Reading Time: 4 minutes

عندما هبطت المسابر الفضائية التابعة لبرنامج «فايكنج» على سطح المريخ في ذروة فضيحة «ووترجيت» في سبعينيات القرن الماضي، أثارت عاصفة من النقاش حينها؛ واستمر الجدل بعدها لأكثر من 4 عقود، وحتى وقتنا الحالي.

كانت تلك أول مهمة ترسلها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» إلى المريخ للبحث عن أشكال الحياة التي قد توجد هناك، وتحديداً للبحث عن الميكروبات المريخية، لكنها لم تتوصل حينها إلى نتائج حاسمة حول المهمة التي أُرسلت من أجلها. فقد عُثر على علامات على وجود حياة مع غياب المكونات التي من المفترض أن تتطلبها وجود هذه الحياة. وبرر أغلب الباحثين ذلك بأنّ خللاً كيميائياً ما قد حدث أثناء التجارب التي قام بها المسباران هناك؛ وهذا يفسّر النتائج المُتناقضة، إلا أن البعض منهم ما زال مقتنعاً أن مسبار الفايكنج اكتشف وجود حياة على سطح المريخ عام 1976. كان من بين هؤلاء «جيلبرت ليفين»، أحد الباحثين الأساسيين في مهمة فايكنج، ودعا منذ فترة طويلة إلى القيام بمتابعة المهمة الأساسية، وتنفيذ نسخة أكثر تطوراً من التجربة الأصلية، وذلك حسب ما قاله مؤخراً في مقال له في دورية «ساينتفيك أميركان». ومع ذلك، وبعد تنفيذ 6 عمليات هبوط على المريخ فيما بعد، لم تقم أيّ مهمة منها بحسم الجدل حول تلك النقطة، تاركين بذلك «ليفين» ومساعديه يسألون سؤالاً صريحاً بلا إجابة عليه حتى الآن؛ لماذا توقفنا عن البحث عن حياة على المريخ؟

تنبع قناعة ليفين من التفكير ملياً في نتائج ما دُعي حينها بتجربة «labeled release». والتي فيها جمعت المركبة عينات من التربة وأضافت لها محلولاً مغذياً مع مادة الكربون المشّع، عمل المحلول المغذي كمصدرٍ للطاقة لنشاط أي ميكروبات مُحتملة، بينما عمل عنصر الكربون المشع لتتبع نشاط هذه البكتيريا الأيضي. وأخذت معدات المركبة عيناتٍ منتظمة من الهواء المحيط بتلك العينة للكشف إن كان هناك أي نواتج لنشاط ميكروبي في الهواء عن طريق الكشف على الكربون المشع. بعد اكتشاف أن شيئاً ما بدا أنه يتفاعل مع ذرّات الكربون المشع، كانت الخطوة التالية لناسا هي إعادة التجربة كشاهد أو للتأكيد. إذا كان هذا النشاط ناجماً عن استهلاك الميكروبات الحية المحتملة مع ذرّات الكربون، فلا بدّ أن يلاحظ الباحثون تغيراً  في عدد ذرات الكربون الموجود إذا قاموا بتسخين العينة (لتعقيمها) في التجربة التالية.

سخن الفريق العينة إلى 160 درجة مئوية، فتوقّف التفاعل. وفي تجربةٍ أخرى، أدى إبقاء عينة التربة في الظلام لعشرة أيامٍ لتوقّف ذلك التفاعل الغامض أيضاً، بينما أدى تسخين العينة إلى 120 درجة مئوية إلى إبطائها فقط.

ألمحت نتائج تجربة «labeled release» إلى أن الحرارة والظلام ربما عملا على قتل بكتيريا تربة المريخ التي تقتات على الكربون، إلا أن التجارب الأخرى في مهمة فايكنج تفيد بنتائج مناقضة. لم تُكتشف أيٌ آثارٍ للمكونات الكيميائية؛ والتي تتكون منها الحياة على الأرض، مثل الأحماض الأمينية، مما يشير إلى أن التربة «الميتة» كانت تنشر الغازات فقط من خلال تفاعلات كيميائية ليس إلا. (لا يزال هذا الاستنتاج قيد المناقشة أيضاً).

أعاد ليفين تجارب أخرى في أماكن قاحلة حول العالم، مثل القارة القطبية الجنوبية وصحراء أتاكاما في تشيلي، تحاكي تجربة بعثة فايكنج على المريخ، وبعد ذلك، نشر ليفين ورقةً بحثية خضعت للتقييم عام 2016 في دورية «أستروبيولوجي» يجادل فيها بأنه لا توجد نظريةٌ بديلة تتوافق مع نمط النشاط الذي اكتشفته بعثة فايكنج. وهو يدعو حالياً لإجراء نسخةٍ محدّثةٍ من تجربة فايكنج؛ يمكن من خلالها التمييز بين النشاط الكيميائي والبيولوجي بدقة أكبر، إلا أنّ ناسا ليس لديها خططٌ لإجراء مثل هذه التجارب في مهامها المستقبلية.

إذا كانت الحياة موجودة على المريخ، فمن المرجح أنها مُشبَعة بالملح.

في هذا الصدد، يقول ممثل ناسا في برنامج الفضاء الأحيائي في بيانٍ له عبر البريد الالكتروني: «إنّ فكرة اكتشاف وجود حياة على المريخ من خلال تجربة أو مهمة واحدة غير معقولة في الوقت الحالي، وأظهرت نتائج بعثة فايكنج بالإضافة للتحاليل التي أُجريت على بقايا النيزك المريخي من القارة القطبية الجنوبية مدى صعوبة اكتشاف دليلٍ حاسم على الحياة، حتى مع إجراء عدة تجارب مختلفة عليه».

إن تفسير أي تجربة حتى ولو كانت واضحة النتائج يتطلب الكثير من السياق المُعقّد، وهو السياق الذي تفتقده التجربة التي أجرتها بعثة فايكنج على المريخ، والتي بقيت إلى اليوم غير مكتملة. يقول جون روميل، وهو عالمٌ في معهد «SETI»، وضابط سابق في حماية الكواكب في وكالة ناسا: «تعتمد استراتيجية ناسا لإيجاد حياة خارج الأرض منذ ذلك الحين هي العثور على البيئات المناسبة أولاً ثم البحث عن الحياة بعد ذلك، ونحن ما نزال في مرحلة البحث عن البيئة المناسبة فعلياً. أرغب بالفعل بالعودة وإجراء دراساتٍ للكشف عن وجود حياة، ولكن في المكان المناسب، كالمريخ الرطب والدافئ والذي نعلم عنه الكثير نسبياً».

على الرغم من أن ناسا تخلّت عن إجراء تجارب مباشرة للكشف عن وجود حياة لصالح سعيها لتبين تفاصيل أكثر عن البيئة المريخية التي من المحتمل ان تحمل أجوبةً شافية، إلا أن الباحثين ما زالوا قادرون على جمع الكثير من الأدلّة البيولوجية  المفصّلة من المركبات الفضائية، رغم أن معظمها يرسم صورةً قاتمةً لاحتمال وجود حياة على المريخ.

فبدون وجود حقلٍ مغناطيسي شبيه بالذي يحيط بالأرض، وبدون طبقة حامية مثل الأوزن على المريخ، فإنّ أي نوعٍ من الحياة هناك سيكون عليه تحمّل تبعات التعرّض للأشعة الكونية، والأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس، وهي مميتةٌ ولن تستطيع حتّى كائنات «التارديجرادا» المجهرية -مخلوقاتٌ قادرة على تحمّل الإشعاع النووي- تحمّلها. ومما زاد الأمور سوءاً، اكتشاف مركبة الهبوط «فونيكس» منذ 10 سنوات أن تربة المريخ تحتوي على نسبة 1% من تركيبها على «بيركولات الأمونيوم»، وهي مادةٌ تتحلل إلى مواد كيميائية سامة لكل أشكال الحياة. (بالمناسبة، وجدت تجارب تلت مهمة الفايكنج أن البيركولات يمكن أن تشارك أيضاً في التفاعلات التي تطلق الكربون بطريقة تحاكي ما تفعله أشكال الحياة على الأرض، رغم أن ليفين يجادل بأن ذلك لا يمكن أن يكون تفسيراً لتجربة فايكنج).

كان من المفترض أن تكون النيازك التي سقطت على المريخ قد حملت معها الأحماض الأمينية والجزيئات العضوية الأخرى، ولكن مركبة «كيورسيتي» لم تجد أي أثر لتلك العناصر هناك تماماً، ولا حتّى دليلاً على أن الحياة وُجدت هناك في السابق، ولكنها اختفت فيما بعد بسبب الاشعاعات التي يتلقاها سطح المريخ. في الواقع، لم يقتنع العلماء بإعادة النظر في نتائج مهمة بعثة فايكنج نظراً لبيئة المريخ التي تظهر أنها لا تدعم الحياة مطلقاً.

يقول «صموئيل كونافيس»، عالم الكيمياء الكوكبي في جامعة تافتس: «إن الأمر يشبه القول؛ هل يمكن أن تعيش في فرن بدرجة 400 درجة، بغض النظر عمّا قد تجده هناك».

ويضيف كونافيس: «لا أحد يستطيع التأكيد أن الحياة وُجدت هناك في السابق، ولكنها لم تنجو أو لم تجد وسيلةً للاستمرار، ولكن بين تعقيد تفسير النتائج من تجربة واحدة، وضعف احتمال وجود حياة على السطح، لن يكون مفاجئاً أن نمط الحياة الذي اقترحته تجربة بعثة الفايكنج لم ينجح في تلبية الشروط والمتطلبات لإقناع ناسا بإرسال بعثة لاحقة للتحقق من الأمر، في الحقيقة، لا ترغب ناسا بإرسال مهمة إلى هناك وإنفاق الكثير من المال والعودة بنتائج حول بعض التفاعلات الكيميائية فقط».

عوضاً عن ذلك، تنصبّ أبحاث كونافيس على تصميم بعثات هدفها اكتشاف قمر زحل «إنسيلادوس» وقمر المشتري «أوروبا» اللذان يحتويان على الماء والغاز، ويمكن جمع عيناتٍ من بخار الماء المتطاير نحو الفضاء من أجوائهما وتحليلها، وتشير المسوحات السابقة إلى إمكانية استضافتهما لبعض أشكال الحياة عليه.

لا ينفي كونافيس احتمال أنّ حياة وجدت على المريخ غالباً، بل وربما، ما تزال موجودةً حتى الآن، ولكن كما يقول كونافيس، ليس في المكان الذي جالت فيه المركبات الفضائية التي أُرسلت للمريخ، ولكن اكتشافها يحتاج الكثير من الجهد والبحث.