Reading Time: 5 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


تم وصف الحجر المطبّق في مدينة ملبورن الأسترالية بأنه أحد أقسى ما تم تطبيقه في العالم. كما أن السلطات القضائية خارج أستراليا غيّرت من إجراءاتها للحد من انتشار كورونافيد بمجرد انخفاض عدد الإصابات نسبياً.

لذلك يحق لنا أن نطرح السؤال المشروع، هل ما زال الحجر العام هو الخيار الأفضل، وله فائدة حقيقية في غياب وجود علاج موثوق لكوفيد-19 أو لقاح مرخص له؟

للإجابة على هذا السؤال، لا يكفي الدليل العلمي وحده، بل نحتاج للأخلاق أيضاً كي نقرر ما هي العوامل التي يجب أن يكون لها أثر أكبر في اتخاذ قرارنا.

بعض هذه العوامل ليست واضحة للغاية.

كيف يجب قياس أثر كوفيد-19؟

من الواضح أن عدد الحالات والوفيات هو عامل مهم لدى قياس آثار كوفيد-19. لكن ليس بالضرورة أن تكون حالة ما «سيئة».

وعلى الرغم من أنّ التقديرات تتفاوت، فنحن نجد أنّه حوالي 40 – 45% من الحالات لا تظهر عليها الأعراض. وليس الموت (بحد ذاته) هو المهم هنا.

يكمن سوء الموت أننا نُحرَم من الحياة التي كان يمكننا أن نعيشها، لكن لو أنك متّ بثانية واحدة أبكر مما يجب، فذلك بحد ذاته ليس سيئاً. لذلك فالهام أخلاقياً هو ليس الموت بحد ذاته، إنما سنوات الحياة التي ضاعت.

بل حتى ما سبق هو ليس الأمر المهم في نهاية المطاف. فلو أمكن لك أن تعيش 20 سنة إضافية في غيبوبة، لا يمكن لك أن تعتبر ذلك مكسباً. ما يهم هو سنوات الحياة الجيدة (بما يكفي) التي خسرتها.

كم يجب أن ندفع لإنقاذ حياة ما؟

في عالم مثالي، لا يهم المقدار الذي يجب أن ندفعه كيف ننقذ حياة ما. إلّا أنّنا نعيش في عالم محدود الموارد.

لذلك فإن مفهوم «عدد السنوات المصححة بجودة الحياة» أو اختصاراً «كيو إيه إل واي» يمكّننا من وضع سعر للحياة، أو على الأقل للمقدار الذي ينبغي إنفاقه في محاولة إنقاذها. إنّها سنة من الحياة مقيّمة وفق نوعيتها. إنّ سنة من حياة ذات نوعية مثالية تعطى القيمة 1، في حين أن الغيبوبة تكون قريبة من الصفر.

إنّ هذه الفكرة خلافيّة لأسباب مفهومة تماماً، ليس أقلّها أنّها تعطي قيمة أخفض لسنة من الحياة تمّ قضاؤها بوجود إعاقة ما.

ومع ذلك، فكمية الحياة النوعية التي ننقذها هي أمر هام للغاية. قبل الجائحة لم يتجاوز الإنفاق الصحي الحكومي في أستراليا في العادة 50000 دولار أسترالي لكل «كيو إيه إل واي».

في نهاية شهر مارس/ آذار، قدّر اقتصاديون موجودون في الولايات المتحدة الأميركية أنّ الإجراءات ذات المقياس الكبير المتبعة لمواجهة كوفيد-19 كالحجر مثلاً تكلّف بين 75 ألف دولار أميركي، و650 ألف دولار أميركي لكل «كيو إيه إل واي».

كما قال رئيس وزراء أستراليا السابق «طوني آبوت» أنّ ما أنفقته أستراليا حتى الآن على كلِّ «كيو إيه إل واي» أثناء الجائحة يتجاوز معاييرنا الاعتيادية:

«حتى لو أنّ الحجر الإجباري في أستراليا كان وحده من جنّبنا الـ 150ألف وفاة التي تم التنبؤ بها في البداية، عندها ستكون الكلفة هي حوالي 2 مليون دولار لكل حياة تم إنقاذها. فلو كان متوسط أعمار الناس الذين كان من الممكن أن يموتوا هو 80، وحتى لو اعتبرنا أنّ المتبقي من حياتهم هو تقريباً 10 سنوات، فذلك يعني أنّ الكلفة ستكون 200 ألف دولار لكل سنة حياة نوعية، وهو رقم أكبر بكثير مما تكون الحكومات متجهزةً لدفعه في العادة على العقاقير المنقذة للحياة.

