Reading Time: 4 minutes

ما الذي يحضر إلى بالك عندما تسمع مصطلح التمساحيات؟ هل تستحضر الزواحف الكبيرة ذات الفك القوي؟ تضم التمساحيات 27 نوع من التماسيح والقواطير -حيوان من الزواحف يعيش في المستنقعات-، وتماسيح الكايمن والجريال. تعيش التمساحيات في جميع أنحاء العالم، باستثناء أوروبا والقارة القطبية الجنوبية. بعض الأنواع صغيرة الحجم، لكن هذه الحيوانات المفترسة عادةً ما تكون كبيرة، ويبلغ طولها مترين على الأقل. إضافة إلى ذلك، لهذه الفصائل أشكال متشابهة -على سبيل المثال، حاول أن تفرق بين التماسيح والقواطير؟ يضم سجل الحفريات الخاص بالتمساحيات العديد من الأنواع التي لها أشكال وأحجام مختلفة وبيئات عيش متنوعة.

على مدار تاريخها التطوري الطويل، الذي يفوق 200 مليون عام، تكيفت التماسيح مع أنماط حياة متعددة وكانت لها أطوال مختلفة. هنا نتساءل: ما العوامل البيئية التي أثرت على أحجام التماسيح خلال تطورها؟ وهل يشير حجم أجسامها إلى أسباب انقراض التمساحيات التي عمرت الأرض في الماضي؟ للإجابة على هذه الأسئلة، أنشأنا أنا وزملائي خريطة كاملة تُصوّر أحجام التماسيح عبر الزمن. يمكن أن يكشف حجم الجسم عن بيولوجيا الحيوانات المنقرضة، وتعتبر دراستنا من أولى الدراسات التي استخدمت الأساليب الحسابية الحديثة لفهم تطور أحجام التماسيح.

البحث عن الأدلة في السجل الأحفوري

تضم مجموعة أشباه التمساحيات، أو «الكروكوديلومورفا» -جميع الأقارب المنقرضة للتمساحيات الحديثة- أكثر من 400 نوع. تختلف أشباه التمساحيات المنقرضة عن بعضها؛ بين أنواع بحرية تعيش فقط في الماء، وأنواع تعيش على اليابسة لديها أسنان مشابهة لأسنان الثدييات الحديثة. كذلك، يلاحظ وجود تنوع بيئي في السجل الأحفوري، على عكس ما نراه اليوم في التماسيح الحديثة.

كانت أقدم أشباه التمساحيات التي عاشت خلال العصر الترياسي صغيرة الحجم، ونادراً ما زاد طولها عن متر واحد. للوهلة الأولى، قد يبدو أن السجل الأحفوري يشير إلى أن التماسيح الحديثة تطورت من هذه التمساحيات الصغيرة وزاد حجمها مع مرور الوقت. تتناسب هذه الفكرة مع الاتجاه العام الذي حدده علماء الأحياء، أي أن الحيوانات تتطور لتصبح أكبر حجماً مع الوقت؛ يُعرف هذا النمط باسم «قاعدة كوب». ورصد العلماء هذا النمط التطوري في الثدييات والديناصورات والتيروصورات.

للتحقق من هذه القاعدة، جمعت وزملائي بيانات حول قرابة 200 نوع من أشباه التمساحيات؛ أكثر من أي دراسة أخرى بحثت تطور أحجام التماسيح. لا يعلم علماء الحفريات أحجام معظم الحيوانات المنقرضة، لذلك عادة ما يعتمد هذا النوع من الدراسات على تقدير حجم الجسم بناء على قياس حجم جزء من حفريات الحيوان. في دراستنا هذه، استخدمنا حفريات الجماجم لتقدير حجم أشباه التمساحيات الكلي. جمعنا معظم البيانات (لنحو 120 نوع من أشباه التمساحيات) عن طريق قياس العينات خلال الزيارات التي قمنا بها إلى متاحف في جميع أنحاء العالم، من أميركا الجنوبية إلى الصين. أما باقي المعلومات فجمعناها من الصور التي التقطها باحثون آخرون الباحثين ومن الأشكال المعتمدة في الأدبيات العلمية.

