Reading Time: 4 minutes

البشر مخلوقاتٌ مذهلة حقاً، فهم قادرون على العيش في أي مناخٍ تقريباً. خذ مثلاً شعب الاسكيمو الذين يعيشون في القطب الشمالي أو البدو الذين يعيشون في صحاري شمال افريقيا. لكن دراسةً جديدة تشير إلى أن البشر، مثل أي نباتٍ أو حيوان، لديهم مناخٌ أو بيئةٌ مثالية يزدهرون فيها أكثر من غيرها، لكن التغير المناخي سيدفع مليارات البشر خارج بيئتهم المفضّلة.

شارك بإعداد هذه الدراسة فريق دولي من العلماء بقيادة «تشي شو» من جامعة نانجينج، ونُشرت في موقع الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم «PNAS». أظهر الفريق في البداية أن معظم البشر عاشوا، على مدى 6000 عاماً الماضية، في مناطق كان متوسط درجة الحرارة السنوية فيها بين 11 درجة مئوية (مثل مناخ لندن تقريباً) و15 درجة مئوية (كمناخ روما أو ملبورن).

سيؤثر تغير المناخ في المستقبل على متوسط ​​درجة الحرارة هذا، وفي أقصى حدّ يبلغه، سيتسبب بخروج 3.5 مليار شخص من بيئتهم الحالية المناسبة. في الواقع، سيختبر ثلث سكان العالم متوسط درجات حرارةٍ سنوي يصل حتى أكثر من 29 درجة مئوية، وحالياً يعيش بالفعل البعض في مثل هذه الأجواء في بعض البقع الصحراوية الأعلى حرارةً في العالم.

البيئة الأنسب للإنسان

يدخل مفهوم النطاق البيئي الأنسب لازدهار الإنسان الحديث في صلب هذه الدراسة، وقد تغير هذا النطاق بمرور الوقت في الواقع. ويبدو أن الإنسان أثناء مسيرته التطورية من الرئيسيات في افريقيا قد تكيّفت وظائفه مع اتجاهات المناخ. يشعر الإنسان المعاصر براحةٍ أكبر بين 21 درجة مئوية و 27 درجة مئوية، وقد عاش أسلافنا في مناطق في أفريقيا ضمن متوسط ​​درجة الحرارة السنوي هذا.

لكن هذا النطاق المناخي توسع بشكل كبير بعد ذلك مع تعلّم الإنسان استخدام النار وتخزين ونقل مياه الشرب وصنع الملابس وبناء الملاجئ. وكما وجدت في بحثي، فإن هذه التطورات سمحت لنا في النهاية بالاستقرار في جميع القارات باستثناء القارة القطبية الجنوبية.

تقلّص النطاق البيئي المناسب للإنسان مجدداً مع اختراع الزراعة، أي منذ حوالي 10 آلاف سنة. حدث تدجين الحيوانات والنباتات في نهاية العصر الجليدي وظهر بشكلٍ مستقل في عشرة أماكن على الأقل حول العالم بما فيها آسيا والأمريكتين وافريقيا. ومن هذه المناطق انتشرت الزراعة والمزارعون الجدد وتنافسوا مع من كان يعيش على الصيد وجمع الثمار ودفعوهم إلى العيش في المناطق الهامشية. اليوم، يتم إنتاج 75% من غذاء العالم من 12 نباتاً وخمسة أنواعٍ حيوانية دُجنت خلال الموجة الأولى.

مخطط يُظهر المنطقة البيئية الأنسب للإنسان

مع توسع المزارعين من المناطق الأكثر دفئاً إلى الأراضي الأكثر اعتدالاً، زادت إنتاجيتهم بشكلٍ ملحوظ. أدت زيادة إنتاج الغذاء إلى زيادة عدد السكان، ولذلك يُعتبر نطاقنا البيئي والمناخي المناسب والنموذجي حيث تزدهر المحاصيل الزراعية وحيواناتنا المُستأنسة.

تكشف نظرة أكثر تعمقاً على ورقة PNAS الجديدة أن هناك اليوم في الواقع نطاقين مناخيين مميزين ومناسبين للبشر، يتراوح متوسط درجة الحرارة السنوي في الأول بين 11-15 درجة مئوية وفي الثاني بين 20-25 درجة مئوية. ويُعزى النطاق الأخير إلى عدد السكان الضخم الذي يعيش في المناطق عالية الخصوبة في جنوبي شرقي آسيا.