إلّا أنّ تقييم كلفة الحجر ليس بتلك البساطة. إذ علينا أيضاً أن نقدّرالكلفة المحتملة لعدم تطبيق الحجر.

أحد أهداف الحجر هو حماية الأنظمة الصحية من الانهيار. إذ لو خرج كوفيد-19 عن السيطرة، سنخسر عدداً أكبر بكثير من الضحايا مما يصاحبه معاناة أكبر بكثير، وأخطار جسيمة على الاستقرار الاجتماعي، وستكون الكلفة في سنوات الحياة والخسائر المالية مرعبة.

إنّ البيانات الأولية تفنّد الفكرة القائلة بوجود تعارض جوهري بين الصحة العامة من جهة وصحة الاقتصاد من جهة أخرى. فقد يسمح التحكم الجيد بانتشار الفيروس بزيادة تدفق المال على المدى المتوسط. ولو كان الحجر هو الطريقة الوحيدة للحصول على هذا التحكم، عندها سيشكل ضمانةً على الصعيدين الصحي والاقتصادي.

لكن لو وجدت إجراءات صحية فعالة أخرى وأقلّ ضرراً من الناحية الاقتصادية، فستكون هي التي يفضل اتباعها.

لذلك كيف نستطيع تقدير الكلفة لكل «كيو إيه إل واي» والناتجة عن الحجر؟ إنّه سؤال صعب وغير مريح في نفس الوقت. إلّا أنّه بات من الضروري لنا أن نتناوله.

الجانب الآخر للحجر

على الرغم من أنّ الحجر يحدّ من تعرضنا لكوفيد-19، إلا أنّه قد يكون سيئاً على صحتنا.

ففي الحجر يقل احتمال الحصول على الرعاية الصحية المتعلقة بمسائل أقل إلحاحاً. فمعدلات الكشف عن السرطان حالياً هي أقل بكثير من المتوقع، مما قد يقود إلى ارتفاع في عدد الوفيات التي كان من الممكن منع وقوعها.

بالإضافة إلى ذلك، توجد مخاوف حول زيادة حالات الانتحار، والإدمان على الكحول، ومشاكل الصحة النفسية الأخرى، إضافة إلى العنف المنزلي.

قد يستغرق الأمر بعض الوقت لمعرفة التكاليف النفسية والاجتماعية للحجر، إلا أنه علينا أن نحاول أخذ هذه الأمور بعين الاعتبار لدى إجراء تقديراتنا. فالصحة العقلية السيئة يمكن لها أن تقصّر من الحياة، أو تخفض من نوعيتها بشكلٍ كبير. كما يمكن للنتائج الاجتماعية السلبية أن تترك آثاراً تدوم لعدة أجيال.

ما هي البدائل القادرة على إنجاز نفس الهدف وبتكلفة أقل؟

لا ينبغي علينا مقارنة الحجر الصحي العام بعدم اتخاذ أي إجراء، بل يجب علينا أن نقارنه مع إستراتيجيات أخرى يمكن اتباعها. هنا يمكن لنا التعلم من تجارب دول أخرى، وكيف تم استبدال الحجر بسياسات بديلة ما أن أصبحت الأرقام تسمح بذلك.

فعلى الرغم من أنّ برنامج التعقب القوي الذي وظّفته كوريا الجنوبية أثار بعض المشاكل المتعلقة بالخصوصية، إلا أنه نجح في توظيف التباعد الاجتماعي لإبقاء عدد الوفيات قريباً من 370 حتى الآن.

أمّا دول مثل أيسلندا وفيتنام وسنغافورة وتايوان فقد اتبعت إجراءات مثل زيادة عدد الاختبارات، وتعقّب المخالطين، وفرض العزل قسراً. في سنغافورة مثلاً، عوقب الكهنة بالحبس لمدة تصل إلى 6 أشهر.

صحيح أنه حدثت بعض الأخطاء المكلفة فعلاً. فسنغافورة على سبيل المثال قد سمحت للمواطنين العائدين إليها بأن يتم حجرهم مع أفراد أسرهم دون عزلهم عنهم، مما جعل الحجر جزئياً. لكن على الرغم من ذلك، يبدو أن هذه الدول قد نجحت في استعادة السيطرة على زمام الأمور.

وحتى لو كان عدد السنوات من الحياة التي تم إنقاذها باستخدام هذه الإستراتيجيات مماثلاً لتلك التي تم إنقاذها باستخدام الحجر، فإن هذه الإستراتيجيات البديلة، إذا ما طبقت بشكلٍ صحيح، تبقى مفضّلة على الحجر. والسبب أن كلفتها أقل: اقتصادياً واجتماعياً ولناحية الحرية المفقودة.

ما هي القيمة التي تثمّنها؟

إن استخدام «عدد السنوات المصححة بجودة الحياة» كمقياس للنتائج يواجه انتقادات لاذعة. فغالباً ما نجد صراعاً ليس له حل بين تحصيل أعظم قدر منه من جهة، وبين إعطاء كل شخص نفس الفرصة كي يعيش حياة ذات نوعية عالية لأطول فترة ممكنة من جهة أخرى.

تخيل طبيباً يواجه قراراً باختيار الشخص الذي سيمنحه آخر سرير في وحدة العناية المركزة: هل يعطيه لشابة تبلغ الـ 30 من العمر، بصحة تامة ولديها طفلان وعمل، أو لسيدة عجوز تبلغ من العمر 85 عاماً ومصابة بمرض عقلي في مراحله المتقدمة، بحيث أنها غير قادرة على تمييز نفسها أو عائلتها؟

إن مقاربة تعتمد على تحصيل أعظم قدر من «عدد السنوات المصححة بجودة الحياة» تملي عليه أن يمنح السرير للشابة ذات الـ 30 عاماً، في حين أنك لو كنت تفضل المساواة، فعليك أن تقرر النتيجة بناء على نتيجة رمي قطعة نقود مثلاً. تجبرنا جائحة كورونا على أن نتخذ قرارات حول إذا ما كانت الحياة لديها نفس القيمة للجميع أم لا، وهل تستحق الإنقاذ بنفس الدرجة؟

ثم تأتي قصة العدالة (أو ما يدعوها الفلاسفة الصحراء). إن صغار السن قد عاشوا حياة جيدة لفترة أقل ممن هم أكبر سناً، وينتظرهم المزيد في مستقبلهم. فخطر موتهم قليل. ومع ذلك، فأثناء الجائحة كان عليهم تقديم الكثير من التضحيات في نوعية حياتهم، سواء من خلال فقدان الوظائف، أو ضياع الفرص، أو تقييد الحركة. فإذا ما كنا نثمّن «الصحراء»، فعلينا أن نثمّن فكرة أنه يجب تفضيل الأشخاص الأصغر سناً.

يقودنا ذلك إلى قيمة الحرية. فالحجر وحظر التجوال وتقييد حرية الحركة، والتجمع والتظاهر هي من بين أقسى القيود الممكن فرضها. لذلك ما علينا فعله حقاً هو أن نقيد حرية الناس بأقل قدر ممكن، وذلك باستخدام هذه الإستراتيجية باعتدال، ولأهداف محددة فقط.

إذاً، إلى أين يقودنا ذلك؟

للإجابة على سؤال هل كان الحجر هو الأفضل ويستحق المعاناة لتنفيذه، علينا الاتفاق على طريقة تقييم النتائج (عدد الحالات، الحياة، سنوات الحياة الضائعة، «عدد السنوات المصححة بجودة الحياة») وما هي المبادئ الأخلاقية الأخرى التي تهمنا (المساواة، الحرية، الصحراء)؟

ستختلف الإستراتيجية الصحيحة طبقاً لما سبق. فتطبيق حجر شديد وقصير ومبكر قد يقضي على الفيروس، ويسمح لحياة الجميع بالاستمرار بالشكل المعتاد، كما يحافظ على الاقتصاد. بينما ستكون هناك حاجة لحجر أطول عندما يصبح النظام الصحي مهدداً، فهذا قد يمنع خسارة ضخمة في الأرواح نتيجة جميع الأمراض. كما أن تطبيق حجر في انتظار تثبيت إجراءات أكثر ذكاءً له قيمته أيضاً.

إلا أن الحجر قد لا يكون هو الحل الوحيد الأفضل. فبالنسبة لمعظم الدول الآن، باتت إستراتيجيات أخرى ذات قيمة أكبر بالنسبة للمجتمع.