ لإنتاج مرايا عالية الجودة، وفي القرن التاسع عشر، بدأت عملية طلاء السطح الزجاجي بالفضة المعدنية، لتصبح المرايا متوفرة حولنا في كل مكان، في المنازل والمتاجر والسيارات.

يقف البعض أمام المرآة طويلاً يتأمل ملامحه وتفاصيل جسده، بينما يلقي آخرون فيها نظرة عابرة، وفي حين قد يتجنب البعض أن تقع أعينهم على سطحها مشاهدين ما يخشونه، قد يتلوا غيرهم صلواتهم كلما نظروا إليها، فقد ارتبطت بالمرآة الكثير من المعتقدات الشعبية والموروثات الثقافية، الكثير منها محض أساطير قديمة، والبعض قد أقره العلم، وبخاصة علم النفس وعلم الأعصاب.

في عام 1973، أراد عالم نفس فضولي يُدعى «بيولا أمستردام» أن يعرف ما إذا كان الأطفال يتعرفون على أنفسهم في المرآة، لمعرفة الإجابة قام باختبار بسيط، إذ كان يلطخ أنوف الأطفال أثناء نومهم بمسحوق تجميل، ثم يعرضهم لمرآة، ويراقب ردود أفعالهم، وقد تمكن الأطفال في عمر حوالي 20 شهر من التعرف على أنفسهم في المرآة، وبالتالي حاولوا مسح أنوفهم الملطخة، بينما من هم أصغر عمراً كانوا يعتبرون انعكاسهم في المرآة إما طفلاً آخر يريدون اللعب معه أو شيئاً غريباً تعاملوا معه بحذر.

متى يتعرف الأطفال على أنفسهم في المرآة؟

في الواقع، نحتاج إلى سياق خارج أجسادنا كي ندرك أنفسنا، وهذا ما تفعله المرآة، فنحن نطور إحساسنا بالذات من خلال التفاعلات المبكرة التي يعكس فيها من حولنا تعبيراتنا العاطفية، أو يقلدون حركاتنا وأصواتنا، ويستجيبون لنا بطرق تجعل عقولنا الصغيرة تلاحظ أننا منفصلون عنهم، وأن سلوكنا هو المسبب لردود أفعالهم تلك.

يساعد ذلك الارتباط بين الإحساس بالذات وبين  التواصل الاجتماعي، في تفسير السبب في أن بعض أنواع الحيوانات التي تعيش في مجموعات يمكنها التعرف على ذواتها في المرايا، فقد تمكنت حيوانات الشمبانزي وإنسان الغاب والغوريلا، وكذلك الدلافين والفيلة الآسيوية من اجتياز اختبار المرآة للتعرف على الذات، بفحص العلامات التي تم وضعها على وجوههم عند إعطائهم مرآة، كذلك تفحصت الحيوانات نظافتها الشخصية وتفقدت أفواهها وفتحات أنوفها وأعضائها التناسلية أمام المرآة.

في كل مرة ننظر فيها للمرآة نرى أنفسنا، ولكننا لا نرى نفس الصورة دوماً، فالطريقة التي تنظر بها لنفسك تحدث فرقاً كبيراً فيما إذا كنت تبدو جيداً أو سيئاً، فالنظر بنية أن تكون لطيفاً مع نفسك يمكن أن يقلل من القلق وانتقاد الذات، في حين أن النظر بدون تلك النية يمكن أن يسمح للنقد الداخلي أن يكون قاسياً، وقد أثبتت إحدى الدراسات بجامعة هارفارد أن من لديهم مزاج سئ يزداد لديهم الشعور بالضيق والنقد المركز للذات عند النظر في المرآة لمدة 10 دقائق.

النظر في المرآة قد يدفع البعض للانتحار

يتجاوز نقد الذات أمام المرآة لدى البعض الحد الطبيعي ليصل إلى الاضطراب النفسي كما هو الحال في اضطراب تشوه الجسد الذي يعاني منه حوالي 2 ٪ من إجمالي السكان حول العالم، والذين يعانون من صعوبة التوقف عن التفكير في واحد أو أكثر من العيوب في مظهرهم، وهي عيوب تبدو بسيطةً أو لا يراها الآخرون، ولكن المصاب قد يشعر بالحرج الشديد والخجل والقلق لدرجة تجعله يتجنب الكثير من المواقف الاجتماعية.

بسبب قبحهم المتخيل، يعاني الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب من اكتئاب حاد، وينخرطون في سلوكيات تهدد حياتهم، ويرتفع لديهم معدل الانتحار بنسبة 22 % على الأقل عن معدل الانتحار بين عامة الناس، وبدلاً من أن يطلب المصابون المساعدة من مستشاري الصحة العقلية فإنهم يتجهون إلى أطباء التجميل، مما يزيد من تعرضهم للخطر.

مرآتي يا مرآتي.. من هي أجمل الجميلات؟

تحكي إحدى الأساطير الإغريقية عن وقوع إحدى الحوريات في غرام شاب وسيم، ومحاولاتها إغوائه، إلا أنها فشلت في الحصول على قلبه، فاستدرجته لبركة مياه، ودفعته لينظر إلى انعكاس صورته على سطحها، وحين أطال النظر إليها، وقع في حب نفسه ولم يستطع أن يشيح ببصره بعيداً عن انعكاس صورته، ظل الشاب على تلك الحالة حتى موته، لتنبت في ذات المكان زهرة أطلق عليها “نرجس” وهي التي اشتق منها اسم “اضطراب الشخصية النرجسية” التي يعاني منها 1% من سكان العالم.

بينما يعشق البعض انعكاس صورته في المرآة لدوافع نفسية، فالبعض الآخر يتجنب تماماً مجرد النظر إليها، وقد يتسبب الدفع به للوقوف أمام المرآة رغماً عنه في إصابته بأعراض نفسية كالشعور بالهلع والقلق الشديد، وأخرى جسدية كالتعرق  وسرعة ضربات القلب، أو ضيق الصدر وصعوبة في التنفس، والشعور بالغثيان أو الإغماء، تعرف تلك الحالة بفوبيا المرآة أو “سبكتروفوبيا”. 

هل أنت مستعد لمواجهة أشباحاً في المرآة؟

أجريت دراسة في جامعة أوربينو، طُلب فيها من المشاركين التحديق في مرآة في إضاءة خافتة لمدة عشر دقائق، أظهرت النتائج أن 66٪ من المشاركين رأوا تشوهات كبيرة في وجوههم، و28٪ رأوا شخصاً مجهولاً، و 48٪ رأوا كائنات خيالية وحشية، فربما لا تعاني من أية اضطرابات نفسية إلا أنك قد ترى أشكالاً مخيفة في المرآة.

تميل أدمغتنا إلى تجاهل التفاصيل التي لا نحدق بها مباشرة ودمجها مع العناصر المحيطة بها، فإذا نظر الشخص إلى المرآة محدقاً بعينيه لفترة طويلة، فمن الممكن أن تبدأ مناطق أخرى من وجهه بالتبدد والاندماج في المرآة، فيمكن أن تبدأ جبهتك في التلاشي أو يتحول خديك إلى فم كبير مثقوب، بمرور الوقت يمكن أن يتشوه وجهك بالكامل ويتحول إلى هذا الوحش المشوه بشكل مرعب.

تسمى هذه الظاهرة “تأثير تروكسلر“، وقد اكتُشفت في عام 1804 من قبل طبيب يُدعى “إجناز تروكسلر”،  هذه الظاهرة هي السبب وراء العديد من الأوهام البصرية التي يمكن أن تجدها على الإنترنت. 

على سبيل المثال، إذا حدقت في نقطة حمراء في منتصف دائرة لفترة كافية، فسوف تتلاشى الدائرة الخارجية وتختفي، هذا لأن دماغك قد اعتبر الحواف الخارجية غير ذات صلة وقد قلل من عبء المعالجة عن طريق تلاشيها خارج مجالك الإدراكي.

ما يجعل الأمر أكثر رعباً هو أن أدمغتنا تحب أن تملأ الأشياء التي لا يستطيعون التعرف عليها بأشياء يمكنهم التعرف عليها، فقد يتحول وجهك المشوه متلاشي التفاصيل إلى وحش رأيته من قبل في أحد الأفلام، وظل مختبئاً داخل رأسك في سراديب الذاكرة المظلمة، وخرج لتوه ليطل عليك من مرآتك، تلك التجربة رغم أنها مجرد وهم بصري إلا أنها قد تكون مرهقة وموترة، فلا ننصحك بتجربتها.