العوامل التي تؤثر على حجم التمساحيات

تمساح, التغير المناخي, مقالات علمية قصيرة

لا تظهر تحليلاتنا أي دليل على صحة قاعدة كوب في حالة التماسيح، إذ لا يبدو أنها تطورت لتصبح أكبر بمرور الوقت. في المقابل، لاحظنا سيناريوهات أشد تعقيداً، حيث ظهرت تغيرات عديدة في متوسط أحجام الجسم خلال تطور مجموعات مختلفة من التمساحيات وانقراضها. لكن لماذا؟ رصدنا عاملاً مهماً عندما حللنا كيفية تغير حجم الجسم باختلاف البيئات التي عاشت فيها التمساحيات.

قسمنا أشباه التمساحيات المعاينة إلى 3 فئات: تمساحيات برية، تمساحيات برمائية، وتمساحيات مائية. وجدنا أن أشباه التمساحيات البرية أصغر حجماً من أشباه التمساحيات المائية والبرمائية. رصد باحثون آخرون نتائج مماثلة عند دراستهم للثدييات، ووجدوا أن حجم الأنواع التي تعيش في الماء يفوق حجم الأنواع التي تعيش على اليابسة. على سبيل المثال، تعد حيوانات الفظ، وأسود البحر أكبر حجماً بكثير من أبناء عمومتها من القطط والذئاب والكلاب.

أحد تفسيرات هذا الأمر هو عملية التكيف التي تتطلبها الحياة في الماء. على سبيل المثال، قد يساعد حجم الجسم الكبير في حفظ درجة حرارة الجسم في الماء. درسنا أيضاً تأثير العوامل البيئية -درجة الحرارة والتوزيع الجغرافي- على حجم أشباه التمساحيات. في البداية، أجرينا تحليلاتنا على جميع الأنواع الـ 195، ولم نجد صلة قوية بين العوامل البيئية وحجم أجسامها. لكن عندما قسمناها إلى مجموعات فرعية أصغر، توصلنا إلى نتائج مثيرة للاهتمام.

إحدى المجموعات الفرعية كانت التمساحيات، التي تضم التماسيح الحديثة وأقربائها من التمساحيات المنقرضة. عاشت التمساحيات خلال الحقبة الحديثة -الحقبة الحالية التي بدأت بعد انقراض الديناصورات غير الطائرة قبل 66 مليون عام- ووجدنا أن كبر حجم التمساحيات مرتبط بانخفاض درجات الحرارة. قد يبدو هذا غريباً، نظراً لأن التماسيح والزواحف الأخرى تفضل الأماكن الدافئة. لكننا فسرنا هذه النتيجة كما يلي: كلما أصبحت الأرض أكثر برودة، تقلص عدد المناطق التي يمكن أن تعيش فيها التمساحيات. ربما أسهم هذا في زيادة المنافسة بينها وأعطى الأفضلية لأنواع التمساحيات الأكبر حجماً. في النهاية، ربما أدت درجات الحرارة المنخفضة إلى انقراض التمساحيات الصغيرة الحجم.

صورة أدق لتطور حجم التمساحيات

يمكن الخروج بنتيجتين من هذا الاكتشاف. النتيجة الأولى هي أن نطاق الدراسة في غاية الأهمية. فعندما درسنا جميع أنواع أشباه التمساحيات بالتزامن، لم نجد أي ارتباط بين البيئة والحجم. لكن عندما ركزنا على مجموعة التمساحيات في فترة زمنية قصيرة، فقط في الحقبة الحديثة، توصلنا إلى نتائج مثيرة للاهتمام. والنتيجة الثانية هي أن التغير المناخي يؤثر على تطور الكائنات الحية. هذا أمر واضح، وقد أظهرت دراسات سابقة صحة هذا بالنسبة لحيوانات أخرى. في حالة التمساحيات، ربما ساهم التغير المناخي -انخفاض درجات الحرارة خلال الحقبة الحديثة-، في كبر حجم أنواع التمساحيات الحديثة، إذ فضلت المناطق الاستوائية، وهذا ربما أدى إلى انقراض أنواع التمساحيات الأصغر حجماً.

في النهاية، قد يعني الحجم الكبير للتماسيح الحديثة، بالرغم من أنه يعتبر رمزاً للقوة والسيطرة، أن هذه الكائنات هشة وتواجه عملية انقراض طويلة الأجل. في الوقت الحالي، تواجه الأنواع المتبقية من التماسيح تحدياً بيئياً إضافياً، سببه، هذه المرة، تدمير الإنسان للأنظمة البيئية.