نطاقنا المناخي المستقبلي المناسب

مع ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض، سيزيد متوسط ​​درجة الحرارة السنوية لكل منطقة حتماً. تشير الدراسة الجديدة إلى أن التغير المناخي المتطرّف يعني أن 3.5 مليار شخص سيكونون مجبرين نظرياً على الانتقال أو الهجرة إذا أرادوا أن يبقوا تحت نفس النطاق المناخي الذي يعيشون في ظله اليوم. وحتى لو حافظت السياسات المناخية الصارمة الحالية على زيادة درجة الحرارة العالمية بحدود 2 درجة مئوية، فإن الورقة البحثية تجادل بأنه سيبقى هناك  1.5 مليار شخص يتعيّن عليهم نظرياً الانتقال أو الهجرة.

تمتلك المناطق المظلمة الصغيرة حاليًا متوسطات سنوية تزيد عن 29 درجة مئوية. بحلول عام 2070، سيوسع سيناريو التغير المناخي الشديد هذه المنطقة لتشمل جميع المناطق المظللة باللون الأحمر، وستكون موطنًا لـ 3.5 مليار شخص.

الأمر المخيب للآمال في هذه الدراسة هو أن التركيز ينصب بشكل رئيسي على السيناريو الأسوأ، والذي لم يعد واقعياً بسبب التغيرات في أساليب توليد الطاقة وكفاءتها.

إذا تعمقت في ملحق هذه الدراسة، ستجد أن مؤلفيها نظروا في سيناريوهات أخرى يمكن أن يكون الاحتباس الحراري فيها أقل حدةً. في الواقع، كنت أتوقع عرضاً أكثر توازناً، خاصةً وأن سيناريوهات الاحترار الأكثر واقعية لا تزال مخيفةً جداً.

كما لا تأخذ الدراسة في الاعتبار الطبيعة الديناميكية والقابلة للتكيف للتكنولوجيا والمجتمع البشري. فمع تغيّر المناطق المناخية، سيكون بالإمكان نقل معرفة المجتمعات التي تعيش حالياً في ظلّ مناخٍ أكثر دفئاً إلى المنطقة الجديدة.

قيود على العمل في الخارج

مع ذلك، تشير الدراسة إلى نقطة مهمة حول الأمن الغذائي. يُنتج نصف الغذاء في العالم في مزارع أصحاب الحيازات الصغيرة، حيث تكون معظم مدخلات الطاقة فيها عبارةً عن الجهد البدني للمزارعين.

تُفقد مليارات الساعات من العمل بسبب درجات الحرارة العالية

فمع ارتفاع درجة الحرارة، سيكون هناك المزيد من الأيام التي سيكون فيها القيام بالجهد البدني مستحيلاً في الخارج، مما يقلل من الإنتاجية والأمن الغذائي. في الواقع، يخلق تغير المناخ بالفعل مناطقَ في العالم حيث الحرارة والرطوبة شديدة للغاية بحيث لا يمكن للبشر تحملها. وقد أظهر تقرير لجنة المناخ في دورية «لانسيت» حول المناخ أن أكثر من 150 مليار ساعة عمل ضاعت في 2018 بسبب درجات الحرارة والرطوبة الشديدة. ويمكن أن يتضاعف هذا الرقم حتّى عدة مرات اعتماداً على عدد الأشخاص الذين  لا يزالون يعملون في الزراعة الريفية.

إذا وضعنا تحفظاتنا جانباً، فهذا البحث تجربةٌ فكرية رائعة. إن المقارنة بين النطاقات المناخية السابقة والحالية يكشف لنا عدد الأشخاص في العالم الذين سينتقلون خارج نطاقهم المناخي الحالي بسبب الاحترار العالمي، أي بين 1.5 إلى 3 مليار إنسان. كما يكشف البحث أن الأشخاص الأكثر تأثراً بتغير المناطق المناخية هم الأكثر فقراً واعتماداً على الغذاء الذي ينتجه مالكوا الحيازات الصغيرة الذين في يعملون في الظروف الخارجية.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن