Image

الوقت غير كافٍ للقيام بهذه المهمة!

Bread assortment هل سيهبط البشر مرة أخرى على القمر قريباً؟

شهدت فترة الحرب الباردة في ستينيات القرن الماضي سباقاً محموماً بين الولايات المتحدة وروسيا على غزو الفضاء، وأدى ذلك لدفع الولايات المتحدة ممثلةً بالرئيس ريغان لاحقاً في الثمانينيات لتبني مبادرة الدفاع الاستراتيجي أو ما سُمي حينها حرب النجوم لحماية البلاد، ورُصدت لها مبالغ هائلة حينها، إلا أنها أُوقفت نهائياً فيما بعد بسبب تلك التكاليف وانتفاء الحاجة إليها. وها نحن اليوم نشهد سباقاً من نوعٍ آخر، ولكن هذه المرة بين الولايات المتحدة والصين، وذلك على غزو القمر.

فقد وقّع الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” في كانون الأول/ديسمبر عام 2017 على وثيقة “توجيه السياسة الفضائية 1″، موجهاً بذلك التعليمات لناسا بالعمل على إعادة رواد الفضاء إلى القمر بكافة الإمكانيات والوسائل المتاحة من خلال المشاريع قيد الإنجاز أو بمشاركة القطاع الخاص على حدٍ سواء. صحيح أن إنجاز هذا التحدي الطموح ليس بالأمر السهل ويهدد بحدوث مخاطر جدية متعلقة بالسلامة، إلا أنه ممكن في حال توفر التمويل والوقت المناسبين، لكن أنه ما زال هناك مشكلة، حيث حددت ناسا سابقاً أنها يمكن أن تصل إلى القمر بحلول عام 2028 في حين أن إدارة ترامب ترغب في أن يكون الموعد أقرب من هذا.

في اللقاء الخامس للمجلس الوطني للفضاء، وبعد قرابة 50 عاماً من هبوط مركبة أبولو 11 على سطح القمر، صرّح نائب الرئيس الأمريكي “مايك بينس”: ” لا يمكننا الانتظار حتى عام 2028، إنه ليس الموعد الأنسب، تطالب الإدارة ناسا الآن بالعمل على إعادة رواد الفضاء إلى القمر بحلول عام 2024- أي قبل أربع سنواتٍ من الموعد المقترح السابق- وذلك باستخدام كافة الوسائل المتاحة والضرورية لإنجاز هذا الهدف”، وأضاف:” نحن في سباق فضائي اليوم مع الصين”.

سياسة الإدارة الأمريكية حالياً واضحة فيما يخص العودة إلى القمر، كما أنها تضغط على “ناسا” لتبني سياساتٍ ونهجٍ جديدين لإرسال رواد الفضاء إلى القمر خلال السنوات الخمس المقبلة.

تمويل أكبر، مشاكل أكثر

أثار كلام “بنس” علامات استفهامٍ كثيرة ولغطاً بقدر ما كان واضحاً، فلم يوضح تفاصيل كيف ستقوم ناسا بتسريع إنجاز تلك المهمة وإتمامها قبل أربع سنوات من الموعد المقرر لها! وقد دفع كلام “بنس” المدير السابق لمركز جونسون للفضاء في ناسا والعضو حالياً في معهد بيكر بجامعة رايس “جورج آبي” للقول موجهاً كلامه لبينس:”الكلام سهلٌ جداً في هذه الأمور، أعتقد أنك ملزمٌ- عندما تتوجه إلينا بمثل هذا الطلب- أن توفّر التمويل اللازم لإنجازه، وهذا غير متوفرٍ حالياً. في الواقع، البرنامج يتطلب أموالاً طائلة، يجب توفير هذه الأموال في الوقت المناسب وبالطريقة الصحيحة، لا خطة لدينا في الوقت الحالي وليس لدينا البنية التحتية اللازمة التي تمكننا من الوصول إلى القمر، تقديرات الكلفة مرتفعة للغاية، وهذا الطلب غير واقعي”.

كانت الميزانية التي قدمتها واقترحتها الإدارة الأمريكية لعام 2020 قد خفضت تمويل ناسا قليلاً، بما فيها البند المخصص لتطوير برنامج كبسولة أوريون المخصصة لنقل الرواد إلى أعماق الفضاء، كما سينخفض تمويل برنامج نظام الإطلاق الفضائي “SLS” -الذي سيحمل كبسولة أوريون- بنسبة 17.4% في حال أقرّ الكونغرس هذه الميزانية المقترحة. ويقول “آبي” معلقاً على ذلك: “لا أعتقد مطلقاً أننا سنصل إلى القمر في حال تم خفض التمويل بهذا الشكل”.

وقد شهد تمويل برنامج الإطلاق الفضائي -والذي تشارك في تطويره شركة بوينغ- جدالاً حاداً في الكونغرس الشهر الماضي، حيث أن الجزء الأكبر من المهمة متعلقٌ بإتمام صناعته، لأنه سيحمل كبسولة أوريون، وسيكون أكبر صاروخٍ عرفته البشرية على الإطلاق، وكان إطلاق الصاروخ التجريبي قد تأجلّ من عام 2017 إلى عام 2020، ومن أنه من المرجح أن يتم تأجيله مجدداً حتى عام 2021.

إدارة ترامب تصر على الموعد

تضمن خطاب “بينس” مافسره الكثيرون على أنه انتقاد وتهديدٌ موجّه لشركة بوينغ بسبب تأخرها في تطوير محركات منظومة الإطلاق الفضائي “SLS”، حيث قال في إشارةٍ ضمنية للشركة: “إذا لم يتمكن المتعاقدون الحاليون من إتمام صناعة الصاروخ في الوقت المناسب، سنجد بديلاً عنهم يقوم بذلك”.

لم يتوقف نائب الرئيس عند هذا الحد، بل لمّح إلى إمكانية استخدام الصواريخ التجارية كبديلٍ لمنظومة “SLS” في حال عدم إتمامه في الوقت المناسب، حيث قال: “إن كان السبيل الوحيد لإيصال رواد الفضاء الأمريكيين إلى القمر خلال السنوات الخمس المقبلة هو استخدام الصواريخ التجارية، فليكن إذاً”. وقد لمّح مدير وكالة ناسا منذ حوالي شهر  إلى أن ناسا قد تضطر للاستعانة بصاروخٍ تجاري لإرسال مركبة أوريون في رحلةٍ تجريبية إلى القمر العام القادم.

تقوم العديد من الشركات التجارية مثل “سبيس إكس” و”بلو أوريجن” بتطوير صواريخ قادرة على حمل المركبات الفضائية، مثل صاروخ “هيفي فالكون” الذي أطلقته سبيس إكس بنجاحٍ منذ عام، وصاروخ “نيو جلين” الخاص بشركة “بلو أوريجين”، وكلاهما قابلان لإعادة الاستخدام. إذا أثبتت تلك الصواريخ التجارية نجاحها وفاعليتها في أداء تلك المهمة، سيؤدي ذلك إلى خفض التكاليف وتوفير التجهيزات اللازمة لرحلات الفضاء الأخرى، وقد يقرر ذلك مصير مشروع منظومة الإطلاق الفضائي “SLS” وربما يوقفه نهائياً.

ومع ذلك، وحتى لو زادت ناسا من إنفاقها على منظومة الإطلاق الفضائي، أو اختارت حمل مركبة أوريون على صاروخٍ تجاري، فما يزال هناك الكثير من الهواجس المتعلقة بالسلامة فيما لو تم العمل بهذه السرعة، فصاروخ” SLS” لا يمكن إطلاقه سوى مرة واحدة سنوياً، ويحتاج إلى إجراء اختباراتٍ إضافية تتعلق بضمان سلامة رواد الفضاء الذين سيحملهم معه، كما أن سجلّ تجارب صاروخ “هيفي فالكون” التجاري مليئٌ بالمشاكل ويحتاج المزيد من اختبارات السلامة، بالإضافة إلى أن صاروخ “نيو جلين” لم يتم تجربة إطلاقه حتى الآن.

يقول “روجر هاندبرج”، خبير السياسات الفضائية في جامعة “سنترال فلوريدا” بهذا الصدد: “نعم، ربما الأمر ممكنٌ من الناحية التقنية، ولكن ستكون هناك مخاوف كبيرة خلف الكواليس فيما يتعلق بتجاوز الكثير من الإجراءات والضوابط في حال الإسراع بتنفيذ هذه العملية، ما قد يؤدي إلى كارثة… لقد نسي الناس ما حدث خلال رحلة أبولو-1 عام 1967، حيث تجاهلنا الكثير من المعايير وإجراءات السلامة للإسراع بإطلاقها، مما أدى إلى انفجار منصة إطلاق أبولو، وخسرنا حينها ثلاثةً من رواد الفضاء في ذلك الحادث”.

وتضيف “هولي غريفيث”، مهندسة أنظمة المركبات الفضائية، والتي تعمل على كبسولة أوريون: “هل تريدون التسبّب بمقتل روّاد الفضاء؟ لأنه بهذه الطريقة ستقتلونهم”، مضيفةً: “لا داعي لتقديم موعد الرحلات إلى القمر.. إنه أمرٌ سخيفٌ حقاً”.

إذاً، ما الذي يجعل الإسراع وتحديد موعد عام 2024 بدلاً عن عام 2028 أفضل؟ ربما لاشيء!..

يُلمح “آبي” إلى أن الدافع قد يكون سياسياً، إذ من الممكن أن الإدارة الأمريكية ترغب في تسجيل الهبوط على القمر عام 2024 كواحدٍ من إنجازاتها إذا تم انتخاب ترامب لولايةٍ ثانية، بينما يعتقد “هاندبرج” من جهته أن الأمر يعود لنشوء سباق فضاءٍ جديد، وهذه المرة بين الولايات المتحدة والصين، ويعتقد أن الهبوط الناجح لمركبة “Chiang’e-4” الصينية على الجانب المظلم من القمر قد أجّج مشاعر الغيرة وأحدث هزّة بين الأمريكيين نظراً لتفوّق الصين في هذا المجال. يقول “هاندبرج”: “كان لهذا الأمر تأثيراً كبيراً، إلا أنني أعتقد أنه لا يستحق كل هذه الضجة التي أحدثها”.

ويطرح “هاندبرج” أيضاً تساؤلاتٍ حول ما تأمل الإدارة الأمريكية في تحقيقه بالذهاب إلى القمر. ربما كانت هناك الكثير من الفوائد المحتملة. الحجة الأكبر التي تسوقها الإدارة الأمريكية هي بناء قاعدةٍ ووجودٍ أكبر على القمر ليكون منطلقاً يسهل السفر منه لاستكشاف المريخ، لكن ليس لدينا سوى القليل من التفاصيل حول شكل وجودنا المُزمع تأسيسه هناك. هل سنبدأ ببناء قاعدةٍ هناك؟ فقد أشار “بينس” إلى أن كمياتٍ ضخمة من المياه المتجمدة توجد فعلاً في القطب الجنوبي للقمر وهي ذات أهميةٍ هائلة، ولكن كيف سنستفيد منها؟ وهناك نقطةٌ أخرى، فالكثير يعتقد أن الهيليوم-3  (أو الهليون، وهو النظير غير المشع للهليوم) يمكن أن يكون مصدراً لا يُقدّر بثمن لتوليد الطاقة عبر استخدامه في مفاعلات الاندماج النووية، ولكننا لم نبني مفاعلاً اندماجياً واحداً حتى الآن على الأرض، وما زلنا ننتظر بناءه منذ أواسط القرن المنصرم، فكيف سيكون الحال على القمر إذاً؟

إن كان على ناسا تخصيص المزيد من الأموال والتي ستجعل من إنجاز المهمة في عام 2024 ممكناً، فقد يكون ذلك على حساب البرامج الهامة الأخرى. فقد عبّر العالم الفيزيائي المشهور “جيمس فان ألان” عن أسفه الشديد لما قد يحدث، وهو إهمال علوم الفضاء الهامة الأخرى بسبب تركيز ناسا كل جهودها على بناء مكوك الفضاء، بينما يشعر “هاندبرج” بالإحباط ويقول أنه لا يعتقد أن هناك زعيماً سياسياً واحداً سيدافع عن علوم الفضاء وتقدمها ويقف في وجه تخفيض الميزانية المخصصة لها.

ويضيف “هاندبرج”: ما نراه ماهو إلا محاولةٌ لاستعادة البريق والزخم المتجسدين في برنامج أبولو السابق، كان إطلاق برنامج أبولو لأسبابٍ سياسية حين قرر الرئيس كينيدي أن على الولايات المتحدة اللحاق بركب التطور العلمي الذي حققه السوفييت في تلك الفترة بل والتفوق عليهم، ولكن بمجرد أن تحققت الغاية السياسية من وراء هذا الهدف تم إنهاء البرنامج”. ويعتقد هاندبرج أن الهوس الحالي بالذهاب إلى القمر له نفس الأسباب والجذور، وأن الإهتمام والزخم الحاليين سيتبخران بمجرد أن يتحقق ذلك الهدف.

error: Content is protected !!