Reading Time: 5 minutes

يعتبر التأمل من الأشياء القليلة التي لا تحوي على أية سلبيات على ما يبدو. وعلى الرغم من أن حقل التأمل ما زال في بداياته، فإن الأبحاث تشير إلى أنه قد يساعد على زيادة التركيز والانتباه، والتخفيف من التوتر والاكتئاب، وتحسين الإحساس بالإيثار والتعاطف. لا يعرف العلماء بالضبط مصدر هذه الآثار (أو مداها الفعلي) ولكنهم يعتقدون أن هذا يحدث عن طريق تغيير بنية ووظيفة عدة مناطق هامة في الدماغ، بما فيها المناطق المرتبطة بالتعلم والذاكرة وتنظيم العواطف. وقد تكون أفضل مزايا التأمل أنه مجاني (إذا كنت تجيد ممارسته بشكل صحيح)، وليس له أية آثار جانبية تذكر.

على الرغم من البساطة الظاهرية للتأمل (والتي تقوم على مجرد “إفراغ الذهن” والتركيز على التنفس) وفوائده المحتملة، فإن الحديث عنه أسهل من ممارسته فعلياً. ويعمل فريق صغير من الباحثين على دراسة إمكانية استخدام تكنولوجيا التحفيز الكهربائي المباشر العابر للجمجمة (tDCS) لتسهيل عملية التأمل ومساعدة المزيد من الأشخاص على ممارسته بانتظام. وكل ما تحتاج إليه هو وضع قطبين كهربائيين على جبهتك وتطبيق صعقة كهربائية خفيفة على دماغك.

من جهته بشار بدران، وهو عالم أعصاب في مختبر أبحاث الجيش الأميركي وأحد مؤسسي شركة بودي نيوروتيك التي تعمل على استخدام طريقة tDCS مع التأمل، يقول إن معظم الناس الذين يحاولون التأمل يتركونه: “سيرتدون سماعات ويستخدمون تطبيقاً ما، ومن ثم سيحاولون التأمل ويقولون: لم أشعر بأي شيء، ومن ثم سيتخلون عن الفكرة”.

تعتبر الطريقة موضوع الدراسة، أي tDCS، نوعاً من التحفيز الدماغي غير الباضع (أي انطلاقاً من خارج الجمجمة من دون تدخل جراحي مثلاً) والذي ظهر في 2001. تتضمن الطريقة تثبيت قطبين كهربائيين على جلد الرأس، أحدهما يقوم بتوصيل الشحنة الموجبة إلى الدماغ والآخر يقوم بتوصيل الشحنة السالبة. يؤدي تغيير التردد الكهربائي في الدماغ إلى تغيير قابلية العصبونات –التي تتواصل مع بعضها البعض عن طريق الإشارات الكهربائية- لإطلاق السيالات العصبية، زيادة أو نقصاناً، ويمكن مع مرور الوقت أن يؤدي هذا إلى تغيير الروابط بين خلايا الدماغ.

يُجري الباحثون دراسات على هذه الطريقة لاستخدامها في معالجة مجموعة متنوعة من الأمراض العصبية والنفسية، مثل الاكتئاب والألم المزمن وداء باركنسون والإدمان والأرق. كما توجد عدة شركات تبيع تجهيزات مخصصة لهذه الطريقة إلى المستهلكين مباشرة، وتزعم أنها قادرة على تحسين الانتباه والتركيز وزيادة الطاقة وحتى تحسين الإمكانات الرياضية. غير أن جميع هذه الادعاءات ما زالت غير مثبتة، ولم تحز هذه الطريقة حتى الآن على موافقة الإدارة الأميركية للغذاء والدواء لمعالجة أي مرض.

حتى الآن، يبدو أن الفائدة الأقرب إلى الإثبات لهذه التكنولوجيا هي تحسين القدرة على التعلم. حيث أن الشحنات الموجبة الناتجة عن هذه الجرعة الكهربائية الخفيفة تساعد – على ما يبدو – على زيادة إمكانية عمل العصبونات. وقد تكون هذه الدفعة الإضافية مفيدة بشكل خاص عند محاولة تعلم مهارة جديدة، وهو ما يتطلب من الدماغ بناء روابط جديدة بين الخلايا التي قد لا تكون مستخدمة في التوصيلات من قبل. إن تعلم التأمل شبيه بتعلم أية مهارة أخرى، ولهذا يبدو من المنطقي أن tDCS ستسهل من هذه العملية.

من المفيد أن نشير إلى نقطة هامة حول هذا البحث، وهي أنه لا أحد يعرف بالضبط مدى فعالية طريقة tDCS. وهناك جدل حاد في الأوساط العلمية حول ما إذا كان التيار الكهربائي قادراً حقاً على اختراق الرأس بما يكفي ليؤثر بأية طريقة على الدماغ. إضافة إلى هذا، فليس من السهل أن تؤكد أنك تستهدف المنطقة المطلوبة فعلاً. غير أن بدران وغيره من الباحثين يقولون بأنهم واثقون من الآثار والنتائج التي رأوها.

يقول فينس كلارك، وهو بروفسور في علم النفس في جامعة نيو مكسيكو، ولا علاقة له بشركة بودي نيوروتيك: “إذا درست عدة أشكال من الإدراك، ستجد أن tDCS فعالة على وجه خاص في تغيير الانتباه. إن التأمل الواعي في جوهره يعني التعلم بالتحكم بالانتباه داخلياً وخارجياً. ولهذا، يبدو من المنطقي أن تساعد طريقة tDCS على تحسين التأمل الواعي، لأنها تساعد على الانتباه، وهو جوهر التأمل الواعي”.

يقوم التأمل الواعي، وهو أحد أكثر أشكال التأمل شعبية في الثقافة الغربية حالياً، على تركيز الانتباه على اللحظة الحالية، مع سلوك يتصف بالفضول والانفتاح والقبول. تبين دراسات التصوير العصبي أن الممارسة المنتظمة يمكن أن تزيد من حجم عدة مناطق أساسية في الدماغ، مثل القشرة الجزيرية اليمنى. وهي المنطقة المتعلقة بالحس الداخلي، أي إدراك الجسم والأحاسيس الجسدية. يؤدي التأمل أيضاً إلى تخفيض النشاط في شبكة النمط الافتراضي، وهو نظام مؤلف من مجموعة متصلة من المناطق الدماغية التي تنشط عندما يسرح التفكير، وتتضمن التفكير بأنفسنا وعلاقاتنا. ويشير البحث إلى أن النشاط المرتفع في هذه الشبكة يرتبط بالإحساس بالتعاسة. وبتخفيض النشاط في شبكة النمط الافتراضي وزيادة النشاط في القشرة الجزيرية، يمكن أن يساعد التأمل الواعي على التخفيف من الهوس بالتفكير بوجهة نظرك بنفسك ووجهة نظر الآخرين بك، وتصبح أكثر ارتباطاً باللحظة الحالية، أي أنك ستكف عن الإصغاء إلى دماغك وتبدأ بالإصغاء إلى جسدك.

يقول زيف شومان، مدير مركز التأمل الواعي والتعاطف في اتحاد كامبريدج الصحي، وهو نظام أكاديمي اجتماعي للرعاية الصحية ذو علاقة مع مدرسة هارفارد الطبية: “ما نراه في التأمل الواعي هو عبارة عن تحسن في الانتباه والتحكم الإدراكي. لقد رأينا تحسناً في تنظيم المشاعر مراراً وتكراراً. كما شهدنا تغيراً في عمليات التفكير الذاتي يتلخص بتقليل التفكير المتكرر بالذات والإشارة إلى الذات في التفكير. لقد لاحظنا أيضاً زيادة في الحس الداخلي، وهو القدرة على التواصل مع أحاسيس الجسد والشعور به”.

يعتقد بدران وشريكه في بودي نيوروتيك، بارون شورت، وهو بروفسور مساعد في العلاج النفسي في جامعة ساوث كارولينا الطبية، أن طريقة tDCS يمكن أن تساعد على تسريع هذه التغيرات الإيجابية. وفي دراستهم الأولى التي نشرت السنة قبل الماضية، أشرفوا على متأملين مبتدئين عبر جلسة لمدة 20 دقيقة من التأمل الواعي الموجه أثناء زيادة النشاط الكهربائي في القشرة الجزيرية اليمنى وتخفيض نشاط شبكة النمط الافتراضي. ولتحقيق هذا الأمر، وضعوا قطباً كهربائياً إيجابياً على الصدغ الأيمن، والذي يقع فوق القشرة الجزيرية، وقطباً كهربائياً سلبياً فوق الحاجب الأيسر لاستهداف القشرة الوسطى أمام الجبهية، والتي تعتبر جزءاً من الشبكة. وقد عبر المشاركون عن الإحساس بمستويات أعلى بكثير من “التصرف بوعي” بعد التأمل بمساعدة طريقة tDCS بالمقارنة مع التأمل بدونها، ولكن لم تظهر تغيرات مزاجية أخرى.

لا تظهر فوائد التأمل عادة إلا بعد ممارسته بانتظام، ولهذا ليس من المفاجئ أن الناس لا يحسون بدفعة مزاجية بعد جلسة واحدة. ما زال بدران وشورت يأملان بأن يؤدي التحفيز إلى مساعدة الناس على الإحساس بفوائد التأمل بسرعة أكبر، بحيث يصبحون أكثر استعداداً للالتزام بالممارسة بدون الإحباط الناجم عن احتمال عدم وجود فائدة. يقول بدران: “تساعد هذه الطريقة الناس على الإحساس بالسكون والهدوء. وقد قال لنا الكثيرون –وإن يكن بشكل غير موثق علمياً- أن أذهانهم لم تعد تسرح، وأنهم أصبحوا أكثر صفاء من الناحية الذهنية، وأنهم يرغبون بفعل هذا مرة أخرى. وهو ما نسعى إليه في نهاية المطاف”.

ليس هذان العالمان الوحيدين الذين يدرسان الجمع ما بين التأمل والتحفيز، حيث أن كلارك أيضاً يبحث في إمكانية استخدام tDCS لتحسين بعض من الفوائد العلاجية للتأمل، ويقول: “يظهر التأمل الواعي إمكانات واعدة، ولكن الأثر صغير في أغلب الأحيان. وبجمعه مع التحفيز الدماغي، نأمل بأن نحصل منه على المزيد من الفوائد. ومع تساوي جميع العوامل الأخرى، مثل الوقت والجهد، سنحصل على مفعول أكبر إذا ساعدنا على تغيير وظائف الدماغ بالتحفيز في نفس الوقت الذي يحاول فيه المتأمل تغيير وظائف الدماغ بالتأمل الواعي”.

في دراسته الأحدث، يدرس كلارك إمكانية استخدام التأمل الواعي وطريقة tDCS لمساعدة المدمنين على الكحول على التقليل من تعاطيه. لم يُنشر البحث بعد، ولكنه يقول أن النتائج تشير حتى الآن إلى أن المشاركين الذين تلقوا العلاج بالتأمل و tDCS هم أكثر قابلية للالتزام بالبرنامج وحضور المزيد من الجلسات، مقارنة بمن تلقوا العلاج بالتأمل فقط. وهو ما يذكر بنظرية بدران وشورت في مساعدة المبتدئين على الالتزام بممارسة التأمل بسهولة أكبر. غير أنه ما زال من المبكر أن نجزم بأن هذه الجلسات قادرة أيضاً على التخفيف من تعاطي الكحول.

قد لا يكون من الممكن بالنسبة لك بعد أن تعتمد على تحفيز دماغك بهذه الطريقة، ولكن ممارستك للتأمل بنفسك لن تضر، بل قد تفيد. وإذا كنت بحاجة إلى بعض المساعدة، فهناك تكنولوجيات أخرى تقترن مع التأمل، مثل تطبيقات هيدسبيس وكالم. وفي نهاية المطاف، تؤول جميع هذه الطرق إلى نفس الخطوات: أغلق عينيك، أفرغ ذهنك، وركز على تنفسك.